العلاقة بين الأحكام القانونية والمعايير السائدة

د. عبد القادر ورسمه غالب

في حالات كثيرة تتم الاشارة الي ضرورة التقيد والالتزام التام وذلك "وفق الأحكام القانونية والمعايير السائدة"، وهذا الجمع المتواصل وفي الكثير من الحالات في ما بين "الأحكام القانونية" و "المعايير السائدة" قد يحتاج لبعض التوضيح خاصة في العلاقة بين الأحكام القانونية والمعايير السائدة.

في البداية نقول أن كل منهما قد يكون مكملا للطرف الأخر، اذا دعي الحال أو اقتضت الظروف ذلك، بالرغم من أن لكل منهما منشأ مختلف ووظيفة مختلفة وكذلك نتائج مختلفة. ان "الأحكام القانونية" أو التشريعات والقوانين، تصدر في الأساس من السلطة التشريعية المختصة في البلد المعني وبعد ذلك يقوم رأس الدولة بالتوقيع عليها لتصبح قانونا ساريا نافذا في البلد. وهكذا تولد وتأتي الأحكام القانونية بالتنسيق المتكامل في ما بين السلطتين التشريعية والتنفيذية وكل منهما يقوم بدوره الدستوري في هذا الخصوص. ومن المهم أن نذكر أن الأحكام القانونية والتشريعات تصدر لتنظم الأمر المعني في كل الدولة وهي بسريانها تنطبق علي الجميع وتطغي علي الجميع دون فرز. وكذلك من المهم أن نذكر أن لهذه الأحكام القانونية قوة النفاذ وكل من يخالفها يقع تحت طائلة القانون ويكون عرضة للعقوبات المنصوص عليها في الأحكام القانونية. والقوانين هي مجموعة الأحكام أو الأوامر أو التعليمات الصادرة من الجهة المختصة لتنظيم أمر معين مع النص علي عقوبة من يخالف هذه الأحكام أو الأوامر. وعليه، فان أهم ما يفرق بين الأحكام القانونية وغيرها من الأحكام "أو المعايير" وجود العقوبة الجزائية، وعدم وجود نص العقوبة بالضرورة يعني أنها تخرج من اطار القانون أو التشريع، وبالتالي يجوز أن نسميها أي شيء عدا القانون أو التشريع. وكمثال بسيط للتوضيح تخيل أن قانون السير والمرور يخلو من العقوبة، فكيف يكون حال الطريق؟ وهل تأمن السير فيه؟ وهذا بالطبع ينطبق علي كل القوانين. وللتدليل، فان الشخص يخرج ليقف علي بعد خطوات من مكتب مؤسسته للتدخين لأن التدخين داخل المكتب عليه عقوبة لأنه مكان عام.

ان الأحكام القانونية تتميز بصفة "القومية" والشمولية الشاملة للجميع في البلد وبالتالي تكون ذات أبعاد "عامة" لكل العموم داخل البلد، وتبقي هكذا علي هذا الوضع الي ما لا نهاية أو الي حين الالغاء أو التعديل وفق السبل القانونية ولأي سبب كان. فمثلا الأحكام القانونية لقانون الشركات تنطبق علي كل الشركات في البلد دون استثناء، وكذلك الحال للأحكام القانونية لقانون العمل أو قانون حماية المستهلك أو قانون الجمارك وغيرهما... وكل قانون يتناول الأحكام القانونية المنظمة للأمر المعني الذي صدر القانون لتنظيمه وتقنينه تحقيقا للمصلحة العامة ولهذا يجب علي الجميع الالتزام به، والا أصبح الأمر فوضي.

وبالنسبة "للمعايير السائدة"، فإنها بصفة عامة تعني نموذجا واقعا أو مقدرا لما ينبغي أن تكون عليه الأمور، وبهذه الصفة فان المعايير تشكل مقياسا محددا يقاس به غيره "بنش مارك" وذلك للحكم عليه أو لتقييمه. ومن هذا نقول أن المعيار يعد مقياسا، أو أنموذجا، أو مبدأ أساسيا يهدف لتحديد أساس مقبول قبولا عاما للقياس، أو طريقة نموذجية للأداء، أو أنه يمثل تقنية مرشدة ومتفقا عليها.... ومن أمثلة المعايير السائدة مثلا نذكر المعايير الدولية للمحاسبة أو للهندسة، والمعايير المحاسبية والمصرفية وغيرها الخاصة بالمصارف الاسلامية، والمعايير الدولية للجودة والتميز، ومعايير الحوكمة والاستدامة، والمعايير المصرفية الصادرة من لجنة بازل، ومعايير الاعتمادات المستندية الصادرة من غرفة التجارة الدولية بباريس اضافة لمعايير الضمانات المصرفية وغيرها.... الخ.

ومن هذا يتضح بأن المعايير السائدة تمثل منطلقات أو توجيهات "ارشادية" ذات صبغة تقنية عامة علي أن تتقيد بها الجهة المعنية كالمحاسب والخبير المالي أو المصرفي أو المهندس أو أخصائي الجودة والتميز أو غيرهما وفق الجهة أو التخصص أو المهنة التي صدرت المعايير لتنظيمها وفق الاطار العام لهذه المعايير. ومن هنا يتضح بجلاء أن المعايير السائدة تنطبق علي فئات "خاصة" لها خصوصيتها، وبهذا فإنها لا تنطبق علي العامة والعموم بل هي خاصة ومباشرة  لفئة معينة ومحددة بالرغم من أن  تطبيقها من هذه الفئة المعينة يعود بالنفع علي الجميع ولفائدة المهنة بل والجميع في البلد المعني. ولتحقيق هذا الوضع الخاص فمن الأفضل دائما، أو الأصوب، أن يتم دراسة واعداد وصياغة "المعايير السائدة" بواسطة منظمات مهنية متخصصة ومحايدة لا مصلحة شخصية لها ولا مصالح تجارية أو ذاتية تعود عليها بالفائدة الخاصة. ومن هذه الاستقلالية المهنية المقرونة بالحياد والالتزام المهني تصبح المعايير مقبولة قبولا عاما لتقوم بدورها المنشود كأداة للتحكيم أو التقويم بهدف الترشيد والتطوير عندما تمثل مقياسا للتحكيم أو الوصول لمستويات معينة من المواصفات الفنية المتفق عليها أو عند اتخاذها كشكل من الأساليب النموذجية للأداء...

من واقع الممارسة، هناك  ضرورة تستدعي أن نوضح أن عدم الالتزام التام والحرفي بما ورد في المعايير السائدة، يحدث في العديد من الحالات وذلك ربما لعدم الاعتراف بالجهة التي أصدرتها، أو لعدم الهيبة منها نظرا لعدم وجود نصوص "عقابية جزائية" تعاقب بالجزاء كل من لا يلتزم بالتطبيق الكامل للمعايير، بالرغم من أن بعض الحالات تتضمن بعض العقوبات الادارية والمهنية، وفي مثل هذه الحالات يظهر بون شاسع بين الأحكام القانونية والمعايير السائدة وهناك حاجة لردم هذا الفراغ حتي تأتي النتائج شاملة ومتكاملة في كل الأحوال ...

للاستفادة من المعايير السائدة في ضبط الأمور وترقية تنفيذها من الجهات المختصة، وبنفس القدر المنطبق علي الأحكام القانونية، فلا بد من وضع هذه المعايير بواسطة جهات مهنية تحظي بالقبول من الجميع. اضافة لهذا، لا بد من دراسة الأهداف المبتغاة من هذه المعايير وهضمها ثم صياغتها بصورة واضحة ذات صفة الزامية نافذة.. وفي هذه الحالة فإنها قد ترقي لتكمل الأحكام القانونية وتسير معها جنبا الي جنب لتحقيق الهدف المنشود لصالح المجتمع...