الخلفية لتقنين المعاملات الالكترونية

د. عبد القادر ورسمه غالب

الخلفية لتقنين المعاملات الالكترونية

د. عبد القادر ورسمه غالب

من منظور فلسفة القانون وأهدافه ومراميه ينبع سؤال هام، هل المجتمع يسبق القانون ويقود اتجاهاته أو العكس؟ بالطبع، الاجابة علي هذا السؤال تتطلب الوقوف عند كل حالة علي حدة. وبصفة عامة، في معظم الحالات فان المجتمع يسبق القانون الذي يأتي ليقنن ما هو موجود أصلا، ولكن هناك حالات عكسية يلعب فيها القانون دورا يحدد مسار المجتمع وفق ما تم تقنينه.

ومن هذه الحالات التي لعب فيها القانون دورا محوريا في تحديد مسار المجتمع نذكر علي سبيل المثال، عندما تم استحداث "نظرية المسؤولية المحدودة" في قانون الشركات. اذ أنه عندما حدد القانون هذه المسؤولية، حدثت ثورة حقيقية في مجال الأعمال والتجارة بسبب تحديد المسؤولية والفصل الكلي لبقية ما يملكه المساهم عن هذه المسؤولية. هذه الثورة أدت الي تطوير العمل التجاري المؤسسي وازدهاره وبلوغه الآفاق، وعبر هذه الثورة تأثر المجتمع بالتقنين وتمت الاشارة لهذه الثورة في العديد من الأدبيات القانونية.

مثال آخر حديث، وهو الدور الكبير الذي لعبه القانون "النموذجي" للمعاملات الالكترونية الصادر من "لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي– الأونسيترال" والذي وضع الأساس المتين لتقنين العمل الالكتروني. وفي هذا الصدد قالت الأمم المتحدة، أن عددا متزايدا من معاملات التجارة الدولية يتم عن طريق التبادل الالكتروني للبيانات "داتا" وغيره من وسائل الاتصال التي يشار لها بالتجارة الالكترونية وذلك بصفة خاصة بعد استخدام بدائل للأشكال الورقية للاتصال وتخزين المعلومات. وانطلاقا من هذا الواقع الذي بدأ ليبقي، فان الأمم المتحدة توصي جميع الدول بمنح اعتبار خاص للقانون "النموذجي" الصادر منها وذلك عندما تقوم الدول  بوضع قوانينها الوطنية المطلوبة لتقنين أوضاع العمل الالكتروني، وتم مناشدة الجميع لمراعاة الاسترشاد بالقانون "النموذجي".

أن لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي (الأونسيترال) تقوم بأداء دور هام في تحسين الاطار القانوني للتجارة الدولية من خلال اعدادها لنصوص تشريعية دولية لتستخدمها الدول في تحديث قانون التجارة الدولية، وهذه النصوص التشريعية تناولت البيع الدولي للبضائع، وتسوية النزاعات التجارية الدولية، بما في ذلك التحكيم والتوفيق، والتجارة الالكترونية، والاعسار بما في ذلك الاعسار عبر الحدود، والنقل الدولي للبضائع، والمدفوعات الدولية، والمشتريات وتطوير المشاريع البنية التحتية....

ولقد تم اعداد القانون النموذجي الصادر من لجنة "الأونسيترال" لينطبق علي كل أنواع المعلومات الالكترونية المستخدمة في سياق نشاط تجاري أو أنشطة تجارية عبر الوسائل     الالكترونية. ونعود لما ذكرناه في المقدمة، فهذا القانون النموذجي قاد المجتمع نحو آفاق العمليات الالكترونية والتجارة الالكترونية والحكومة الالكترونية. ومن هذا تغير كل المجتمع وسار بكلياته نحو وضع جديد تماما بسبب ما أحدثه هذا القانون الفريد. وأهمية القانون "النموذجي" تنبع من أنه انتهج مبدأ "المثلية" أو "التعامل بالمثل". وهذا يتضح من الأثر القانوني لرسائل البيانات الالكترونية، اذ أنالقانون النموذجي ينص علي أن المعلومات لا تفقد مفعولها القانوني أو صحتها أو قابليتها للتنفيذ لمجرد أنها في شكل رسالة بيانات الكترونية "داتا مسيج". أي أن هذه الرسالة الالكترونية وبموجب هذا القانون، يجب أن تعامل مثل معاملة الرسالة الورقية... مبدأ المثلية في التعامل القانوني.

وفي نفس التوجه، وفي ما يتعلق بالأثر القانوني للكتابة، فان رسالة البيانات الالكترونية تستوفي شرط الكتابة اذا تيسر الاطلاع علي البيانات "داتا مسيج" الواردة ويمكن الرجوع اليها لاحقا. أي أن الكتابة في رسالة البينات "داتا مسيج" تعامل مثل معاملة الكتابة الأخرى المكتوبة يدويا أو بخط اليد... مبدأ المثلية في التعامل القانوني.

  و في ما يتعلق بالأثر القانوني للتوقيع، وعندما يشترط القانون وجود توقيع، فان هذا الشرط، يستوفي بالنسبة لرسالة البيانات "داتا مسيج" اذا استخدمت طريقة لتعيين هوية ذلك الشخص والتدليل علي موافقته علي المعلومات الواردة في رسالة البيانات، أو كانت تلك الطريقة جديرة بالتعديل عليها بالقدر المناسب للغرض الذي انشأت أو أبلغت من أجله رسالة البيانات.. أي يجب أن يعامل هذا التوقيع في رسالة البيانات مثل معاملة التوقيع اليدوي بخط اليد... مبدأ المثلية غي التعامل القانوني.

وفي ما يتعلق بالأصل – أصل المستندات – وعندما يشترط القانون تقديم المعلومات أو الاحتفاظ بها في شكلها الأصلي، فان رسالة البيانات "داتا مسيج" تستوفي هذا الشرط اذا، تم تأكيد سلامة المعلومات من الوقت الذي أنشأت فيه للمرة الأولي من شكلها النهائي بوصفها رسالة بيانات ويمكن عرض المعلومات علي الشخص المقرر أن تقدم له. أي تعامل رسالة البيانات الالكترونية كأنها رسالة أصلية ومثل المستند الأصلي... مبدأ المثلية في التعامل القانوني. وفي القانون النموذجي هناك أمثلة أخري تتعلق بالعقود الالكترونية وعدد النسخ الالكترونية .... وغيره، حيث تتم معاملة هذه الحالات بالمثل وفق مبدأ المثلية الذي انتهجه القانون النموذجي...

لقد أحدث القانون النموذجي الذي اصدرته لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي (الأونسيترال) ثورة حقيقية هي التي قادت لتقنين المعاملات الالكترونية وفق مبدأ المثلية "التعامل بالمثل"... وهذا التقنين بدوره أحدث ثورة في المجتمع في كل أرجاء العالم، لأنه بعد صدور القانون النموذجي ... من (لجنة الأونسيترال)... قامت دول العالم قاطبة، وكما طلب منها، بالاسترشاد به عند وضع قوانينها المحلية \ الوطنية لتقنين وتنظيم التجارة الالكترونية التي أصبحت واقعا معاشا بل ضروريا للجميع. ولقد سارت علي هذا المنهج القانوني الجديد غالبية الدول عند اصدارها للتشريعات الوطنية المحلية المطلوبة لتقنين المعاملات الالكترونية.

وهذه الثورة التشريعية بالطبع أتاحت المجال لتطور العمليات الالكترونية بكافة أشكالها وأنواعها في عالمنا الذي أصبح ملزما بمواكبة الثورة التقنية في كل خطواته حتي لا يصبح خارج التاريخ... وهكذا لعب القانون دورا كبيرا في قيادة وتحديد مسار المجتمع وذلك وفق التقنين الذي تم استحداثه في هذا السياق...