الحق القانوني لحماية صورة الشخص

د. عبد القادر ورسمه غالب

 

أتشرف بالعضوية في قوائم التحكيم التابعة لمنظمة الملكية الفكرية (الوايبو) مما يستدعي التردد للتحكيم وللمشاركة في عدة مناقشات بعضها يتعلق بمدى توسعة حماية الملكية الفكرية، لأنه وبموجب القانون والاتفاقيات الدولية يجوز حماية العلامات التجارية وغيرها، مما يتعلق بالملكية الفكرية. فهل ينتقل الحق القانوني ليقدم الحماية لصورة الشخص (صورة الوجه \ الشكل \ الايمج بروفايل)؟

 وهذا الوضع قفز للسطح نظرًا؛ لأن المشاهير من كبار الشخصيات الفنية ولاعبي كرة القدم يدرون دخلاً إضافيًا من نشاطات متعددة مثل رعاية المناسبات والحضور فيها، والسماح بوضع صورهم الشخصية (صورة الوجه) في الملابس والإعلانات والملصقات الدعائية… الخ، وهذه النشاطات بالطبع ذات قيمة تجارية لأنها تجلب لهم دخلاً إضافيًا معتبرًا، وفي الوقت نفسه فإنها تعمل على ترويج المناسبات والمنتجات لدرجة كبيرة بسبب إقبال المعجبين على الشراء.

في الحقيقة، يمكن القول بوجود فراغ قانوني لحماية هذه الحقوق الخاصة الناشئة من الصورة الشخصية (صورة الوجه  الشكل ـ الايمج بروفايل) بالإضافة لما يميز هذه الصورة من صفات خاصة بالشخص ولغة الجسد التي تنطق بها الصورة. وهذا الفراغ ربما نتج بسبب عدم وجود أو توفر الإمكانية المطلوبة لتسجيل هذا الحق، مثل ذلك الحق الممنوح لتسجيل حقوق الملكية الفكرية كالعلامات التجارية وأسماء الأعمال وغيرهما.

إن مبدأ حق الملكية بالنسبة للصورة وشكل الشخصية (الايمج بروفايل) يعتبر أمرا حديثا نوعا ما، اذ أن كابتن كرة القدم الانجليزي  "كيفين كيقان" يعتبر أول من قام بتوقيع ما يسمى "عقد صورة الوجه \ شكل الوجه" في عام 1970، وذلك بغرض حفظ حقوق الملكية المرتبطة بشكله وصورة وجهه والتعابير الخاصة به. وفي الواقع هناك صورة "نمطية" خاصة بأشخاص معينين، مثل طريقة قص شارب هتلر التي تميزه ولذا لا يستطيع شخص الآن في ألمانيا تقليد هذا الشارب والا قد يعتبر من مروجي النازية. وأيضا صورة وجه تشرشل وعلى رأسه القبعة وفي فمه السيجار، أو وجه غاندي الأصلع وعلى عينيه النظارة الدائرية الكبيرة، أو وجه شارلي شابلن وغيره من نجوم الكوميديا، أو قصة شعر زعيم كوريا الشمالية أو أنجيلا ديفس "الآفرو"… وعندما ترى ملامح أي شخص بهذه الصفات فمباشرة يطرأ على خاطرك صاحب الوجه الأصلي. وهذه الصفات والتعابير والابتسامات أو العبوس و "التكشيرة" وغيرها من لغة الجسد وصلت لدرجة تجعلك تميز بها أشخاصا معينين ومعروفين لدي الجميع. ومن هنا يأتي هذا الحق كـ “حق خاص” يجب حمايته للاستغلال التجاري والمنفعة المادية، وهناك من يسعى للاستفادة من هذا "الحق" مثله مثل غيره من الحقوق الأخرى. أليس من حقه؟

 في أمريكا، منذ فترة قريبة، صدرت أحكاما قضائية تؤيد حماية وحفظ ما يسمى “حقوق الشهرة” للفرد. ولكن من الملاحظ أن هذا الوضع، وبصفة عامة، يختلف من ولاية لأخرى ولا يوجد تطبيق فيدرالي واحد ثابت معروف في كل أمريكا. والآن، نحن في عصر المناداة بحفظ كافة الحقوق والمناداة باللجوء للقضاء وتطبيق القوانين في هذا المجال لردع المتجاوزين والمتطفلين. ومن الأمثلة الحية، تم رفع دعوى قضائية ضد "رود ستيورات" لوضعه صورة تخصه قام بتصويرها مصور ولكنه وضعها مكان صورة مشابهة قام بتصويرها مصور آخر. والممثل "فرانك سيفيرو" قام برفع دعوى ضد منتجي فلم "سمبسونز" مدعيًا أنهم قاموا بسرقة “شخصيته وصورته” وتقمص تمثيلها في شخصية "لوي". وكذلك قام "ليندسي لووهان" و "مانويل نوريقا" برفع دعاوى تتضمن سرقة شخصياتهم وصورهم وتعابير وجوههم في بعض ألعاب الفيديو.

وهناك دعاوى أخرى متعددة في انجلترا، وفي العادة، يتم النظر في كل دعوى وفقا للوقائع ومدى انطباقها من ناحية المسؤولية التقصيرية وحماية الحقوق الخاصة. وبالرغم من اللجوء للتقاضي في بعض البلدان، لكننا بصفة عامة نستطيع القول، أنه لا يوجد حتى الآن تصور قانوني متكامل وواضح لكيفية التعامل مع هذا النوع من الحقوق "الجديدة" في عالم الحقوق الخاصة.

والمعضلة تنجم من أن استخدام أو اختراق هذه الحقوق يتم غالبا عبر وسائل التقنية الحديثة والانترنت، وهذا بدوره قاد إلى إيجاد أوضاعا حديثة جديدة لا يمكن تغطيتها بصورة واضحة استنادًا إلى القوانين التقليدية المنظمة للحقوق وللملكية الفكرية المرتبطة بها. فحقوق المؤلف، مثلا، تحمي فقط ولكن بصورة واضحة من قام بالتأليف، وكذلك العلامات التجارية تحفظ فقط الأسماء والمنتجات التجارية لأصحابها في مجالاتهم المختلفة التي يعملون فيها. وبالمقارنة مع هذا، لا نجد وسائل معينة لضبط الحقوق المرتبطة بحق "الصورة  \ الشكل أو الشخصية أو الايمج بروفايل" وما يرتبط بها من صفات خاصة بغرض معاقبة من يستغلها لمصلحته الذاتية علي حساب أصحابها.

وظلت هذه القتامة مستمرة حتى  2012 حيث قامت "قرونسي"، وهي إحدى الجزر التابعة لجنال آيلندس الانجليزية، بإصدار قانون خاص فقط بتسجيل حقوق حماية "صورة الشخص \ شكل الوجه – الايمج بروفايل" وكل ما يرتبط بها. وبموجب هذا القانون يجوز الآن تسجيل هذه الحقوق، وبالفعل قام العديد ممن يدعون مثل هذه الحقوق بالتسجيل لفرض الحماية القانونية اللازمة.

وهذه خطوة جريئة في هذا المجال تحسب لجزيرة "قرونسي". ومن هنا نقطة الانطلاق، وسنرى قريبا مفعول إصدار هذا القانون. وفي جميع الأحوال، هناك حاجة لبعض الوقت لانتهاج الطرق السليمة التي توضح كنه وأبعاد هذه الحقوق وكيفية حمايتها وإجراءات تسجيلها وما يترتب عليها من حقوق ملكية لا يجوز التعدي عليها حماية للخصوصية والملكية الشخصية وما يرتبط بها، خاصة أن هناك من يبحث عن "الحق"، أي حق طالما يدر دخلاً ماديًا.