الجرائم الالكترونية أكبر خطر داهم

د. عبد القادر ورسمه غالب

تم سؤال عدد كبير من الرؤساء والمدراء التنفيذيين لكبار الشركات، العاملة في مختلف مجالات الانتاج والخدمات، عما يعتقدون ويرون أنه من الأخطار والمخاطر العظيمة الكبيرة التي تهدد شركاتهم وكل قطاع الأعمال والخدمات، ولقد كانت الاجابة القاطعة والصاعقة لغالبيتهم أن أكبر خطر يهدد شركاتهم هو الخطر المتمثل في "الجرائم الالكترونية". وقالوا أن هذا الخطر ظل يهددهم علي مدار الساعة، ويقوض أركان شركاتهم في الخفاء والظلام ودون الحصول علي اذن بالدخول أو الكشف عن كنهه ونيته الا بعد حصول الدمار للذمار الذي تسبب في تحقيقه عن قصد اجرامي وبسوء نية. هذا الخطر الداهم الذي تم الاتفاق عليه من قمة المسئولين الجالسين علي قمة الأعمال والمهام العالمية التي يحتاج لها العالم، من دون شك، يشكل منعطفا خطيرا في حياة قطاع الأعمال والخدمات لأنه يعرض هذه القطاعات الحيوية للخسائر المادية والمعنوية الجسيمة وللدرجة التي تؤثر علي تطور هذه القطاعات وتأخر نموها وتقتل بعضها. بل تتسبب هذه الجرائم في العمل علي تشتيت تفكير الشركات وانصرافها عن مهامها الرئيسية للتركيز علي الدفاع عن نفسها وأخذ التحصينات المتتالية والمكلفة، وكل هذا علي حساب الانتاج والعمل والابداع والتميز وريادة الأعمال... وهنا مكمن الخطر الداهم.

مجمل الاحصائيات والدراسات العديدة والمتعمقة أوضحت أن الجرائم الالكترونية علي الشركات بكافة نشاطاتها، تتسبب في خسائر مادية تتجاوز المليارات من الدولارات علي مدار السنة. بل والأخطر، أن هذه النسبة مستمرة في تصاعد فلكي وعلي مدار الساعة لأنها تهاجم الشركات بكل شراسة وتقوم بالاختراقات والتلصص والسرقات والتدمير ... عبر تجاوز كل الحصون المحصنة لأنها كالقدر تأتي من حيث نحتسب ومن حيث لا نحتسب، وتقع كالقدر وتضرب في كل الاتجاهات من دون تمييز للكبير أو الصغير للعملاق أو للقزم... وهنا الجميع سواسية، والجميع في مرمي الهدف والاصابة.

والسؤال، هل هناك حل ؟ وهل هناك مفر ؟ من هذه الجرائم الالكترونية المثيرة والمخيفة. والجواب، بكل بساطة لا يوجد مفر منها .. والي أين المفر بعد ان انطلقت الثورة التقنية من كنانتها في كل الاتجاهات وبعضها مسوم وموسوم؟ واذا كان هذا هو واقع الحال الذي لا بد منه، فإننا نعتقد مع غيرنا أن مواجهة هذه الجريمة ذات الوسائل والمعاني والأهداف الحديثة تتطلب أولا مواجهة ومعالجة أسبابها ومبرراتها ومن يقف خلفها. لأن معرفة المجرم ومعرفة أسباب الجريمة يشكلان المحور الرئيسي في كيفية مجابهتهما معا والتصدي لهما وفق ما هو مطلوب. بالطبع هناك ضرورة قصوي لوجود التشريعات الضرورية لمعاقبة مرتكبي هذه الجريمة الخطرة مع العمل في نفس الوقت علي القضاء علي الجريمة نفسها وازالة مسبباتها قدر الامكان. اضافة لوجود التشريعات المتطورة والحديثة لا بد من توفير الكفاءات القانونية المتمكنة من الفهم الواضح لهذه التشريعات لتطبيقها التطبيق الصحيح والفعال لتأتي أكلها. وربما ظهرت الضرورة الماسة لإقامة محاكم ونيابات خاصة ومتخصصة لنظر هذه القضايا والفصل فيها بكل مهنية واقتدار قانوني متطور وعلي استعداد لمجاراة هذه النوعية الجديدة من مجرمي الياقات البيضاء من ذوي الكفاءات والمقدرات المهنية العالية. ونظرا لأن مرتكبي الجريمة من ذوي الياقات البيضاء، ذوي التأهيل والتعليم المهني الذي يمكنهم من استغلال علمهم ومعرفتهم المهنية، فيجب أن تكون عقوبة هذه الجرائم مضاعفة ومشددة لأن الخطر أتي من مكمن الثقة وأهل البيت وحراسه.

في نظرنا، هناك ضرورة لتشديد العقوبات لردع مرتكبي ومخططي هذه الجرائم نظرا لأنها تهدد كل المجتمع خاصة وأن آثارها لا تقف عند المعتدي عليه فقط بل تتجاوزه وتنتشر في كل الأركان وللدرجة التي تهدم الثقة وتسبب الخوف والهلع وسط كل القطاعات.. واذا كان هناك مثلا من يسرق أموالي من حسابي دون علمي فهذا قد يدعوني لفقدان الثقة في القطاع المصرفي ... وهكذا تتعدد الأمثلة.. وكل هذا يستدعي ضرب هذه الجريمة بكل قوة وحزم.

كذلك هناك حاجة ماسة لتوفير وتدريب أعداد كافية من الفنيين في كافة مجالات التقنية الحديثة، ممن يفهمون لغة التقنية وأسرارها في ما بين السطور، وذلك للعمل مع المحققين والمحاكم والنيابات حتي يتم الكشف عن المجرم وأعماله الاجرامية. والضرورة هنا تأتي، لأن غالبية هذه الجرائم تقع دون محاسبة لصعوبة اكتشاف المجرم أو لصعوبة اكتشاف الجريمة في الوقت المناسب. ولذا هناك ضرورة قصوي لتجهيز جيوش مدربة من الكفاءات ذات الدراية للوقوف في خط الدفاع الأول في مواجهة هذه الجرائم الحديثة والمعقدة وكل من يقف خلفها ومقارعتهم بنفس أسلحتهم ووسائلهم التقنية.

وفوق كل هذا وذاك، علي جميع الشركات في كل القطاعات أن تعمل بمبدأ "أعقلها وتوكل"، أي تحصين أنفسهم وتأمين حدودهم التأمين الكافي واليقظ، مع أهمية مراقبة هذه التحصينات وتجديدها وتحديثها من وقت لآخر حتي تكون دائما حصينة للدرجة التي لا تسمح بأي اختراقات. وهذه الحصون تحتاج لموظفين مؤهلين لحمايتها الحماية الكافية، وتوفير العناصر البشرية المؤهلة يشكل خط دفاع متمكن وهذا يقلل من آثار الهجوم الالكتروني وربما يبطل مفعوله.

 ان التثقيف وتقديم التوعية للجميع عن مخاطر وآثار الجريمة الالكترونية ومدي انتشارها، من دون شك، سيكون لهما أثر فعال في الحد من انتشار هذه الجريمة "المتخفية" التي تضرب في الظلام مما سيقود للتعامل بكل حذر تجاهها وتجاه كل مسبباتها  وكل مسببيها . وكلما توسعت قاعدة مجابهة الجريمة كلما تم التمكن من السيطرة عليها والحد من مخاطرها وكسر جبروتها وعنفوانها. ولنعمل جميعا يدا واحدة حتي نحمي شركاتنا وأعمالنا وكل المجتمع من هذه الجريمة وضعاف النفوس من خلفها...