التداول الإلكتروني

د. عبد القادر ورسمه غالب

 

في كل لحظة قد تصل رسالة لبريدك الإلكتروني تشجعك على التداول الإلكتروني وتمنيك بالأرباح الفورية والسريعة التي تدخل في حسابك وأنت جالس أمام الجهاز ولم تحرك ساكنا. ورسائل التصيد المتطفلة هذه أو الاسبام تأتيك من جهات لا تعرفها ولم يسبق لك التعامل معها وبالرغم هذا تظهر أمامك فجأة وبدون مقدمات وبدون سابق إنذار ولدرجة مزعجة جدا. وبعض هذه الرسائل تدعوك للالتحاق بدورات تدريب بعضها "مجانية" لتمكينك من فهم أساسيات التداول الإلكتروني مع أسواق المال وممارسة هذا العمل المربح بنفسك وغالبا يطل عليك شاب أو شابة أنيقة تقول إنها تربح الآلاف في كل يوم من التداول الإلكتروني، ولماذا لا تفعل مثلهم لأن هذا في الإمكان وبكل سهولة.

إن التداول الإلكتروني في البورصات، بصفة عامة، هو عبارة عن إمكانية بيع وشراء الأسهم وغيرها من الأوراق المالية أو مشتقاتها إلكترونيا عبر شبكة المعلومات أو الإنترنت، وذلك دون الحاجة للذهاب إلى الأسواق ومعايشة الواقع الذي يحدث فيها والتجاذبات والتفاعلات مع كل ارتفاع أو انخفاض للأسعار أو وقف تداول أي سهم أو أي شركة، وردود الأفعال لكل هذه الممارسات… وغير هذا مما يحدث داخل قاعات التداول في الأسواق.

وكقاعدة قانونية هامة جدا في التعامل مع أسواق المال والتداول في الأسهم والأوراق والسندات، فإنه يجب علي المستثمر الذي يرغب في التداول اللجوء إلى وسيط (سمسار) مرخص له من الجهات المختصة لتقديم هذه الخدمات في الأسواق مع القيام بإجراء تعاملات المستثمر لأنه لا يجوز لأي مستثمر التعامل مباشرة والتداول في البورصات وأسواق المال وذلك حماية للمستثمر في هذا النشاط لما له من صبغة فنية قد لا يعرفها المستثمر العادي..

وهناك عدة مزايا مرتبطة بنظام التداول الإلكتروني من أهمها إمكانية إتاحة الفرصة للمستثمر لمراقبة تنفيذ تعاملاته ومتابعة استثماراته في أي وقت، إمداد العميل ببيانات السوق في أي وقت لتسهيل عملية نقل الأوامر من العميل للسمسار وتفادى الأخطاء المصحوبة بها من عدم وضوح البيانات أو تزييف توقيع المستثمرين وسرقة الأسهم والتي تعد من المشاكل الرئيسية التي تواجه الاستثمار في الأوراق المالية، تسهيل عملية التداول وتقليل الاعتماد على الوسطاء، والاستفادة من رسوم السمسرة المخفضة المفروضة على هذا النوع من التداول ولذلك فإن التداول الإلكتروني يجعل الاستثمار في سوق الأوراق المالية أكثر سهولة وأقل تكلفة.

نحن لسنا ضد التعامل والتداول الإلكتروني خاصة وأن هناك عدة مزايا مرتبطة بهذا النظام في التداول. من أهم هذه المزايا إمكانية إتاحة الفرصة للمستثمر بنفسه لمراقبة تنفيذ تعاملاته ومتابعة استثماراته في أي وقت، أيضا إمكانيه توفير إمداد العميل المستثمر ببيانات السوق في أي وقت لتسهيل عملية نقل الأوامر من العميل المستثمر للوسيط (السمسار) مما يقود إلى تفادي الأخطاء المصحوبة بهذه العمليات من عدم وضوح البيانات أو تزييف توقيع المستثمر وسرقة الأسهم والتي تعد من المشاكل الرئيسية التي تواجه الاستثمار في الأوراق المالية، وأيضا إمكانية تسهيل عملية التداول وتقليل الاعتماد على الوسطاء مع المخاطر العديدة المحفوفة بتعامل المستثمر المباشر، وكذلك ربما الاستفادة من رسوم السمسرة المخفضة على هذا النوع من التداول والذي توفره بعض الأسواق… وإذا أخذنا هذه النقاط في الاعتبار، فمن الجائز أن نقول إن التداول الإلكتروني يجعل الاستثمار في أسواق الأوراق المالية أكثر سهولة وأقل تكلفة.

ولكن من ناحية أخرى، لا بد من أن نشير إلى أن التداول الإلكتروني له العديد من المخاطر المهلكة خاصة وأنه يتم عبر الإنترنت ويشجع على الإقبال على عمليات البيع والشراء في خلال نفس الجلسة ولذا فهو يتسم بوجود المخاطر العالية مما يجعل الأسواق أكثر عرضة للتذبذب وأنشطة المضاربات. والمخاطر في جميع عمليات التداول متوفرة لدرجة كبيرة في أي لحظة ومع كل حركة، ولتجنب المخاطر المرتبطة بالتداول الإلكتروني أو تقليل آثارها لأكبر حد فيجب على المستثمر الذي يرغب في التداول الإلكتروني التأني في اتخاذ القرارات الاستثمارية لأن النظام الإلكتروني قد يوفر إمكانية تسجيل الأوامر وتنفيذ العمليات خلال لحظات فورية وفي هذا مخاطر كبيرة لأن معظم القرارات الاستثمارية تحتاج بعض التفكير الممزوج بالحكمة حتى تؤخذ وتأتي بعناية وتأن.

يحتاج التداول الإلكتروني إلى تركيز شديد من المستثمر لأنه تبين أن البعض يقوم بوضع أمر أكثر من مرة عن طريق الخطأ على افتراض أن الأوامر لم تنفذ بعد وفي هذا مخاطر كبيرة لأن من هذا الوضع يوجد احتمال امتلاك المستثمر لكميات أكبر من المطلوب أو بيعه لأسهم لا يمتلكها بالفعل وهذا يأتي نظرا لتكرار المستثمر للأوامر بالضغط على الزر. ومن المخاطر أيضا أنه قد تتراكم الأوامر ويتأخر التنفيذ خاصة في الأسواق النشطة نتيجة تدفق أعداد كبيرة من الأوامر في نفس الوقت ومع سرعة تغير الأسعار فالمستثمر عبر الإنترنت قد يعاني من تنفيذ بعض أوامره عند حدود أسعار أو أوامر قد تختلف عما كان يريد تحقيقه من العملية.

وهناك بعض من المستثمرين ممن يقومون بحماية أنفسهم عن طريق وضع أوامر “أوامر السوق” أي بحسب سعر السوق وليس “أوامر مفتوحة” بحيث لا يتم تنفيذ عمليات البيع والشراء إلا عند سعر محدد. فمثلا أمر البيع المحدد لا يتم تنفيذه إلا بنفس السعر أو أعلى، وأمر الشراء المحدد لا يتم تنفيذه إلا بنفس السعر أو أقل.

وعلى المستثمر أن يتأكد في جميع الأوقات من توقيت البيانات المرسلة له من الوسيط السمسار عن أسهمه وأرصدته لما قد يترتب على ذلك من تغيير في القرارات الاستثمارية. وأيضا على المستثمر أن يأخذ في الاعتبار المشاكل المترتبة على استخدام التكنولوجيا الحديثة وذلك مثل الأعطال الناجمة عن خدمات الأنترنت وخطوط الربط بالشبكات ومشاكل الحاسب الآلي وغيرها مما قد يحدث في أي وقت ودون مقدمات.

وبصفة أساسية وبصفة دائمة، يجب على المستثمر توخي الحذر عند اختيار الوسيط السمسار والتأكد من أنه يحمل التراخيص الضرورية التي تمنحه الحق في التداول الإلكتروني عبر الإنترنت وذلك قبل التعامل معه مع ضرورة مراجعة تاريخه المهني ومدى مقدرته المهنية لتنفيذ العمل المطلوب بصورة مهنية سليمة وبما يوفر الحماية الكاملة للمستثمر وكل حقوقه. وقبل كل هذا، التأكد من وجود اللوائح في السوق المعني التي تقنن وتنظم وتراقب التداول الإلكتروني وبما يتماشى مع الممارسات المهنية السليمة. كل هذه الضوابط مطلوبة، بصفة أساسية، لتقليل المخاطر المرتبطة بالتداول الإلكتروني ولحماية المستثمر.

د. عبد القادر ورسمه غالب