التجارة والمزاحمة غير المشروعة

د. عبد القادر ورسمه غالب

 

التجارة فيها كل أبواب الرزق أو "تسعة أعشار الرزق" كما يقول أهل العلم. وهي مهنة قديمة بدأت مع أول التجمعات البشرية حيث بدأت علي نطاق محدود جدا ثم بدأت في التوسع التدريجي مع توسع مجالات الحياة وزيادة البشر وزيادة حاجاتهم واحتياجاتهم، واستمرت في النمو والزيادة حتي وصلت الي ما هي عليه الآن من تطور فائق قاد الي تلاحم كل الشعوب في كل الدول بفضل المعاملات التجارية في شتي أنواعها ومجالاتها المتعددة لتلبية كافة الطلبات والرغبات.

القوانين المحلية والعالمية، وكذلك المواثيق الدولية، تنظم التجارة وتقنن العمليات التجارية حتي تستمر وتزدهر تحت مظلة القانون وحتي يتم حفظ جميع الحقوق المرتبطة بالتجارة لكل الأطراف ذات العلاقة التجارية. وغالبية قوانين التجارة تعرف العمليات التجارية حتي يعرفها الجميع وحتي يتم منحها الحماية القانونية الضرورية لمنح الثقة للمتعاملين في هذه العمليات بكافة أنواعها وأشكالها التجارية، وهناك عقوبات لمن يمارس التجارة بما يخالف القانون ويضر المتعاملين الآخرين بأي طريقة كانت. وقوانين التجارة، والممارسات التجارية المتعارف عليها منذ البداية، تنص علي ضرورة التزام التاجر بالأمانة والنزاهة والابتعاد عن الغش والاحتيال وكل الممارسات غير السليمة وغير الأخلاقية وذلك حتي تظل هذه المهنة نظيفة تماما وتمارس وفق القانون ومنسجمة مع الممارسات السليمة. وهذا بالطبع سيقود الي ازدهار التجارة والي زيادتها في جو مشحون بالأمن والتلاحم والتكاتف بين الشعوب.

وتقنينا للممارسات التجارية السليمة ومن أجل الحفاظ عليها، فان قوانين التجارة تحظر وتمنع بعض الممارسات، ومن ضمن المحظورات يأتي في القائمة "المزاحمة غير المشروعة"، وما يهم ذكره هنا أن بعض التجار يعتقدون أن كافة أنواع "المزاحمة" في التجارة يجوز ممارستها بل قد يعتبرها البعض نوع من "الشطارة" أو الحذق التجاري، ولكن الحذر لأن بعضها يخرق القانون. فما هي المزاحمة غير المشروعة حتي يتم الابتعاد عن ممارستها؟.

وفي البداية، لا بد من أن نقول أن "المزاحمة غير المشروعة" تختلف عن "المنافسة غير الشريفة" وهناك من يخلط بينهما وهذا غير صحيح. وفي ايجاز، نقول أن كل مزاحمة غير مشروعة في التجارة تعتبر منافسة غير شريفة وبالعكس كل منافسة غير شريفة لا تعتبر مزاحمة غير مشروعة لأن "المنافسة غير الشريفة" أوسع نطاقا ومعني علي حسب القانون والمواثيق التجارية الدولية والمجال لا يسع هنا لتناول هذه التفاصيل. ويكفي أن نبين أن كل منهما مختلفة عن الأخرى.

وبالرجوع لقانون التجارة فانه يفرد بابا خاصا لتوضيح "المزاحمة غير المشروعة" ويشير الي أن الممارسات المذكورة أدناه اذا قام بها التاجر فإنها تقع في دائرة "المزاحمة غير المشروعة" في التجارة وهي تشمل:

  إساءة استخدام العنوان التجاري والعلامات والبيانات التجارية بواسطة التاجر، سواء كان صاحبه أو غيره، يقع تحت طائلة "المزاحمة غير المشروعة"، ويجوز مطالبة من قام بسوء الاستخدام بالتعويض المادي اضافة لغير ذلك من العقوبات. وفي هذا الخصوص ينص القانون علي الآتي "اذا استعمل العنوان التجاري غير صاحبه أو استعمله صاحبه على صورة تخالف القانون جاز لذوي الشأن أن يطلبوا منع استعماله، ولهم أن يطلبوا شطبه إذا كان مقيدا في السجل التجاري، ويجوز لهم الرجوع بالتعويض إن كان له محل. وتسري هذه الأحكام في استعمال العلامات والبيانات التجارية على الوجه المبين في القانون"..

لجوء التاجر لممارسة طرق التدليس والغش أو نشر البيانات الكاذبة عن بضاعته بطريقة تضر بالتجار الآخرين أو مزاحمتهم، ويكون في هذه الحالات مسئولا عن دفع التعويضات بسبب الأضرار الناجمة عن ممارسته لهذه الأعمال التي تعتبر من "المزاحمة غير المشروعة". وفي هذا الخصوص ينص القانون علي أنه "لا يجوز للتاجر أن يلجأ إلى طرق التدليس والغش في تصريف بضاعته، وليس له أن ينشر بيانات كاذبة من شأنها أن تضر بمصلحة تاجر آخر يزاحمه، وإلا كان مسئولا عن التعويض لجبر الضرر الذي سببه للتاجر الآخر.

ومنعا للمزاحمة غير المشروعة، فانه لا يجوز للتاجر أن يذيع أمورا مغايرة للحقيقة تتعلق بمنشأ بضاعته أو أوصافها أو تتعلق بأهمية تجارته، ولا أن يعلن خلافا للواقع إنه حائز لمرتبة أو شهادة أو مكافأة، ولا أن يلجأ إلى أية طريقة أخرى تنطوي على التضليل، قاصدا بذلك أن ينتزع عملاء تاجر آخر يزاحمه، وإلا كان مسئولا عن التعويض لجبر الضرر.

وكذلك منعا للمزاحمة غير المشروعة، فانه لا يجوز للتاجر أن يغري عمال تاجر آخر أو مستخدميه ليعاونونه على انتزاع عملاء هذا التاجر، أو ليخرجوا من خدمة هذا التاجر ويدخلوا في خدمته ويطلعوه على أسرار مزاحمة. وتعتبر هذه الأعمال، عند ارتكابها بواسطة التاجر، مزاحمة غير مشروعة تستوجب التعويض.

إذا أعطى التاجر لمستخدم أو عامل سابق شهادة مغايرة للحقيقة بحسن السلوك وضللت هذه الشهادة تاجرا آخر حسن النية فأوقعت به ضررا، جاز بحسب الأحوال وتبعا للظروف أن يرجع التاجر الآخر على التاجر الأول بالمطالبة بالتعويض المناسب. وذلك لأن ما قام به هذا التاجر يعتبر مخالفا للقانون لأنه يقع ضمن المزاحمة غير المشروعة التي يمنعها القانون.

وينص قانون التجارة أنه "اذا كانت حرفة التاجر تزويد البيوت التجارية بالمعلومات عن أحوال التجارة، وفي هذا الخصوص، أعطى بيانات مغايرة للحقيقة عن سلوك أحد التجار أو وضعه المالي وكان ذلك قصدا أو عن تقصير جسيم كان مسئولا عن تعويض الضرر الذي ينجم عن خطئه". وذلك لأن الممارسات التي قام بها هذا التاجر تخالف القانون لأنها تقع...

في ديننا الحنيف، هناك أحكام تتعلق بعدم جواز "المزاحمة غير المشروعة" لما روى  ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال "لا يبيع الرجل على بيع أخيه......... إلا أن يأذن له" متفق عليه. وذلك لما فيه من الإضرار بالمسلم وإفساد بيعه. وفي عصرنا الحالي، من الواضح أن المشرع قصد تبيان أن من يأتي لممارسة التجارة عليه أن يأتي بيد نظيفة وقلب نظيف ولتحقيق هذا عليه ممارسة أعماله بتجرد وأمانة وفي حدود تجارته وما يخصه هو فقط. وفي هذا عليه عدم النظر للتجار الآخرين أو لطرق ممارستهم لتجارتهم بقصد مزاحمتهم غير المشروعة، وليبتعد عن حدودهم لأنها تعتبر "حرم تجارتهم" ويجب عليه ألا يتطفل أو يتدخل باي شكل كان في هذا "الحرم" المحرم لأنه يخص الآخرين. وكذلك في نفس الوقت، فان حرمه هو أيضا محرم للآخرين وفي هذا يظل الجميع سواسية وليتفرغ كل واحد لمهمته بعيدا عن حرم الآخر حتي لا يقع تحت طائلة "المزاحمة غير المشروعة" التي تعرضه لتحمل الأضرار التي تسبب في حدوثها وبالتالي عليه دفع التعويضات لجبر هذه الأضرار التي تسبب فيها... وأعتقد أن في هذا قمة الحماية للخصوصية وللحقوق المادية والمعنوية المرتبطة بالتاجر وتجارته، وعبر هذه الحماية للخصوصية التجارية يتم ايقاف المزاحمة غير المشروعة بأي شكل كانت ... وبعيدا عن هذا ليتنافس المتنافسون، وأبواب الرزق الحلال مشرعة ومفتوحة للجميع وعلي باب الله الرازق الرزاق ...