أهمية "دستور" الشركات العائلية

د. عبد القادر ورسمه غالب

كلنا نتفق أن الشركات العائلية في المنطقة ظلت وما زالت تلعب دورا كبيرا في كافة الأعمال التجارية الاستثمارية وفي دفع عجلة الاقتصاد الوطني، خاصة وأنها تعمل في كل المجالات والاتجاهات شرقها وغربها كبيرها وصغيرها. ولقد ثبت أن العديد من هذه الشركات العائلية الآن تتقدم الصفوف مرفوعة الرأس وهي تنافس الشركات العالمية، وتضرب المثل في النزاهة وتوخي المسئولية اضافة لتقديم أحسن المنتجات والخدمات. ونتطلع الي بروز الكثير من الأمثلة الناجحة من الشركات العائلية تحت قيادة ربانها المهرة من الآباء والجدود. 

والشركات العائلية في كل مكان في العالم وبالرغم مما تقدمه من نجاحات مبهرة ومنتجات فريدة بنكهة عائلية خاصة المذاق وفريدة الطعم، الا ان جوها وعملها لا يخلو من العديد من الأشواك والمصائب والرياح التي تعصف بها من كل اتجاه. وبالطبع حدوث مثل هذا أو أكثر منه يعتبر أمرا طبيعيا في التجارة والتي علي القائمين علي أمرها الاستعداد الدائم لمقابلة العواصف. وهنا في هذه الأوقات تتجلي مقدرة الربان "النوخذة" الماهر الذي يقود الدفة بحنكة موروثة وسط الأعاصير وهو واثق من اجتيازها بنجاح بل والخروج منها وهو أكثر قوة وصلابة و"عقيدة" في شركته التي تمثل عائلته، أهم شيء عنده في الوجود. 

ولكن ماذا يحدث للشركة العائلية عندما أو اذا تنحي هؤلاء العمالقة الأفذاذ من قيادة الدفة، لأي سبب ما، ماذا يكون مصير الشركة العائلية وفي أي اتجاه تبحر، وهل تواصل المشوار أم تتنحي هي أيضا لأن القائد الهمام ترك مكانه وحان وقت استراحته ووضع السلاح جانبا. في حقيقة الأمر، هناك العديد من الشركات العائلية التي تتعثر في المسير وقد لا تقف علي أرجلها بعد تنحي الرعيل الأول من الجدود والآباء وذلك للعديد من الأسباب المرتبطة بالشركة أو بالعائلة صاحبة الشركة، وفي بعض الحالات ربما تستمر بعض الشركات في العمل ولكن معظمها يستسلم ويسلم الراية بعد الجيل الثالث أو ربما الجيل الرابع كأقصى حد... 

هناك الكثير من الدراسات والتجارب العملية التي ثبت منها أن الشركات العائلية يمكنها الاستمرار والبقاء رغم العواصف المتعددة ومنها ابتعاد الرعيل الأول ممن تجشموا صعوبات تأسيس الشركة واستمرارها تحت رعايتهم الفطرية التي جبلوا عليها. والشركات العائلية التي صمدت في تجاوز الصعاب تبين أنها انتهجت وسارت علي هدي حوكمة الشركات الذي قامت بتطبيقه بكفاءة واقتناع تام، مما أدي بدوره لمساعدتها للوصول فيما هي فيه والبقاء بنجاح رغم الصعوبات في كافة المجالات، مثل البنوك الخاصة وشركات الاستثمار وصناعة المجوهرات والساعات والعقار..... الخ. 

من أهم المطلوبات لحوكمة الشركات العائلية وجود الشفافية الكاملة بين كل أطراف العائلة واتباع الشفافية كمنهج ومبدأ في كل الخطوات، ومن هذا يأتي الافصاح التام عن كل ما يتعلق بالشركة وكذلك كل ما يتعلق بأفراد العائلة في الشركة في الوقت الحاضر وفي المستقبل المنظور، وفوق الشفافية والافصاح لا بد من وجود المسائلة والمعايير المطلوبة لتطبيقها، مع الحرص علي تطبيق مبدأ المسائلة علي الجميع وفوق الجميع من أعلي القمة لقاع الهرم. وعلينا أن نستوعب جيدا أن لكل شركة عائلية نكهتها ولونها وتراثها وتقاليدها وعاداتها ومزاجها وأسرارها ومبادئها وعقيدتها..... والمعايير المذكورة أعلاه من، شفافية وافصاح ومسائلة، يجب ألا تأتي من فراغ بل تخرج وتتطابق وتنسجم تماما مع ما عند العائلة من الأرصدة المذكورة أعلاه. والا سيكون مصير التجربة الفشل لأنها أتت من فراغ بعيد عن الواقع ولا يمت له بأي صلة. 

والمبادئ التي ذكرنا بعضها، تحتاج الي بلورة وفلترة متناغمة في جلسات هادئة مليئة بالصراحة المغلفة بالحب والود الذي يربط بين جميع أطراف العائلة وملاك الشركة العائلية، دون استثناء لأحد كبيرا أو صغيرا، ذكر أو أنثي.... وعبر هذه البلورة تتم صياغة "دستور الشركة العائلية" أو "برنامج أو نظام عمل الشركة العائلية" أو "نموذج عمل الشركة العائلية". أو غير هذا من الأسماء ولكن المهم هو اتفاق الأطراف علي محتوياته وكذلك اتفاقهم علي كيفية تغييره أو تعديله اذا دعي الحال. ان وجود هذا الدستور المكتوب في الأوراق والمنحوت في العقول، يفتح أبواب المستقبل للشركة العائلية ويمكنها من الابحار في كل الاتجاهات لأن "البوصلة" موجودة وتهديهم لطريق الأمان والسلامة. 

ان الدستور يحتوي علي كل التفاصيل الضرورية لضمان استمرار الشركة العائلية تحت كل الظروف. وهناك شركات عائلية مستمرة الآن وبكل نجاح لمئات السنين لأن ملاكها نسوا ما يخص أنفسهم وقاموا بوضع دستور متفق عليه من الجميع، وعبر هذا الدستور تسير الشركة في كل الأحوال لتحقيق مصلحة الجميع. وقانونا "الدستور" هو ما يتفق عليه الأفراد في الدولة، مثلا، لكيفية سير الحكم وتنظيم كافة أمورهم وشئونهم. وباعتماد الدستور يكون كل طرف قد ترك بعض الحقوق أو المطالب الشخصية التي يراها وتنازل عنها لصالح الحقوق العامة التي تشمل الجميع. واذا رجعنا لتاريخ مسيرة الدساتير والمواثيق، فإننا نجد مثلا في "الماجنا كارتا" التي وافق عليها الملك في ذلك الوقت تنازلا كبيرا من امتيازاته وحقوقه لصالح الشعب حيث كانت سلطة الملك مطلقة تماما، ولكنه تنازل عن بعضها وقبل بالوثيقة العامة المتمثلة في الماجنا كارتا، وهكذا كل الدساتير التي تراعي الحقوق العامة لصالح العامة. 

وهذا الوضع ينطبق أيضا علي الشركات العائلية عندما تتفق علي "دستور العائلة" وهو يخلق "بنش مارك" عام يجب أن يتبعه الجميع حتي علي حساب مطالبهم وحقوقهم الخاصة، كحقوق الذكور أو الولد الكبير مثلا.... ومن أهم النقاط التي يتطرق لها الدستور موضوع الاستخلاف "التوارث" ومن يخلف من في الادارة وفي كل المسائل المرتبطة بالشركة العائلية، وقد يحدث فراغ في حالة عدم وجود خطة متفق عليها في التوارث وتحمل المسئوليات. وهذا الفراغ في حقيقة الأمر قد يكون هو "البعبع" الأول الذي قد يؤدي لنهاية وموت الشركة العائلية و تقاسم توزيع الكيكة بما في داخلها. ولذا فان وجود الدستور الذي يوضح الاستمرارية وكيفية ملأ الفراغ يمنح ضمانا لمسيرة الشركة العائلية واستمرار هذه المسيرة الي سنوات لا تحصي ولا تعد... 

ومن التجارب الناجحة جدا، والتي تم تضمينها في دستور العائلة، فيما يتعلق باختيار الوريث "ولي العهد" نجد أن الأب الكبير أو قائد العائلة لا يقوم بترشيح الوريث بنفسه بل يدعو جميع أفراد العائلة للنقاش فيما بينهم بكل ديمقراطية لاختيار من يرونه مناسبا لاستلام دفة الادارة، وبالطبع الأب يشارك في كل هذه الاجراءات. وفي أثناء هذه الفترة، علي كل من يري في نفسه الكفاءة أو يرغب في تولي منصب ادارة الشركة أن يقوم بعرض أفكاره وبرامجه وتطلعاته، ومن هذا الوضع المثالي يجد كل فرد في العائلة الفرصة لعرض نفسه وأيضا في المقابل يجد جميع أفراد العائلة الفرصة لاختيار قائد المستقبل نيابة عنهم ولمصلحة العائلة. وكل هذا من التجارب الجميلة الناجحة للشركات العائلية التي قامت بوضع "دستور" المستقبل لصالح استمرار الشركة بعيدا عن الأشخاص والرغبات الفردية الذاتية. وعلينا الاستفادة من هذه التجارب الناجحة لتستمر شركة العائلة وميراث العائلة...