مكافحة تمويل الارهاب

د. عبد القادر ورسمه غالب

مكافحة تمويل الارهاب

قبل أيام انعقد في البحرين المؤتمر الخليجي الاستراتيجي، الذي ينعقد بصفة دورية، وكانت هذه الدورة مخصصة لمناقشة "التحولات الجيوسياسية في الفضاء العالمي". وفي هذا الاطار، تم التركيز علي عدة مواضيع استراتيجية هامة تهم  و"تهز" كل العالم ومن ضمنها موضوع "مكافحة تمويل الارهاب". وتأتي أهمية هذا الموضوع بسبب "جو" الارهاب المقيت الذي يعيش فيه الآن سكان العالم في كل أركانه المتعددة. ولا مكان آمن من الارهاب.

من دون أدني شك فان مكافحة تمويل الارهاب والقضاء علي الارهاب، بكل صوره، وفي كل مكامنه يعتبر من الأولويات الاستراتيجية التي تحتاج لتضافر كل العالم للوقوف بصلابة، وقفة "رجل واحد" في وجه الارهاب الكالح البغيض. والارهاب يهدم الأمن ويضرب في كل الاتجاهات من دون تمييز سواء للصغار أو العجزة أو النساء أو ذوي الحاجات الخاصة.. وكل منا قد يتعرض لضرباته في أي وقت وفي أي مكان وفي أي زمان... وهكذا، اصبح العالم قرية خطيرة مشتعلة لا يأمنها أحد ولا يلجأ لها أحد لأنها غير مأمونة العواقب ومليئة بالخوف والرعب... وأمنية وأمل "... وآمنهم من خوف..." تصبح بعيدة المنال في هذا العالم المضطرب المليء بالإرهاب، وتفقد الحياة قيمتها وطعمها وحلاوتها.

وللقضاء علي الارهاب، هناك عدة استراتيجيات وعدة وسائل وعدة بدائل، منها المعلن ومنها الخفي، منها العام ومنها الخاص، منها المحلي ومنها العالمي .. ولكل منا دورا خاصا وهاما يجب أن يلعبه ويقوم به للتصدي للإرهاب بغرض مكافحته للقضاء عليه وعلي من يقوم به أو يخطط له أو يمهد له أو يلمح له من البعد البعيد. ولكل منا دور، وعلينا جميعا تنفيذ هذا الدور حتي لا نقطع سلسلة المكافحة ويتسلل ويدخل عبرنا الارهاب لضربنا أولا وضرب أهلنا وجيراننا وكل منطقتنا، ويعم الشر والشرر كل البلد والبلدان.

من البدائل الاستراتيجية الهامة لمكافحة الارهاب والقضاء عليه، هناك بديل "تجفيف" منابع تمويل الارهاب و"تجفيف" المنابع يؤدي بالضرورة لقتل الارهاب والقضاء التام عليه لأن الارهاب يعيش علي ما تغذيه به هذه المنابع. وتجفيف المنابع يحتاج للوقف التام والكامل لكل التمويلات والأموال التي تقدم للإرهاب لدعمه ومنحه الحياة والقوة للتحرك لممارسة ارهاب العالم ومن فيه. ومنع تمويل الارهاب يتم بوقف منح التسهيلات المالية لكل ما له علاقة بالإرهاب في كافة أشكاله وألوانه.

وفي هذا الخصوص، تم تضييق الخناق علي كل المنافذ المالية للدرجة التي لا تتمكن عبرها من تقديم "مليم" لدعم الارهاب. وكل البنوك والمؤسسات المالية والمرافق التمويلية تتم مراقبتها عن كثب وبشتي الوسائل حتي لا يتم اختراقها والاستفادة من مواردها المالية لتمويل ودعم الارهاب. وحقيقة هناك تنسيق تام بين البنوك التجارية والبنوك المركزية وجميع مؤسسات الرقابة الدولية بما فيها الفاتف والمينا فاتف والانتربول وغيره وغيره.. والجميع يقفون بقلب رجل واحد حتي يأس الارهاب ومن يعمل للإرهاب من الحصول علي أي دعم من هذه المرافق.

وبسبب تضييق الخناق في البنوك والمؤسسات المالية والتمويلية، ظهرت وسائل أخري للحصول علي الدعم وذلك يتم بالحصول عليه من الأفراد والجمعيات والمؤسسات الفردية والتنظيمات القومية أو العرقية أو الدينية.... ولذا فهناك أيضا حملة عشواء لتضييق الخناق علي هذه المنافذ لوقف وصول الأموال للإرهاب وأيادي الارهاب وتشكيلات الارهاب المتعددة. وهذا الموقف، أيضا مطلوب ليكتمل تجفيف منابع الارهاب ومنابع تمويل الارهاب، وأيضا هذه الخطوات ظهر أكلها وتم قطف منتجها. ولكن الأمر ما زال يحتاج للمزيد من الجهد والمزيد من الضرب علي الحديد وهو حار ساخن حتي يتشكل وفق ما هو مطلوب ليكون سياجا يحول دون انتشار الارهاب حتي يخبو ويموت في مهده.

وهذه السياسة، بصفة عامة، مقبولة. ولكن، يجب تنفيذها بكل تجرد وموضوعية وبدون تمييز أو ازدواجية في المعايير. نقول هذا، لأن هناك شعورا عاما في العالم بأن كل ما يقدمه المسلمون خاصة من زكاة أو صدقات واعانات للفقراء والضعفاء والمحتاجين... يذهب لتمويل الارهاب. وتم التضييق علي هذه الممارسات النبيلة للدرجة التي تجعل كل "محسن" أو "رجل خير"  ممول للإرهاب وداعم له. وهناك تفرقة واضحة، فعندما يقوم المسيحي أو اليهودي أو.... بتقديم هذه المساعدات فانه علي قائمة أهل الاحسان ومن المحسنين ذوي القلوب الرحيمة بالمساكين والضعفاء والمرضي ... ولكن عندما يقوم المسلم أو..... بهذا العمل فانه ليس رحيم القلب وليس من المحسنين بل انه يقدم هذه الأموال لدعم الارهاب والارهابيين... وهنا يسقط الميزان وتسقط الحكمة لأن المعايير اختلت ولأن الأمور اختلطت وتغير لونها وطعمها...

ان الوقوف بصلابة في وجه تمويل الارهاب وأيادي الارهاب، أمر ضروري بل أمر حتمي لضمان السلام والأمان للجميع. ولكن، الأمانة تتطلب المساواة في التعامل والبعد عن ازدواجية المعايير بسبب أفكار أو معتقدات دينية أو اجتماعية أو حتي سياسية. ويجب الحرص علي الأمانة والمثالية في التطبيق بميزان العدل حتي يتحقق ما نصبو اليه للعيش في عالم آمن خالي من الارهاب وكل من يتسبب فيه بأي شكل من الأشكال. ويجب أن يكون الجميع سواسية كأسنان المشط حتي لا يختل ميزان العدالة وتسود الأفكار المتطرفة التي تؤدي بدورها لتهيئة المناخ المناسب لنمو بذرة الارهاب في كل مكان يشعر فيه الانسان بالغبن والتمييز غير المبرر. ولنتحد في هذا الموقف وفي عدالة التطبيق حتي لا يجد الارهاب مكانا بيننا.