مجموعة العمل المالي - فاتف – ومكافحة تمويل الارهاب

د. عبد القادر ورسمه غالب

مجموعة العمل المالي - فاتف – ومكافحة تمويل الارهاب

 

خلال الفترة من 17 الي 19 فبراير 2016 قامت مجموعة العمل المالي (فاتف) بعقد  اجتماعها الدوري العام تحت رئاسة المندوب الكوري، وتم التركيز في هذا الاجتماع علي مناقشة ومراجعة أعمال المجموعة الخاصة بمحاربة تمويل الارهاب وكبح جماح المنظمات الارهابية وكل من له علاقة بها. وكما هو معلوم فان مجموعة (فاتف) سبق أن قامت بإصدار التوصيات "الأربعين" الشهيرة في عام 1990، والتي يعود لها الفضل الكبير في وضع الأسس القانونية لمسار الممارسات المصرفية الخاصة بمكافحة ومحاربة غسل الأموال خاصة في أو عبر مؤسسات القطاع المصرفي.

وهذه التوصيات "الاربعين"، من دون شك، قامت بوضع اللبنات الأولي لخط سير المناهضة العالمية لمواجهة جرائم غسل الاموال علي المستوي العالمي وبغرض رص الصفوف في كل البلدان للوقوف بصلابة يدا بيد مع الجميع لمكافحة جريمة غسل الأموال. هذه الجريمة الحديثة المستحدثة والتي بدأت في الانتشار السريع جدا في ذلك الوقت، مما كان له من انعكاسات سلبية ضارة علي الحركة الاقتصادية والتجارية والمصرفية وكذلك علي الأفراد في كل مكان. وأصبح المال القذر الملوث الآتي من بيع المخدرات وتجارة الرق الأبيض ومن متحصلات الفساد والرشاوي والاختلاسات... مخلوطا مع المال النظيف ويسير معه جنبا الي جنب، وبهذا اختلط المال القذر مع المال الحلال النظيف، واختلط الشر مع الخير، وهذا قطعا لا يجوز ويجب التصدي له ومن هنا تأتي أهمية مكافحة هذه الجريمةتيأتي .

وكما هو معلوم للجميع، ظلت مجموعة العمل المالي (فاتف) تقوم بتطوير هذه التوصيات "الاربعين" واعادة صياغتها كلما تطلب الأمر أو استجدت مستجدات. كما ظلت مجموعة (فاتف) تقوم في نفس الوقت بمتابعة التطبيق الصحيح والالتزام التام بما ورد في هذه التوصيات من أجل ضمان تطبيقها بسلاسة وسلامة والسير علي نهجها لتحقيق الأغراض المنشودة، وحتي لا تبقي التوصيات حبرا علي ورق وبدون أو عديمة الفائدة.

وفي هذا الخصوص، وتحديدا في اكتوبر من عام 2001، قامت مجموعة (فاتف) باتخاذ خطوات اضافية جديدة حيث تمت المراجعة التامة للتوصيات "الاربعين" لمقابلة كل المستجدات التي طرأت في ما يتعلق بمكافحة غسل الأموال. وكما تم في نفس الوقت العمل علي اضافة "ثمانية" توصيات جديدة تماما وهي في مجملها تختص بمعالجة ومكافحة تمويل الارهاب. وهذه التوصيات "الثماني" الجديدة تم وضعها خصيصا بعد ظهور تنامي الارهاب في شتي بقاع العالم وبصفة خاصة بعد ما حدث في أمريكا، والغرض الرئيسي لهذه التوصيات الجديدة هو العمل علي وقف وقطع كافة التمويلات المالية ليتم تجفيف كل المنافذ والمصادر المالية التي يمكن تقديمها أو يستفيد منها الارهاب بأي وسيلة من السبل. واصبحت هذه التوصيات "الثماني" الجديدة جزءا لا يتجزأ ومكملا للتوصيات "الأربعين" التي سبق أن أصدرتها مجموعة (فاتف) في عام 1990.

وفي اجتماع مجموعة (فاتف) الدوري الأخير، المنعقد قبل أيام، ركزت المجموعة علي مراجعة كل الضوابط القانونية والاجرائية المتعلقة بمكافحة تمويل الارهاب ومحاربة المنظمات الارهابية خاصة بعد الخوف الذي اجتاح كل أركان العالم بعد ظهور "داعش"، الدولة الاسلامية في العراق والشام، وكأن الارهاب في العالم ينحصر في هذه الفئة فقط دون غيرها. لا أحد يقبل الارهاب أو يشجعه، لكنه موجود كأمر واقع، والجميع يمارسه ولكن تحت مسميات وطرق أخري مضللة. ولنتفق علي ضرورة محاربة الارهاب في كل صوره وهيئاته في كل مكان.

قالت مجموعة (فاتف) أن محاربة الارهاب سيظل الأولوية القصوى لها في الوقت الحاضر نظرا لخطورته الفائقة علي استقرار العالم بل وعلي كل فرد في أي مكان، ونتفق تماما مع (فاتف) في أن الارهاب خطر علي الجميع ولا أحد ينجو منه. ولمحاصرة الارهاب، تم تبادل الآراء والنقاش المستفيض في (فاتف) لوضع استراتيجية متكاملة ومتماسكة في هذا الخصوص. وتتضمن هذه الاستراتيجية الخطوات التي تتبعها مجموعة (فاتف) في ما يتعلق بتقوية الاجراءات والضوابط القانونية المطلوبة لمواجهة كل السبل الممكن اتخاذها لوقف تمويل الارهاب في كل العالم، وسد كل الثغرات الممكنة في القوانين والضوابط المطلوبة. ووقف تمويل الارهاب، يكون بمثابة أضعف الايمان في خط سير مكافحته.

الاستراتيجية تتضمن أيضا، دور كل دولة علي حدة في توفير السلطات والتشريعات القانونية والاجرائية اللازمة لمحاربة تمويل شتي أنواع الارهاب. وكذلك تتضمن، تبادل كل المعلومات بصورة سليمة وتقديم التعاون المطلوب وفق الاجراءات، مع بقية الدول وغيرها من المنظمات المختصة ليتم العمل في ما بينها سويا في صف واحد ضد الارهاب، وبما يوضح ويعكس وجود الاستيعاب التام للمخاطر المحدقة بالعالم بسبب الارهاب والمنظمات الارهابية المنتشرة في كل مكان.

ولا بد من الافادة الي أن الاستراتيجية اشارت الي ضرورة التركيز علي اشراك القطاع الخاص وكل الشركات الخاصة في كل الدول لتعمل جميعها معا من أجل تحقيق الوقوف بكل صلابة ضد الارهاب وضد من يعمل علي ترويج الارهاب لترويع العالم. مع العلم، أن التعاون مع القطاع الخاص يتطلب تبادل المعلومات الكاملة عن الارهاب ومراميه وأهدافه حتي يكون الجميع علي علم وادراك تام وللدرجة التي تمكنهم من الاستعداد لمعرفة العدو ومعرفة كيفية التصدي له ومواجهته في أي وقت، خاصة وأن العدو واحد ولا يفرق بين البشر والضحايا من الأطفال والنساء والعجزة... وغيرهم.

تناول اجتماع مجموعة العمل المالي (فاتف) الأخير، وبحث أيضا القرارات الأخيرة الصادرة من مجلس الأمن التابع لهيئة الأمم المتحدة والخاصة بمحاربة الارهاب في كافة أشكاله. وطالبت (فاتف) جميع البنوك والمؤسسات المالية بضرورة الالتزام بما ورد في قرارات مجلس الأمن والعمل وفق كل السبل علي تجفيف منابع تمويل الارهاب. كذلك أوصت المجموعة بأهمية التعاون مع المؤسسات المالية العالمية مثل البنك الدولي وصندوق النقد  ووزراء مالية مجموعة العشرين الكبار ومحافظي البنوك المركزية وكل المؤسسات العالمية والاقليمية ذات الصلة بموضوع محاربة جرائم غسل الأموال وتمويل الارهاب، وضرورة تقديم كل الدعم لهم ومساندتهم حتي تتم السيطرة علي الارهاب ان لم نقل حسمه نهائيا. واتفقت (فاتف) علي دراسة كل ما تم تحقيقه في مواجهة الارهاب وما لم يتم وأسباب ذلك، في الاجتماع الدوري القادم...