الفاتف وضوابط مكافحة الإرهاب

د. عبد القادر ورسمه غالب

 
يكثر الحديث في هذه الأيام عن الإرهاب وانتشاره ومضاره وكيفية مكافحته والوقوف صفا قويا في وجهه لما ينجم عنه من آثار سلبية عديدة لا ينجو منها أحد في كل أطراف الدنيا. ومكافحة الإرهاب، بصورة تكاملية موحدة، وجد اهتماما بالغا من اللجنة المالية الدولية لمكافحة غسل الأموال و تمويل الإرهاب (فاتف) التي قامت بإصدار (ثماني) توصيات خاصة بمكافحة تمويل الإرهاب وهذه التوصيات يجب الالتزام بتنفيذها من أجل مكافحة الإرهاب عبر وقف الدعم المالي والتمويل من البنوك والمؤسسات المالية. وهذه التوصيات (الثماني) الصادرة من الفاتف تعتبر إضافية ومكملة للأربعين توصية والتي سبق أن تم إصدارها خصيصا لمكافحة غسل الأموال.
بموجب ضوابط الفاتف الخاصة بمكافحة الإرهاب وتمويله، واجهت عدة بنوك قضايا كبيرة في أمريكا بسبب ما قامت به من تمويل للإرهاب أو التعامل خلسة مع جهات ودول تدعم الإرهاب أو القيام بالتلاعب في الحسابات والمستندات لعدم توضيح تمويل بعض النشاطات المريبة أو الإرهابية. ولقد صدرت أحكام في الآونة الأخيرة بمبالغ ضخمة جدا ضد بنوك أوروبية وعربية في أمريكا، وما زال هناك العديد من الإجراءات قيد النظر ضد هذه البنوك وكبار التنفيذيين فيها. ولقد تدخلت الحكومات واجتمع رؤساء الدول العظمي لتدارك انعكاسات هذه القرارات القاسية والكل يبحث عن “ليلاه”. ومن هذا الوضع يتبين جليا أن توصيات الفاتف (الثماني) أتت أكلها وظهرت نتائجها خاصة وأن كل البنوك والمؤسسات المالية الآن تفحص مليا وتدقق كثيرا في كل طلبات التمويل والتحويلات خوفا من ارتباطها أو ذهابها لتمويل الإرهاب والإرهابيين.
توصيات الفاتف لمكافحة تمويل الإرهاب أتت قوية و لها “أسنان” حادة، ولأجل غرز هذه الأسنان لاجتثاث الإرهاب فإنها طلبت من جميع الدول اتخاذ الخطوات الفورية والضرورية لتطبيق اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1999 الخاصة بمكافحة الإرهاب، وأيضا طلبت من جميع الدول التطبيق الفوري لكل قرارات الأمم المتحدة الخاصة بمنع ومكافحة تمويل الأعمال الإرهابية. وبهذا رفعت توصيات الفاتف من موضوع مكافحة تمويل الإرهاب إلى أعلى سقف تلتزم به الدول تحت رعاية وأعين الأمم المتحدة وكل أجهزتها القانونية والتنفيذية. وهذا هو المطلوب لأن الإرهاب عابر للحدود والوقوف في صفه يحتاج للتعاون الدولي وتشمير كل السواعد حتى لا يتسرب من تحتها.
وفي هذا الإطار، ووفق التوصيات الثماني، يجب على جميع الدول العمل على تجريم الإرهاب بكافة أشكاله وتجريم تمويل كل شخص أو منظمة إرهابية. وهذه التشريعات والإجراءات يجب أن تشمل تطبيق كافة التدابير الفورية لتجميد الأموال والأصول الخاصة بالإرهابيين أو المرتبطة بالأعمال الإرهابية، وكذلك أموال من يمولون الأعمال الإرهابية. وهنا يوجه الأمر مباشرة للبنوك والمؤسسات المالية وغيرهم ممن يقومون بالتمويل أو التحويلات المالية بأي شكل كان. وفي هذا الخصوص، وبالإضافة للتشريعات العامة والداخلية يجب علي البنوك توفير واتخاذ كل خطوات الحذر والعين الساهرة والأيادي القوية لقفل الباب والوقوف بصلابة في وجه الإرهاب ومن يقف خلفه، وإلا سيقع الفأس على الرأس حيث لا ينفع الندم. والأحكام والجزاءات القوية التي اتخذتها وتأخذها أمريكا في هذه الأيام في مواجهة تمويل الإرهاب والإرهابيين لخير دليل على أن هذا الموضوع خطير ويحتاج لعناية ومتابعة خاصة و إلا ستتعرض البنوك للهلاك وفقدان الأعمال بسبب هذا الوباء.
وهناك توصيات بإجراءات معينة وخاصة بالنسبة للتحويلات المالية ونقل الأموال، بواسطة أي جهة، حيث يجب توفر الترخيص لممارسة هذه النشاطات مع الحق في مراقبة النشاط ووقف أو تقييد حركة الأموال عند عدم تقديم الإفصاح اللازم أو عند وجود أي اشتباه أو ارتباط بأعمال إرهابية أو تمويل الإرهابيين. مع ضرورة وجود التشريعات الواضحة لمعاقبة من يخالف الإجراءات أو التستر عليها أو عدم الإفصاح للجهات المختصة.
 

ومن الجهة الأخرى فان توصيات الفاتف تلزم جميع الدول بالتعاون المخلص فيما بينها وأن تقدم كل دولة للأخرى كل العون المطلوب في تبادل المعلومات وتقديم البيانات وكل آليات المساعدة القانونية، وكذلك يجب على كل الدول تأمين مواقعها وعدم فتح مجالها أو جعله ملاذا آمنا للإرهاب والإرهابيين مع العمل على وضع الضوابط القانونية الملائمة لمتابعة وقبض وتسليم كل من يقوم بممارسة الإرهاب عندما يطلب ذلك. وهذا التعاون الدولي بالطبع مطلوب لتضييق الخناق على الإرهاب الذي استشرى وملأ كل الدنيا سوادا وخرابا ودمارا. وإذا شعر الإرهابيون بالأمان في إي مكان فسوف يقومون بتحصين مواقعهم لتنفيذ ما يطمعون فيه من تفكير أسود. وبالإضافة لتعاون الدول، يجب علي البنوك والمؤسسات المالية تنسيق الجهود وتبادل الآراء والمعلومات وكل ما يخدم الوقوف والتشدد في مكافحة تمويل الإرهاب . وبهذا تقوم البنوك والمؤسسات المالية بتأدية دورها المنشود في خدمة المجتمع.
وأكيد، لا يوجد شخص يتعاطف مع الإرهاب الذي يقلق مضاجع الأسر الآمنة ولا يفرق في فتكه بين الأطفال والعجائز وبين القادر والعاجز… وإذا كان لأي شخص أو مجموعة قناعات معينة أو قضية ما، فلماذا لا تقوم المجموعة بإتباع الطرق الشرعية لإثبات حقوقها، والحق لا يضيع أبدا. ولماذا، مثلا، يتم تفجير الطائرات المدنية أو تفخيخ وتفجير السيارات والأشخاص في الأماكن المزدحمة أو تمويل مثل هذه النشاطات وشراء الذمم والأسلحة والمتفجرات أو غير هذا من العمليات التي لا تفرق بين الرجل والمرأة وبين الأبيض والأسود… مثل هذه الأعمال الإجرامية لا تجد أي تعاطف بل سترتد على نحر من يقوم بها حتى لو كان لديه حق أو قضية لأنه عرض الجميع، نعم الجميع، للخطر دون ذنب أو جريرة بل شاء القدر أن يكونوا في موقع جريمة الإرهاب. والإرهاب وترهيب الآمنين جريمة نكراء ونكرة منذ الأزل، لذا لا بد من تكاتف الجميع في وجه الإرهاب والإرهابيين وعليك أن تبدأ لتضمن سلامة نفسك وسلامة أسرتك وأصدقائك، بل وليعيش العالم في هدوء وطمأنينة وأمان… وهذه أمنية الجميع فلنعمل من أجلها، لنصل إلي المبتغى “وآمنهم من خوف” في كل مكان وزمان.