الأوراق النقدية

محمد أديب كلكل

الأوراق النقدية

"حكم هذه الأوراق حكم الذهب والفضة سواء بسواء"

فضيلة الشيخ محمد أديب كلكل / عن كتابه إتحاف السائل بما ورد من المسائل

 

الحمد لله ، وصلاة وسلاماً على سيدنا محمد رسول الله وآله وصحبه وبعد: فبين الحين والآخر تفشو مقالة بين الناس يدعي فيها أصحابها أن الأوراق النقدية عروض تجارية وليست نقداً، لأن النقد (في تصورهم) هو الذهب والفضة فقط لا غير ، ولذلك فإنها تباع وتشرى ببعضها بزيادة وإلى أجل كما تباع بقية العروض التجارية ، وقد أخذت حيزاً من التطبيق العملي ممن يتبنون هذه المقولة ، وقد خرجوا بذلك عن المألوف والمعروف، وخرقوا الإجماع العرفي العالمي وعمدتهم لذلك أقوال شاذة قيلت في مرحلة معينة عبر الزمن، واجتهادات خاطئة صدرت من البعض حينما كان الذهب والفضة هما النقد الأساسي، والمعروف في تلك الأزمنة ، وقياسات فاسدة قصد من ورائها الاحتيال على الربا وفتح أبوابه الموصدة، وبذلك فتحوا أبوابه على مصاريعها وحطموا ركن الزكاة بدعوى أن هذه الأوراق بحد ذاتها لا تجب فيها الزكاة .

نعم فعلوا ذلك بلون جديد ولبوس جديد هو لون ولبوس البيع والشراء ، ويا ليت تغيير الاسم يغير من المضمون شيئاً ؟؟!

وقد كتبت هذه المقالة لأبين أن حكم هذه الأوراق حكم الذهب والفضة سواء بسواء لا يمتري في ذلك إلا مكابر قد أغمض عينيه كي لا يرى الحقيقة ، ولا يواجه الواقع . أو متعجرف ظن العلم رواية فقط ، وقد عمي عن كونه رواية ودراية .

وقد عرضت هذه المقالة على سماحة مفتي الجمهورية العربية السورية فضيلة الأستاذ الشيخ أحمد كفتارو بتاريخ 3|6|1992 م فوافق مشكوراً على ما جاء فيها وأمهرها بالخاتم الرسمي وتوقيعه.

نص المقالة

إن الإنسان منذ أقدم العصور قد استعمل الذهب والفضة ثمناً للأشياء ، وجعلهما واسطة في التبادل والتعامل وأساساً في مقياس القيم، فهما بهذا الاعتبار نقود خلقية.

وفي عصرنا الحاضر استبدلت الحكومات الذهب والفضة بالأوراق النقدية (بعد أن غطتها بقيمة ذهبية مرصودة لها) وجعلتها أساس التعامل بين الناس، وعماد الثروات والمبادلات. فكانت هذه الأوراق (باعتماد السلطات الشرعية إياها وجريان التعامل بها) أثمان للأشياء ، ورؤوس الأموال، والتعامل داخل كل دولة، ومنها تصرف الأجور والرواتب وغيرها ، وتدفع مهوراً للنساء وديات للقتلى، ويقبلها جميع الناس، ولها قوة الذهب والفضة في قضاء الحاجات، وتيسير المبادلات، وتحقيق المكاسب والأرباح، فهي بهذا الاعتبار أموال نامية أو قابلة للنماء شأنها شأن الذهب والفضة في تحقيق وظائف النقود الأساسية وأهميتها ونظرة المجتمع إليها ، فكانت نقوداً جعلية يجب على الأمة تداولها والتزام أحكامها لأن ولي الأمر قد أمر بها دون غيرها ، وطاعته واجبة في مثل هذه الحالة لما في ذلك من تحقيق لمصلحة الأمة في حفظ ثروتها وعدم ضياعها وتهريبها إلى أيدي أعدائها، ولذلك فإن جميع الأحكام المترتبة على الذهب والفضة والواجبات المالية عموماً ومن حيث الربا ، هذه الأحكام تترتب على هذه النقود الجعلية.

صحيح أن الذهب والفضة لهما قيمة مالية ذاتية من حيث إنهما معدنان نفيسان حتى لو بطل التعامل بهما نقدين لبقيت قيمتهما المالية معدنين، نعم هذا صحيح، ولكن الذي يفهم من روح الشريعة ونصوصها أنها لم توجب الزكاة في الذهب والفضة لمحض ماليتها، إذ لم توجب الزكاة في كل مال، بل في المال المعد للنماء ، والذهب والفضة إنما اعتبرهما الشارع مالاً معداً للنماء من جهة أنهما أثمان للأشياء وقيم لها، فالثمينة مراعاة مع المالية أيضاً، ولهذا كان عنوان زكاة الذهب والفضة في بعض كتب الفقه: زكاة الأثمان، أو زكاة النقدين.

والمتتبع لكون الذهب والفضة ربويين في كتب الفقه يجد أن العلة فيهما كونهما ثمناً للأشياء غالباً، أو أنهما قيم الأشياء، أو صلاحية الثمنية الغالبة على اختلاف في التعبير والمؤدى واحد هو الثمينة الغالبة. والأوراق النقدية من هذه الحيثية حكمها حكم الذهب والفضة في جميع ما يتعلق بهما من أحكام لأنها اشتركت مع النقدين الأساسيين في العلة التي يجري فيها الربا لسببها، وحيث أصبحت كالنقدين وسيطاً للمبادلة ، ومقياساً للقيمة ، وأداة للادخار بوضع الدولة لها حيث أخذت الطابع الرسمي، وبالإجماع العرفي العالمي ، وأصبحت بديلاً عن الذهب والفضة، والبديل يأخذ حكم المبدل منه. وبذلك افترقت الفلوس الرائجة عن الأوراق النقدية ، لأن الفلوس وإن راجت فلا تعتبر مقياساً للقيم ولا أداة للادخار. قال الإمام الحصني في كتاب (كفاية الأخيار): ص 249 "فرع:الفلوس وإن راجت رواج الذهب والفضة هل يجري التعامل فيها؟ الصحيح أنه لا ربا فيها لانتفاء الثمنية الغالبة فيها ". تأمل قوله:" لانتفاء الثمنية الغالبة فيها" لتدرك الفرق بين هذه الأوراق وبين الفلوس...

ولقد أخطأ عقل من ألحق الأوراق النقدية بالفلوس خطأ فادحاً حيث أطال في النقل ولم يتنبه إلى تعليل من نقل عنهم أن علة الربا في النقدين هي الثمنية الغالبة ، وهل يتنبه من سيطر عليه الهوى والغرور فكان كالديك المنفوش كي يحاكي هيئة الأسد.

فالقياس الصحيح كما عرفه الإمام الآمدي في كتاب (الإحكام في أصول الأحكام): 3\6 " القياس عبارة عن الاستواء بين الفرع والأصل في العلة المستنبطة من حكم الأصل".

ويقول الأستاذ مصطفى الزرقاء في كتابه (المدخل الفقهي): ص 38" القياس هو إلحاق أمر بآخر في الحكم الشرعي لاتحاد بينهما في العلة".

ويقول الدمياطي في حاشيته على شرح الورقات للإمام المحلي:" القياس رد الفرع إلى الأصل بعلة تجمعهما في الحكم كقياس الرز على البر بجامع الطعم" أي وقياس الأوراق النقدية على الذهب والفضة بجامع الثمنية الغالبة.

ويقول حجة الإسلام الغزالي رحمه الله تعالى في كتاب( المستصفى): 2\54 " القياس حكم مالا نص فيه هو حكم المنصوص عليه لاتحادهما في العلة" ويقول في ص50:" الاجتهاد الثاني في تخريج مناط الحكم واستنباطه ، مثاله: أن يحكم بتحريم في محل ولا يذكر إلا التحريم والمحل ولا يتعرض لمناط الحكم وعلته ، كتحريم الخمر والربا فنخن نستنبط المناط بالرأي والنظر فنقول: حرمه لكونه مسكراً وهو العلة ، ونقيس عليه النبيذ (أي وكل مسكر) . وحرم الربا في البر لكونه مطعوماً ونقيس عليه الأرز والزبيب ، ويوجب العشر في البر فنقول أوجبه لكونه قوتاً فنحلق به الأقوات أو لكونه نبات الأرض وفائدتها فنلحق به الخضراوات وأنواع النبات فهذا الاجتهاد القياسي"، وبناء على الكلام الغزالي رحمه الله نقول: وحرم الربا في الذهب والفضة لكونهما ثمناً للأشياء غالباً فنقيس عليهما الأوراق النقدية لكونها اشتركت معها في العلة نفسها.

يقول الإمام أبو إسحاق الشيرازي في كتاب( التنبيه): ص56" فأما الذهب والفضة فإنه يحرم فيهما الربا لعلة واحدة، وهي أنها قيم للأشياء ، والمأكول والمشروب يحرم فيهما الربا بعلة واحدة وهو أنه مطعوم".

ويقول الإمام السبكي في تتمة شرح المذهب:10\20" الأصل عندنا في بيع الربويات بجنسها أو ما يشاركها في علة الربا التحريم".

ومن قال إن هذه الأوراق النقدية حكمها حكم عروض التجارة،قد فاته أن عروض التجارة هي المال المتجر به، أو ما يعد للبيع والشراء بقصد الربح، وليس النقد، وإذا اعتبرت عروضاً تجارية كما يتصورها فما هو النقد الذي يدفع من أجل تملكها؟ وما العمل إذا رفض البائع عروضاً تجارية ثمناً لها؟! وهل نعطل جملة من الأحكام الشرعية التي يشترط فيها وجود النقد كشركة المضاربة مثلاً حيث يشترط فيها أن تكون على ناض من الدراهم والدنانير؟ ونفتي الناس بعدم جوازها في الأوراق النقدية على اعتبار أنها عروض تجارية كما يفتي بعض المتهورين ، ونخلق الفوضى، ونعطل الأحكام، ونوقع الناس في الحرج؟ ومن أين تأتي بالنقدين وقد منع التعامل بهما حكومياً ودولياً حفاظاً على ثروة الأمة من أن تتسرب إلى أيدي أعدائها، وحفاظاً على اقتصادها؟

أليس من الحكمة ، بل من الصواب أن نتخلص من أقوال وفتاوي قيلت وظهرت في زمن معين حيث كان التعامل بالذهب والفضة قائماً على قدم وساق، ونتركها في بطون الكتب ليقضي عليها النسيان؟ ولا نثير بواسطتها بين الحين والآخر جدلاً عقيماً سداه ولحمته حب الظهور الذي كم قصم من ظهور ، وزوابع إبليسية سرعان ما ينكشف زيفها ، وتتضح حقيقتها، وما يكمن في تردادها من غرور وتزحلق، علماً بأننا غير ملزمين بها شرعاً، وهي موقوفة على قائليها لا يتعداهم، ولو كان الشافعي حياً أو غيره من الأئمة رضوان الله عليهم لرمي بها عرض الحائط لأنها لا اعتبار لها ولا وزن من حيث الحقيقة العلمية وإن كان يعتبرها البعض ممن يتصدر المجالس تنزيلاً من التنزيل لحاجة في نفسه.

على من يعتبر هذه الأوراق عروضاً تجارية أن لا يأخذ راتبه منها إن كان موظفاً، أو أجرته إن كان مستأجرا، ولا ثمن سلعته إن كان بائعاً ، ولا مهراً لابنته إن كان مزوجاً، ولا ديةً في قتل إن كان ولياً، ولا أدري بم يشتري جبته وعمته؟ ما دام يعتبر هذه الأوراق عروضاً تجارية وليست نقداً.

يقول الدكتور وهبة الزحيلي في كتاب (المستدرك) وهو الجزء التاسع من كتاب( الفقه الإسلامي وأدلته): ص 347" إن من مظاهر انحطاط الفكر ودواهي العلم أن يقال: إن الأوراق النقدية لا توزن فلا تعتبر من الربويات ، بل تأخذ حكم العروض التجارية ، أو يقال: إن الأوراق النقدية كالفلوس لا يجري فيها الربا، وهذا جهل واضح بحقيقة النقود، فإنها ثمن اصطلاحي للأشياء سواء أكانت من معادن أم من أي شيء آخر، وقال النبي e:" لا تبيعوا الدينار بالدينارين..."

والفلوس ليست لها قوة النقود، ولا بديلا عن النقود، وإنما تقوم بالذهب والفضة، وكان سلخ وجود صفة الربا فيها لتفاهتها وبيع الحفنة بالحفنتين ، والتفاحة بالتفاحتين، وإنما سمح بتداولها في الماضي لتسهيل شراء ما رخص ثمنه من الحاجيات".

وقال بعضهم:إن هذه الأوراق بغض النظر عما تضمنته من أوراق مجردة ذات قيمة ومنتفع بها . غاية الانتفاع فيكتب فيها العلم، ويقيد الحساب، ويضع شيء لحفظه وغير ذلك من الإيقاد ؟!! أرأيت أعجب وأغرب من هذا المنطلق المنحرف الذي يستند إليه بعض المتمسكين بعدم نقدية الأوراق؟!

قل لي بربك يا أخي :من الذي يصنع دفتراً من ذوات الـ (500) ل.س ليكتب فيه العلم ويقيد به الحساب؟! ومن الذي يجعل من ذوات الـ (100) ل.س أوعية لحفظ بعض الحوائج ؟! ومن الذي يوقد المدفأة أو الغاز مثلاً بقطع من ذوات الـ (50-25-10-5) حتى الليرة الواحدة؟!

أليست هذه أقوال يمجها المنطق وتأباها الفطرة ، ويرفضها العقل والمنهج العلمي جملة وتفصيلاً.

نعم لقد قيلت فيما مضى عبر الزمن ، ولسنا ملزمين بها ولو كان أصحابها الشرواني ، والأنباني والحبشي وغيرهم ممن قيل لهم فقالوا، فكانوا كالببغاوات يرددون كل ما يسمعون ، ويعيدون كل ما سجلوه دون تبصر ودراية ، وظنوا أن العلم لا يكون إلا هكذا .

ومنهم من يعتبر هذه الأوراق سند دين، وقد فاته أن سند الدين ما أخذ على المدين إلا للتوثيق وخشية الضياع لا لتنمية الدين في ذمة المدين، ولا للتعامل به كنقد، ولأن بيع الدين بعرض، أو بنقد حال ، أو بدين لازم- وهو الثمن بعد تسلم المبيع وانتهاء مدة الخيار- هو صحيح على ما في بعض ذلك من الخلاف أما بيعها بمثلها، أو بغيرها مؤجلاً مع سبق التواطؤ على زيادة معينة فهذا بيع باطل لأنه بيع الدين بالدين، ويجب اجتنابه . وبذلك فارقت هذه الأوراق مستند الدين وما يتعلق به من أحكام.

الحق أن هذه الأوراق أموال حاضرة، وليست مستند دين، إنها نقد بإصدار السلطات الرسمية لها وأمرها بالتعامل بها دون غيرها.

يقول العلامة الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله تعالى، وهو من كبار علماء مصر، في كتاب (محاضرات في المجتمع الإسلامي) " الحقيقة أن هذه الأوراق النقدية تعد الآن نقوداً حالة محل الذهب، وقيمتها فيما تدل عليه من قيمة ذهبية في أسواق الذهب العالمية".

ويقول الدكتور رفيق يونس المصري في كتابه (الجامع في أصول الربا): " إذا راج نقد ما في مجتمع إسلامي ، وعمت البلوى به، وكان أمراً واقعاً فهل نلحقه بالذهب والفضة في حكم الربا، أي نعده ربوياً أو لا؟

أرى أن كل نقد رائج لا بد من اعتباره ربويًا، لأنه قابل للقرض، فإذا لم يدخل في أموال ربا البيوع، لجأ الناس إلى بيعه بنقد آخر رائج نسيئة مع التفاضل ، مما يؤدي إلى أكل ربا القرض من طريق التفاضل الجائز بينها ، ومعلوم أن ربا البيوع لا سيما النساء قد حرم لسد الذريعة إلى ربا القرض، فبيع ريالات سعودية معجلة بليرات سورية مؤجلة، أو ذهب معجل بجنيهات مصرية مؤجلة، لا يختلف عندنا عن بيع الذهب بالفضة،أو القمح بالشعير نساءً ،أي هو غير جائز، ودعوى التيسير هنا غير مسموعة لأنه تيسير خرج من دائرة الحلال

وهذا الذي نقوله يفهم بوضوح من قول الأمام مالك 0 لو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى تكون لهم سكة وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نظرةً المدونة 3/90.

وقد هم عمر بن الخطاب رضي الله عنه باتخاذ النقود من جلد البعير كما في تاريخ البلاذري فتوح البلدان. وما منعه من ذلك إلا خشية على البعير من الانقراض. وهذا يعني أن النقود الجلدية في نظر عمر كالنقود الذهبية والفضية...".

فالمؤمن الحق يدور في فلك الجمهور، ويعلم أن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار ، ولا يتتبع أقوالاً شاذة، ولا يتصيد أباطيل وترهات ليثير من ورائها مفاسد خطيرة، ويتخذها ذريعة لارتكاب الحرام. إن أهل العلم قرؤوا تلك الأقوال، وعرفوا تلك الأباطيل ، وما جهلوها، وليسوا بحاجة إلى من يدلهم عليها ، أو يرشدهم إليها، ولكنهم ضربوا صفحاً عنها، ومروا بها مرور الكرام لأنها من اللغو وأوهى من خيط العنكبوت أمام النقد العلمي المبني على التحقيق والتمحيص.

ولا أدري لم هذا التشبث بمثل تلك الأباطيل وإثارتها بين الحين والآخر؟! أما وسعهم ما وسع أهل الخشية من أهل العلم حيث أهملوا تلك القوال، وخافوا الله سبحانه وتعالى من حكايتها وتردادها فضلاً عن الإفتاء بها. أما علموا أن الإثم ما حاك في الصدر وتردد في النفس؟!

الله تبارك وتعالى أحل البيع وحرم الربا وذلك رداً على من } قالوا إنما البيع مثل الربا{
 ] البقرة:2\275[. إن المال ينمو بالعمل، والمال لا يلد المال ، فلا يليق بمؤمن فضلاً عن عالم أو متعلم متصوف أن يتحايل على الحرام ، ويخترق جدرانه الموصدة ويسلك سبله بلف ودوران ، إن الربا هو الربا، وتغيير اسمه ، وتصويره بغير صورته، وإلباسه لباس البيع والشراء لا يغير من مضمونه شيئاً ، وقد أخبر عليه الصلاة والسلام أن بعض المحرمات في آخر الزمان تسمى بغير أسمائها } فلله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور{ ] غافر:40\9[ .

المؤمن الحق لا يحوم حول الحمى، لأنه يعلم يقيناً أن من حام حول الحمى أوشك أن يرتع فيه، ومن سلك مسلك الصالحين وأخذ نفسه بمنهجهم ترك مالا بأس به حذراً وخشية مما به بأس.

ولكن ما العمل إذا رأى رجل حماراً وأحب أن يأكله فقال: ما أشبه أذنيه بأذن الأرنب؟!! 

علينا أن نعلم أن كل ما كان وسيطاً للمبادلة ، ومقياساً للقيمة ، ومستودعاً أو مخزناً لها ومقياساً للدفع المؤجل كان نقداً ، وكما قال أحد علماء الاقتصاد :" إنه يمكن القول بأن النقود هي كل ما يستعمل مقياساً للقيم ، وواسطة للتبادل ، وأداة للادخار فأي شيء يؤدي هذه الوظيفة يعتبر نقوداً ، بصرف النظر عن المادة المصنوع منها ، وبصرف النظر عن الكيفية التي أصبح بها وسيلة للتعامل في مبدأ الأمر ، فما دامت هناك مادة يقبلها كل المنتجين في مجتمع ما للمبادلة نظير ما يبيعون فهذه المادة نقود".

ولو تأملت الأوراق النقدية لعلمت أنها قد حققت كل هذه الأمور وقامت بجميع هذه الوظائف.

وخلاصة القول: إن هذه الأوراق النقدية بإصدار السلطات الرسمية لها ، وأمرها بالتعامل بها دون غيرها ، وتعلق حاجة الناس إليها حكمها حكم الذهب والفضة سواء بسواء في جميع الأحكام المترتبة عليهما والمتعلقة بهما، وإلا فإن الأمة ستقع في الحرج، وتتعطل كثير من الأحكام الشرعية ، وينهدم ركن الزكاة ، ويفتح باب الربا على مصراعيه وبذلك أفتى كثير من العلماء الأفاضل في سورية وغيرها منهم:

فضيلة الشيخ محمد الحامد رحمه الله تعالى-حماة، في كتابه ردود على أباطيل القسم الثاني.

فضيلة الشيخ حسن حبنكة الميداني رحمه الله- دمشق، في كتابه نهاية التدريب: ص 99

فضيلة الشيخ عارف جويجاتي رحمه الله- دمشق ، إمام جامع الروضة وفتواه بخطه محفوظة.

فضيلة الشيخ أحمد الشامي رحمه الله- دوماً ، وفتواه بخطه محفوظة.

فضيلة الشيخ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي- دمشق، وفتواه بخطه محفوظة.

فضيلة الدكتور وهبة الزحيلي- دمشق، في كتابه الفقه الإسلامي وأدلته: 4/ 672-686.

فضيلة الشيخ مصطفى الخن ومصطفى البغا وعلي الشر بجي- دمشق، في كتاب الفقه المنهجي:6/61-67

فضيلة الدكتور نور الدين العتر- حلب ، في كتابه المعاملات المصرفية والربوية: ص 90-97.

فضيلة الشيخ حسنين مخلوف العدوي رحمه الله تعالى مفتي مصر، في كتابه: التبيان في زكاة الأثمان.

فضيلة الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله تعالى من كبار علماء مصر ، في كتابه: محاضرات في المجتمع الإسلامي.

فضيلة الدكتور محمد رفيق يونس المصري ، في كتابه: الجامع في أصول الربا.

وغيرهم كثير، وهم أولى بالإتباع والأخذ بفتاواهم من غيرهم.

أسأل الله تعالى أن يعيذنا من شرور أنفينا وسيئات أعمالنا، ويحفظنا من مضلات الفتن والأهواء. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد الحبيب المحبوب، نور القلوب، ونهاية المطلوب والمرغوب...