منظمة العمل الدولية ومبدأ - العمل اللائق

د. عبد القادر ورسمه غالب

منظمة العمل الدولية ومبدأ "العمل اللائق"

ينعقد المؤتمر السنوي لمنظمة العمل الدولية (آي ال أو)، خلال هذه الفترة، لمناقشة أهم الأمور المتعلقة بعلاقات العمل، وفي نفس الوقت، العمل الجاد والدؤوب علي تطوير علاقات العمل من أجل دعم التنمية والحركة الاقتصادية والاجتماعية في كل ربوع العالم. وكل هذا النشاط يتم في أروقة منظمة العمل الدولية سعيا لتحقيق الحياة الآمنة والرفاهية المنشودة لكل المجتمعات في كل الدول.

ومن أجل تحقيق هذا، قامت منظمة العمل الدولية وبعد العديد من المداولات في مؤتمرات العمل الدولية، بإصدار الميثاق العالمي لفرض مبدأ "العمل اللائق". ومن الجدير بالذكر، ان منظمات العمل الاقليمية الأخرى في كل العالم قامت باعتماد واجازة الميثاق العالمي الصادر من منظمة العمل الدولية وبصفة خاصة ما يتعلق بمبدأ العمل اللائق.

لقد تعرض الاقتصاد العالمي والعمل المصرفي والتجاري للعديد من النكسات والنكبات في العقود الأخيرة مما أدي الي تضعضع الأوضاع الاقتصادية وتدهورها لدرجة كبيرة جدا أثرت علي التنمية الاقتصادية والاجتماعية وبالتالي القوي البشرية العاملة. وكرد فعل علي ما حدث، وبناء على العبر والدروس المستخلصة مما حدث بسبب الأزمات المالية والاقتصادية العالميةعلى قطاعات الاستخدام وأسواق العمل في العالم تم انتهاج مبدأ "العمل اللائق"، من أجل تصحيح الهيكلية الموجودة في قطاع العمل والتشغيل.

ان الميثاق العالمي لفرص العمل والمتضمن لمبدأ "العمل اللائق"، يهدف من ضمن ما يهدف، الي تشكيل حزمة شاملة ومتكاملة من التدابير والسياسات التي تستهدف معالجة آثار الأزمات المالية والاقتصادية العالمية. وبصفة خاصة، الانعكاسات التي تطرأ على صعيد الاستخدام والعمل والآثار الايجابية التي تنتج من هذا على الصعيدالاقتصادي والاجتماعي.

وتحقيق مبدأ "العمل اللائق" يتطلب وبصفة أساسية العمل الجاد لخلق "الحوار الثلاثي الأطراف". وهو الحوار المكون من ثلاثة أطراف، أولها الجهة المشرفة في الدولة علي العمل (وزارة العمل \ الاستخدام \ التشغيل... ) وثانيها الجهة التي تمثل أصحاب العمل وشركات التشغيل (غرف التجارة والصناعة واتحاد أصحاب العمل... ) وثالثها الجهة التي تمثل العمال (اتحادات العمال والعمل...). وللعلم، هذا الترتيب في ذكر أطراف الحوار الثلاثي، ليس مقصودا ولا يقلل من مكانة طرف علي حساب الطرف أو الأطراف الأخرى.

وهذا "الحوار الثلاثي الأطراف" يعتبر الأداة الأكثر فعالية للتصديلكل الأزمات والمشاكل والتطورات التي تواجه العمل في كل الدول. وكذلك فان هذا الحوار الثلاثي، من دون شك أيضا، يتيح الفرص لكلالجهود الوطنية والإقليمية بهدف الحد من تداعيات الأزمات الاقتصادية العالمية على الشعوب، وتحقيق استعادةالنمو عبر خلق الوظائف وفرص العمل المناسبة والكريمة بالتزامن مع بناء مستقبل أكثر توازنًا وثباتًا وازدهارًا لكل الدول وقطاعاتها العاملة. وتحقيق التوازن في علاقات العمل يخلق البيئة المناسبة للعمل والانتاج.

  وعند العمل علي اصدار مبدأ "العمل اللائق" تمت مناقشة كل الاستراتيجيات التي تدعم وتهيء الفرص للعملاللائق من أجل النهوض بثبات من الأزمات التي حدثت، وكذلك إعداد أجندة لتحقيق النمو المستدام والعادل في المستقبل المنظور. وكما هو معلوم لدينا، فان السياسات السابقة التي سار فيها العالم نحو تحرير الأسواق المالية تمت بطريقة متسرعة وبدون  مراقبة كافية، وهذا بدوره أديالى تفشي الاحتكار والمضاربة وتضخم النشاط المالي على أسس غير سليمة،وبالطبع نجم عن هذا تفاقم في الفوارق الاجتماعية داخل غالبية الدول وزيادة عدد الفقراء وتوسع الشقة بين قطاعات المجتمع.....

والعمل اللائق يتطلب توفر النظرة العادلة من جميع الأطراف، واخلاص كل هذه الأطراف في عدم استغلال طرف للآخر والتعامل بروح الفريق المنسجم للوصول للهدف وتسجيله. وفوق هذا تقديم التدريب اللازم لمن يلزم ومتي يلزم حتي يتم تجنب الحوادث والاصابات والعمل بسلامة للعامل وماكينة العمل، الاستماع الي وجهات نظر الآخرين، مراعاة الضوابط الخاصة بتشغيل النساء والامتناع التام عن تشغيل الأطفال، الحرص التام علي سلامة البيئة في مكان العمل وبذل المزيد للحفاظ عليها وعلي الانسان الذي يعيش فيها وحواليها انطلاقا من أن الانسان هو الاساس في الحياة والعمل... وكل هذا سيرفع الانتاجية وسيعزز التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والكل مستفيد ويستفيد...

ولتحقيق النهوض من هذه الكبوة كان لا بد من وقفة شاملة لمراجعة ما تم بسبب هذه السياسات والعمل علي تجاوز ما حدث ... ومن هذا الوضع والشعور به تم تبني مبدأ "العمل اللائق" لأن التكاتف بين القطاعات المعنية، المتمثلة في الدولة وأصحاب العمل والعمال، سيدعم قيام تنمية شاملة تشمل الجميع ولا تستثني أحدا، خاصة القوي البشرية العاملة التي تشكل الزاد والملح والطاقة الضرورية لتدوير سلاسل الانتاج.

ان تحقيق هذا التوجه، يستدعي أن نضع مبدأ "العمل اللائق" كهدف أساسي في الاستراتيجية التنموية واعادة توجيه السياسات الاقتصادية لتلبية الحاجات الضرورية للمجتمع بكافة قطاعاته وشرائحه خاصة القوي المنتجة. ان احترام كل أطراف العمل، وكل حقوقهم القانونية والمهنية والتعاقدية، يمثل وقفة قانونية بلمسة حضارية وأخلاقية.. وهذا بدوره سيقود الي مجتمع أخلاقي متحضر يسود فيه القانون وتسود فيه مصلحة الجميع وتطغي كلمة الجميع... ولندعم منظمة العمل الدولية وكل المنظمات الاقليمية التي تبنت هذا المبدأ السامي، مبدأ "العمل اللائق"، الذي يليق بنا.