منظمة التجارة العالمية والصراع الدائر حول الإغراق التجاري

الدكتور عبد القادر ورسمه غالب

من ضمن الأهداف الرئيسية التي قامت منظمة التجارة العالمية من أجلها، هدف العمل على تنشيط ودعم التجارة العالمية في ظل تنافس تجاري سليم و "شريف" من أجل تحقيق العدالة لجميع الأطراف سواء دول التصدير أو الاستيراد على أن يكون على رأس القائمة وفي جميع الأحوال المستهلك والحفاظ على حقوقه وحمايته عبر توفير الميكانيكية اللازمة للمنافسة التجارية السليمة والعادلة. 

ولتحقيق هذا الهدف النبيل قامت منظمة التجارة العالمية بإصدار تعليمات وأنظمة محددة لمكافحة الإغراق التجاري الذي يعمل على هدم المنافسة التجارية السليمة. وبالرغم من أن منظمة التجارة العالمية أصدرت الأحكام المتعلقة بمراقبة الإغراق التجاري منذ مدة طويلة إلا أن الواقع المعاش يدل على وجود مشكلات حقيقية في معالجة موضوع "الإغراق التجاري" وكيفية التعامل معه للوصول إلى النتائج المرجوة لدفع التجارة العالمية. 

وهذا الوضع غير المريح ينجم بسبب التباين الكبير في المواقف وتباعدها فيما بين الدول خاصة الدول الغنية من جهة وغيرها من الدول الأخرى التي تعرف بدول العالم الثالث أو "الاقتصاديات الناشئة" من الجهة الأخرى.

هذا التباين في المواقف بشأن الإغراق التجاري وكيفية التعامل معه أصبح واضحا خاصة في خلال الاجتماعات الأخيرة للمنظمة، مما أدى إلى ظهور مجموعة غير رسمية أطلقت على نفسها اسم "أصدقاء مفاوضات الإغراق". وهذه المجموعة تنادي بضرورة إعادة النظر في الاتفاقية الحالية السارية لتنظيم الإغراق التجاري بهدف تشديد أحكامها حتى يتم التصدي بحزم لكل ما هو (علي حسب وجهة نظر مجموعة أصدقاء مفاوضات الإغراق) يعتبر إساءة استخدام أو كيفية استعمال وتطبيق التدابير المتعلقة بمكافحة الإغراق التجاري (أنتي ديمبينق).

من الملاحظ أن مجموعة الدول التي أطلقت علي نفسها "أصدقاء مفاوضات الإغراق" ليست كلها من دول العالم الثالث أو الفقيرة بل تضم من بينها دولا صناعية عظمي. وهذه القائمة تضم اليابان، سويسرا، الصين، البرازيل، كوريا، تايبيه، هونج كونج، شيلي، كولمبيا، كوستاريكا، المكسيك، النرويج، سنغافورة، تايلند، تركيا، وباب الانضمام مفتوح لبقية الدول الأعضاء. وهذا الوضع بين مواقف الدول يبين لنا مدي الخلاف العالمي فيما يتعلق بشأن الإغراق التجاري وكيفية التعامل معه.

قامت مجموعة أصدقاء مفاوضات الإغراق التجاري بطرح العديد من المقترحات لتشديد الضوابط المتعلقة بإجراءات التحقيق الخاصة بالإغراق التجاري وذلك بهدف جعلها صعبة خاصة بالنسبة لتلك الحكومات التي ربما تلجأ أو ترغب في إساءة استخدام الرسوم التعويضية . وكذلك هناك مقترحات حول إجراء تغييرات على اتفاقية مكافحة الإغراق من أجل إمكانية الإلغاء التلقائي لرسوم مكافحة الإغراق كل عشرة سنوات بعد تاريخ فرضها، وهناك أيضا مقترحات تنادي بإلزام سلطات التحقيق بأخذ آراء الصناعيين والموردين للصناعة المحلية إضافة للهيئات المختصة ومنظمات المجتمع المدني الخاصة بحماية حقوق المستهلك. وهناك اقتراحات بالنظر في الممارسات المتعلقة بنظام طريقة حساب رسوم الإغراق لأن البعض يري أنها غير قانونية أو مخالفة للقانون، وهذا أمر خطير. كذلك هناك اقتراحات بوضع تدابير محددة ضد محاولات التحايل على رسوم مكافحة الإغراق وضرورة العمل على إنشاء نظام جديد للاستعراض الدوري لسياسات وممارسات الدول المتعلقة بمكافحة الإغراق التجاري بصورة تجعلها مشابهة لاستعراضات السياسات التجارية للدول الأعضاء.

ومن الجدير بالذكر أن دول مجموعة "أصدقاء مفاوضات الإغراق" تصر بشدة على ضرورة وضع فترة زمنية محددة لرفع رسوم مكافحة الإغراق. وفي هذا الخصوص تقول اليابان إن المصلحة العامة، للتجارة الدولية، تحتم ضرورة التخلص من رسوم مكافحة الإغراق بعد فترة زمنية محددة. وترى البرازيل أن وضع حد أقصى لمدة عشر سنوات علي رسوم مكافحة الإغراق يعتبر خطوة جيدة لكنها ليست بالقدر الكافي وقد يكون من الأفضل وضع مهلة زمنية أقصر.

اعترضت الولايات المتحدة من جانبها، ومعها من الدول من يدور في دائرتها، بشدة على المقترحات التي تنادي بإجراء تغييرات جوهرية في اتفاقية مكافحة الإغراق وخاصة في ما يتعلق بالمطلب الخاص بإنهاء رسوم مكافحة الإغراق بعد عشر سنوات. وفي نظر الولايات المتحدة، ومن معها، فإن الأحكام المتوفرة في الاتفاقية فعالة في مواجهة الإغراق التجاري ومحاربته للدرجة الكافية في الوقت الحاضر، ولذا ليس هناك مبرر للتعديل.

مما تقدم فإن تباين المواقف واضح بين العديد من الدول فيما يتعلق باتفاقية مكافحة الإغراق التجاري وكيفية التعامل معها. وهذا التباين، في الغالب، يعود للمصالح الخاصة بهذه الدول وكيفية نظرتها للأمور من الوجهة التي ترى فيها مصلحتها ومصلحة شركاتها ومنتجاتها وصناعتها الوطنية وما تقوم به من "لوبي" قوي... والكل بالطبع يبحث عن مصلحته الخاصة دون النظرة العامة المحايدة المجردة.

وفقا للاتفاقية السارية فإن الإغراق يحدث إذا قامت شركة بتصدير منتج بسعر أدنى من سعر بيعه في سوق البلد المصدر أو أقل من سعر تكلفة إنتاجه، وألا يكون البلد المستورد منتجا لهذه السلعة وحتى إذا كان البلد منتجا لها فعليه أن يثبت أن وارداته الأجنبية من هذا المنتج تضر أو تهدد بإلحاق الضرر بمنتج مماثل مصنوع محليا. إذا حدث مثل هذا الوضع فإن ما تم يعتبر "إغراقا تجاريا" وفق الأحكام الواردة في اتفاقية منظمة التجارة العالمية.

ولكن هل هذه الممارسة تشكل منافسة تجارية غير مشروعة؟ وهنا للإجابة على هذا التساؤل يحدث الخلاف في الآراء والتباين في الأفكار بين الدول، وهذا يعود بصفة أساسية إلى أن اتفاقية منظمة التجارة الدولية الخاصة بمكافحة الإغراق لا تنص على أحكام فنية صارمة وواضحة حول الإغراق، وما كنه هذا الإغراق؟ وما حدوده الفاصلة؟

 ما يؤخذ على اتفاقية مكافحة الإغراق التي أصدرتها منظمة التجارة العالمية أنها تنحصر فقط بصفة أساسية في الأحكام المتعلقة بحق الحكومات في فرض رسوم الإغراق عندما يوجد ضرر حقيقي ومادي للصناعة المحلية. ولكن هذه الاتفاقية، كما تم ذكره، لا تعطي كل التفاصيل الفنية الشاملة لكيفية التعامل مع هذه الأحكام الخاصة بحقوق الحكومات في فرض رسوم الإغراق. وفي ظل هذا الفراغ من الطبيعي أن تحدث الخلافات.

ومن هنا، أي من هذا الوضع تبرز المعضلة في كيفية التطبيق لأحكام الاتفاقية التي تعض عليها منظمة التجارة العالمية بالنواجذ وعليه تتمسك بتلابيبها بعض الدول المستفيدة من المعطيات والنتائج الحالية. وهذا الوضع النشاز المستمر بين الشد والجذب لعدة سنوات من دون شك يحتاج لوقفة مواجهة صريحة مع ضرورة النظرة المنطقية من الجميع مع التجرد التام من الأنانية الذاتية، خاصة إذا كانت هناك رغبة حقيقية لدعم التجارة العالمية وفق الأسس السليمة العادلة للجميع بين دول الشمال والجنوب.

وفيما يتعلق بالتجارة العالمية، وأخواتها، فعلينا أن نعمل بجد وبكل إخلاص من أجل الوصول الجماعي لاتفاقيات دولية عادلة وذلك حتي نضمن تحقيق العدالة والأمن والسلام للجميع في عالمنا المتضارب المتأزم أصلا ...