منطمة التجارة العالمية والعقوبات الأحادية

. عبد القادر ورسمه غالب

فرض العقوبات الاقتصادية علي الدول والمؤسسات يقع ضمن اختصاص منظمة الأمم المتحدة التي يمنحها "ميثاق الأمم المتحدة" الحق في فرض العقوبات الاقتصادية عبر قرارات يصدرها مجلس الأمن استنادا علي الحالات والصلاحيات المحددة في الميثاق وبعد المداولات الكافية ودراسة الحالة التي تستدعي اتخاذ العقوبات. والغرض الرئيسي من منح هذه السلطات لمنظمة الأمم المتحدة، هو العمل علي استتباب الأمن في ربوع العالم ويتم اتخاذ العقوبات الاقتصادية كجزاء عقابي ضد الدول والمؤسسات التي تهدد الأمن والسلم العالميين. ونعتقد أن وجود هذه الوسيلة العقابية في يد منظمة الأمم المتحدة أمر هام لكبح جماح من يهدد سلامة العالم. و"العصا لمن عصي" وتسبب في اخلال الأمن العالمي بأي وسيلة.

الرئيس الأمريكي هاري ترومان، اثر قيام الحرب الصينية الكورية، أعلن حالة الطوارئ الوطنية وأصدر قرارا بإنشاء "مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية" والمعروف اختصارا ب "أوفاك". ولقد تم تكليف "اوفاك" بفرض عقوبات وتجميد الأصول الصينية الكورية التي تقع داخل منظومة الاختصاص الأمريكي وذلك كعقاب لهاتين الدولتين لتهديدهما لسلامة وأمن أمريكا. ومنذ ذلك الوقت ظل هذا المكتب يقوم بهذا الدور وتم فرض العقوبات علي العديد من الدول، ومنها ما حدث أخيرا لروسيا بعد تدخلها في القرم بأوكرانيا. وبالنسبة لفرض العقوبات علي روسيا فقد فشلت أمريكا في اقناع دول الوحدة الأوربية، بالرغم من العلاقة الحميمة بينهما، في الانضمام لها في فرض العقوبات وذلك نظرا للمصالح التجارية المتشعبة بين روسيا والاتحاد الأوربي خاصة بالنسبة للغاز الروسي الذي تحتاج له أوربا وما ينفقه عشرات الآلاف من السياح الروس في أروبا والأرباح الناتجة من مبيعات نقل التكنولوجيا... ولقد قال الاتحاد الأوربي لأمريكا أنه سيدرس الحالة ويقرر فيها من وجهة النظر الأوربية وليس كما تريد أمريكا. ومن هذا التباين في المواقف يتضح أن المصالح الأمريكية ليس بالضرورة تتماشي مع مصالح الآخرين حتي الحلفاء منهم، ولذا أمريكا مضت وحدها وفرضت العقوبات علي روسيا... وأمريكا في حالات عديدة تفرض عقوبات أحادية وبعد ذلك تلجأ للأمم المتحدة وللحلفاء للوقوف معها، وهذا فيه تجاوز للأمم المتحدة.

ومن الجدير بالذكر أن روسيا هددت أمريكا بأن ما قامت به من فرض العقوبات علي المصارف والشركات وبعض الشخصيات الروسية غير مشروع وغير قانوني ويخالف قوانين منظمة التجارة الدولية التي ظلت أمريكا تركض خلفها وتتمسك بمبادئها صباح مساء. وبالفعل تقدمت روسيا بمذكرة لمنظمة التجارة العالمية توضع فيها مخالفة الاجراءات الأمريكية ضد مؤسساتها لأنظمة ولوائح منظمة التجارة العالمية. وهذا الموقف الروسي الحاسم، اضافة لإجراءات روسية أخري، أدي الي حدوث بعض التغيير في مسار الاجراءات والعقوبات التي كانت امريكا في الطريق لتطبيقها علي روسيا، ولا يفل الحديد الا الحديد. ومن المعلوم، ووفق أنظمة منظمة التجارة العالمية فان التجارة العالمية يجب أن تكون حرة بين الدول بدون أي مؤثرات وخالية مما يعيق المنافسة التجارية الشريفة وضرورة المعاملة بالمثل بل ضرورة المعاملة التفضيلية في بعض الحالات... وكل هذه المبادئ المتفق عليها عالميا في أروقة منظمة التجارة العالمية تقف ضد العقوبات الأمريكية الأحادية.

والآن أمريكا "ترمب" تضع يدها مع روسيا "بوتين" وهناك اجراءات وتلميحات عديدة لرفع العقوبات عن روسيا. وهذا يدلل علي أن هذه السياسات غير عميقة وليس لها سند مادي قوي، مما يجعلها تتغير بتغير الشخصيات ومن هو علي كرسي الحكم في أمريكا. وبكل أسف نقول، اذا جاز هذا، ان العداوة الأمريكية الروسية الآن في انحسار وكنا نتطلع لنري رد منظمة التجارة العالمية علي الشكوى الروسية أو نري أحكام وسوابق قضائية ربما كانت ستشكل تاريخ في مسار العلاقات التجارية والعدالة الدولية والعقوبات الأحادية.

ان كل الدول والشركات والمؤسسات، التي صدر ضدها قرار العقوبات الأمريكي الأحادي، يجوز لها الاستفادة من الموقف الروسي الذي يؤسس أن قرار العقوبات الأمريكي الأحادي مخالف لأحكام منظمة التجارة العالمية ... الابن الشرعي لأمريكا، منذ قيام المنظمة حتي الآن. وبالاطلاع علي الأحكام العامة والتفصيلية لمنظمة التجارة العالمية التي أشرنا لها أعلاه نري أن القرار الأمريكي يخالفها تماما ويسير في الاتجاه المعاكس لها، ومن هذا يجوز اللجوء لمنظمة التجارة العالمية وفق الاجراءات القضائية والعدلية الخاصة بها، او عبر المحاكم القضائية المختصة، وذلك من أجل نقض أو ابطال القرار الأمريكي الأحادي بفرض العقوبات الاقتصادية.

من الناحية القانونية فان قرارات مكتب "أوفاك" يمكن الوقوف ضدها، عبر عدة مراحل، يمكن أن تبدأ من تقديم استئناف أو شكوي لوزير الخزانة الأمريكية بصفته الوزير الذي يتبع له مكتب "أوفاك"، وقرار وزير الخزانة اذا كان غير مقبول يمكن الوقوف ضده بالكتابة للرئيس الأمريكي بصفته قمة الجهاز التنفيذي في أمريكا. وبعد استنفاذ كل المراحل الادارية التنفيذية، دون الحصول علي القرارات الادارية المقبولة، يجوز اللجوء للسلطة القضائية صاحبة الفصل القضائي في الأمر من جميع جوانيه. والسلطة القضائية في أمريكا مستقلة تماما وتنظر من المنظور القضائي تحقيقا للعدالة وسيادة القانون. وكما ذكرنا أعلاه هناك مؤشرات ايجابية عديدة تبين أن قرارات العقوبات يمكن ابطالها بواسطة المحاكم، ونتمنى أن يقوم أي بلد أو أية جهة اخري ممن صدرت قرارات العقوبات ضدهم برفع الأمر للمحاكم الأمريكية ضد قرارات "أوفاك". ونتمنى هذا لنري موقف المحاكم من الناحية القانونية، وهناك احتمال كبير جدا في أن يرتد سيف العدالة علي مكتب "أوفاك" والقائمين علي أمره حتي لو افترضنا أن الحكومة الأمريكية ستلجأ للحصانة لحمايتهم وحماية "اوفاك" وحماية نفسها. والعديد من القانونيين الأمريكان يقولون أن قرارات أوفاك يمكن دحضها من النواحي القانونية.

واذا رجعنا للأسابيع السابقة وتابعنا الصراع الدائر بين الرئيس الأمريكي الجديد، قمة السلطة التنفيذية في أمريكا، والقضاء الأمريكي نلاحظ أن القضاء الأمريكي أصدر قراراته القوية ضد الأوامر التنفيذية التي أصدرها "ترمب" في أيامه الأولي بمنع سفر وهجرة مواطني بعض الدول لأمريكا. وهذا الموقف القضائي يستند الي الدستور والقانون الأمريكي ومبادئ حقوق الانسان، لأن القرارات التنفيذية التي أصدرها الرئيس الأمريكي مخالفة لهم. وقالت النائب العام أن قرار "ترمب" مخالف للقانون والأعراف الأمريكية ولكنه وبمنتهي الحماقة عزلها من موقعها بدون احترام لرأيها الذي هو القانون بعينه. والوضع الذي حدث من النائب العام الأمريكي والمحاكم الأمريكية بالنسبة لأوامر "ترمب" التنفيذية بشأن سفر وهجرة مواطني بعض الدول لأمريكا، في نظرنا، يشبه قرارات العقوبات الصادرة من مكتب "أوفاك" والتي تستمر حتي الآن  لأن أحد لم يرفعها للقضاء الأمريكي للفصل النهائي فيها...

د