السمات العامة لنظام تسوية المنازعات بمنظمة التجارة العالمية

د. عبد القادر ورسمه غالب

نظام تسوية المنازعات الخاص بمنظمة التجارة العالمية لم يأت من فراغ وهو ليس نظامًا جديدًا بل ظل مستمرًا منذ قيام الجات. إطلاقًا لم ينظر إلى اتفاقية الجات كمنظمة دولية للتجارة، لذا فان أي خلاف يخفق الأطراف في حله من خلال التشاور تضمنت اتفاقية الجات النص على شرطين يتعلقان بتسوية المنازعات. حيث يتم التعامل مع النزاع بواسطة الأطراف العاملة وتتكون هذه الأطراف العاملة من ممثلين من كافة الأطراف المعنية، تضم أطراف النزاع، وتتخذ القرارات على أساس الاتفاق الجماعي. في البداية كان النزاع يعرض على ما يسمى «هيئة خبراء» تضم ثلاثة إلى خمسة من الخبراء المستقلين من الأطراف المتعاقدة باتفاقية الجات على ألا يكونوا أطرافًا في النزاع.

تقدم الهيئة تقريرها لمجلس اتفاقية الجات، المكون من كافة الأطراف المتعاقدة، ويجب عليها أخذ الموافقة بالإجماع على توصيات الهيئة قبل أن تصير ملزمة على أطراف النزاع. بدأت إجراءات تسوية المنازعات في تطور على مدار السنين بشكل عملي ومنظم وألحقت بها قرارات واتفاقيات تتعلق بتسوية المنازعات التي تم تبنيها بواسط الأطراف المتعاقدة. في عام 1983 تم تأسيس مكتب قانوني بالجات، لمساعدة هيئة الخبراء وفي كثير من الأحيان تقديم التدريب القانوني في صياغة تقرير الهيئة. ونتيجة لذلك تحسنت جودة التقارير، وزادت ثقة الأطراف المتعاقدة في نظام تسوية المنازعات حيث بدأت هيئات التحقيق في استعمال القواعد المعتادة في تفسير القانون والمعاهدات.

تطور نظام تسوية المنازعات الخاص باتفاقية الجات تدريجيًا من نظام أساسه مفاوضات دبلوماسية إلى نظام له سمات عديدة من نظام تسوية المنازعات على أساس القوانين من خلال أحكام قضائية. وبالرغم من أن تسوية المنازعات الخاصة بالجات تعتبر بشكل عام ناجحة في الحل الكامل أو الجزئي وبشكل مرضي للأطراف، لكن النزاعات أصبحت أكثر حدة منذ التسعينيات. وهنا ظهرت بعض النواقص في النظام تتمثل في أن بعض القرارات ومنها قرار تأسيس هيئة التحقيقات، وقرار تبني تقرير الهيئة، وقرار تأجيل الامتيازات كان يجب أن يقررها مجلس الجات بالإجماع. وأصبح في إمكان الطرف المدعى عليه تأخير أو تعليق أي من هذه القرارات وبالتالي يشل أو يبطل عملية نظام تسوية النزاعات. إضافة لذلك، اعتبرت الأطراف المتعاقدة أن عملية تسوية المنازعات غير قادرة على التعامل مع الكثير من المنازعات الحساسة ذات البعد السياسي لذلك سعت بعض الأطراف المتعاقدة، و بشكل خاص الولايات المتحدة، إلى القيام بتصرفات من جانب واحد ضد الإجراءات التي اعتبروها خرقًا لقانون اتفاقية الجات.

تحسين نظام الجات لتسوية المنازعات كان في طليعة أجندة مفاوضات جولة أوروجواي. حيث نص الإعلان في مفاوضات جولة أوروجواي على تأكيد تسوية المنازعات بشكل سريع فعال لمصلحة الأطراف المتعاقدة وأن تسعى المفاوضات لتحسين وتقوية القواعد والإجراءات في عملية التسوية، وشملت المفاوضات الترتيبات الكافية للتوقع ومراقبة الإجراءات التي تسهل الامتثال للتوصيات. وتمكنت المفاوضات من الوصول لاتفاق على مجموعة من التحسينات على نظام اتفاقية الجات لتسوية المنازعات. أكثر الأفكار الجديدة أهمية في نظام اتفاقية الجات لتسوية المنازعات تخص نقطة التبني شبه التلقائي لطلبات التفويض لتأجيل التنازلات، ونقطة إطار الوقت الضيق لمختلف المراحل في عملية المنازعات، وكذلك نقطة إمكانية مراجعة الاستئناف لتقارير الهيئة. والنقطة الأخيرة مرتبطة بشكل كبير بالتبني الشبه تلقائي لتقارير الهيئة وهذا يعكس اهتمام الأعضاء لضمان الجودة العالية للتقارير المقدمة من الهيئة.

الاستفادة من نظام منظمة التجارة العالمية لتسوية المنازعات استمر وظل لفترة طويلة يعتبر من أكثر وأفضل أنظمة تسوية المنازعات العالمية في نتائجه، والدليل على ذلك أنه تم عرض الكثير من المنازعات أمام نظام منظمة التجارة العالمية. وفي أكثر المنازعات التي تم عرضها وفق نظام تسوية المنازعات لمنظمة التجارة العالمية، تمكنت الأطراف من الوصول لحل مرضي للطرفين من خلال التشاور أو تم حل النزاع بشكل آخر بدون اللجوء للتحكيم والقضاء كما حدث في منازعات أخرى.

إن نظام منظمة التجارة العالمية لتسوية المنازعات يمثل في نظرنا عنصرًا فاعلاً للتكهن بمستقبل نظام عالمي للتجارة متعدد الأطراف، ويؤكد أن أعضاء الاتفاقية من طرفي النزاع، المتماشي مع الاتفاقية، قد اعترفوا صراحة بأن التسوية «السريعة للمنازعات بموجب الاتفاقيات المعنية» أمر ضروري للعمل الفعال لمنظمة التجارة العالمية. وكل هذا ينسجم تماما مع نظام منظمة التجارة العالمية لتسوية المنازعات الذي يهدف للوصول «لتسوية مرضية» للمنازعات التي تطرأ طبقا للحقوق والالتزامات التي أسستها الاتفاقية المعنية… هناك تطورات تتضمن إجراءات أخرى سنفرد لها مقالاً لاحقًا للأهمية.