مسلمو الصين.. هل يكونون شركاء في النهضة؟

عبد الله أبا الخيل

مسلمو الصين.. هل يكونون شركاء في النهضة؟
الرياض/ عبد الله أبا الخيل

تاريخ المسلمين في الصين قديم قدم الإسلام؛ إذ تشير المصادر إلى أن الإسلام دخل الصين رسميا عام 29هـ، ومنذ ذلك الحين قامت للمسلمين عدة دول فيما يسمى الصين حالياً أو تركستان الشرقية والغربية.

ولا توجد أرقام واضحة لعدد المسلمين في الصين حيث تصرح الحكومة الصينية أن عدد المسلمين لا يتجاوز (24) مليون مسلم، بينما أقل الإحصاءات الأخرى تشير إلى أن عدد المسلمين في الصين لا يقل عن (50) مليوناً قبل (10) سنوات، وإحصاءات أخرى تشير إلى أن عدد المسلمين يتجاوز مائة مليون نسمة.

وينحدر المسلمون الصينيون من قوميتين رئيستين:

التركستانيون، ويرجعون إلى العرق التركي ومعظمهم من الإويغور، وموطنهم الأصلي تركستان الغربية (أذربجيان – تركستان- تركمانستان.

والمسلمون الصينيون؛ إذ يعتنق الإسلام أكثر من عشر عرقيات من أصل (56) عرقية تتوزع في الصين، منها تونجان كانسو ونينغ سيا، ويقيم أكثرهم في تركستان الشرقية (سينكيانغ) وإقليم شانج يانج.

المسلمون والصراع مع الشيوعية

عانى المسلمون في الصين من اضطهادات بالغة البشاعة من النظام الشيوعي القائم، وخصوصاً في عهد مؤسس الصين الشيوعية (ماو تسي تونغ) 1949م، مورست ضدهم جميع أنواع الاضطهاد والتهجير، قام المسلمون على إثرها بثورات ضد الحكم الشيوعي استمرت هذه الحملات من عام 1949م إلى عام 1976م، كانت البداية بثورة الجنرال حسين مايو فان عام 1949م، مروراً بثورة التبت وثورة الجوعى، وانتهاء بثورة الجنرال عمر باتور في تركستان الشرقية.

الجمعيات الإسلامية في الصين

أنشأ المسلمون في الصين وتركستان العديد من الجمعيات الإسلامية قبل الثورة الشيوعية، منها:

جمعية التقدم الإسلامي، وأنشأها أعيان المسلمين برئاسة الشيخ عبد الرحمن وانغ هاويان في مدينة بكين سنة 1911م،

الجمعية الإسلامية الصينية، وقد أُنشئت في مدينة شنغهاي سنة 1923م، أنشأها الأستاذ الإمام هلال الدين هاتي جنغ وزملاؤه.

جمعية نقابة المسلمين، وأنشأها الجنرال مافو سيانغ وبعض زملائه، في بكين سنة 1927م.

جمعية الاتحاد الإسلامية، أُنشئت في تين تسين.

جمعية شبان الشعب الإسلامي الصيني، وتم إنشاؤها سنة 1933م في بكين.

لجنة الترقية لأبناء المسلمين، وقد أنشأها عدد من المسلمين، منهم: الأستاذ ووتي كونغ سنة: 1933م في نانكينغ.

جمعية الهداية الإسلامية الصينية، وقد أُنشئت في تاي يون.

الجمعية الاتحادية الإسلامية، أُنشئت سنة 1938م وكان رئيسها: الجنرال عمر باي تشونغ، وزير الدفاع الصيني حينذاك، وكان هدفها مقاومة العدوان الياباني وتوثيق العلاقات مع الدول الإسلامية.

وقد أُلغيت هذه الجمعيات، وأسست الحكومة الشيوعية عام 1953 م، جمعية حكومية واحدة تحت مسمى (الجمعية الإسلامية الصينية) ولها (460) فرعاً في أنحاء الصين، وينظر كثير من المسلمين إلى هذه الجمعية نظرة شك وريبة، كونها جمعية حكومية، ويرى بعض المسلمين أن الغرض من إنشائها، إحكام الحزب السيطرة الكاملة على جميع أنواع النشاطات الإسلامية، بحيث لا يزاول المسلمون في عباداتهم وعاداتهم، وفي منازلهم ومساجدهم ومناسباتهم، إلا ما تأذن به الدولة، مما لا يعارض سياستها المرسومة.

وضع المسلمين الحالي في الصين

المتأمل في الوضع الحالي للمسلمين في الصين، يجد أن الحكومة الصينية تفرق بين المسلمين الصينيين الذي ينتشرون في أنحاء الصين، وبين المسلمين ذوي الأصول التركساتنية (الإويغور) الذي يقيمون في تركستان الشرقية، حيث تتاح للمسلمين الصينيين بعض الحريات في الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية التي ستُذكر لاحقاُ.

أما المسلمون في إقليم تركستان الشرقية (سينكيانغ) فلا يزالون يعانون من اضطهاد الحكومات الصينية، حيث يُمنعون من تدريس أولادهم العلوم الشرعية علانية، ويلجأ المسلمون إلى كهوف تحت الأرض لتعليم أولادهم العلوم الشرعية، ويكون مصير الأستاذ القتل أو السجن الطويل على أقل تقدير في حال القبض عليه.

ولا يكاد يوجد في تركستان أي جمعية خيرية أو معهد إسلامي، كما أن الحكومة الصينية تحاول دائماً منع التركستانيين من مغادرة البلاد أو إعطائهم جوازات سفر، وتقوم الحكومة بما يُسمّى توطين الصينيين في داخل تركستان، وذلك عن طريق جلب ما لا يقل عن (20- 30) أسرة سنوياً من الأسر التي لا تعود أصولها إلى تركستان- ويكونون من غير المسلمين- إلى تركستان وبناء مستوطنات لهم وتوظيفهم وتوطينهم بشكل كامل، وتهدف الحكومة من هذا التوطين إقامة توازن بين عدد المسلمين وغيرهم في هذا الإقليم ذي الأغلبية المسلمة.

ويعود سبب هذا التفريق بين المسلمين الصينيين (الخوي) والمسلمين التركستانيين (الإويغور) إلى أن تركستان هي في الأصل امبراطورية مسلمة احتلتها القوات الصينية، ولا يزال مسلموها يطالبون بالإنفصال، ويشير بعض المراقبين إلى الأهمية الإستراتجية التي تتمتع بها تركستان بحكم موقعها وكثرة ثرواتها، ومنها إنتاجها من النفط الذي لا يقل عن إنتاج دول الخليج النفطية، كما أن مساحتها تتجاوز (1,8) مليون كلم.

أوضاع المسلمين بعد عهد (ماو) في بقية الصين

يحس بعض المسلمين الصينين بتحسن الأوضاع بعد وفاة الزعيم الصيني (ماو) ذي القبضة الحديدية، ويمكن تلخيص أبرز المكاسب التي تحققت للمسلمين بعد موته في النقاط التالية:

سُمح رسمياً بالاعتقاد الديني.

أُعيد فتح المساجد وترميم بعضها على نفقة المسلمين.

استؤنف التعليم في المساجد لأبناء المسلمين.

سُمح لهم بالاحتفال بالأعياد؛ إذ يُمنح كل موظف مسلم إجازة في الأعياد، واستؤنفت بعثات الحج.

تمكن المسلمون من إعادة جسور اتصالهم بإخوانهم في الأقطار الإسلامية عن طريق تبادل الزيارات وحضور بعض الندوات والمؤتمرات.

استطاع الشباب المسلم الصيني أن يسافر إلى بعض البلدان الإسلامية، للدراسة في المعاهد والجامعات الإسلامية، بعد انقطاع طويل، وهذا يعدّ من أحسن الفرص التي أُتيحت لأبناء المسلمين.

المشاركة في بعض الوظائف الحكومية-وإن كان جلّها من الوظائف الصغيرة أو الخدمية.

أُعيد فتح مطاعم المسلمين في كل المقاطعات والمدن.

أُتيحت الفرصة-غير الرسمية-للشباب المسلم في الصين أن يقوموا بنشاطات دعوية، وإن كانت محدودة.

أبرز المشكلات التي تواجه المسلمين في الصين

يعدّ التنصير من أبرز المشكلات التي تواجه المسلمين في الصين، ويعمل المنصرون الغربيون على تنصير المسلمين بشكل مكثف عبر طرق عديدة، منها: الإذاعات الموجهة لهم من هونج كونج، وفرنسا، وبريطانيا، وأمريكا، كما تقوم الجمعيات التنصيرية بتكثيف بناء الكنائس، فقد وصلت عدد الكنائس في الصين إلى (30) ألف كنيسة، أما المساجد فهي (50) ألف مسجد، رغم الفرق الهائل بين عدد المسلمين الصينيين والنصارى، وتقوم الكنائس بالتنصير عن طريق الدعم المادي، وتوزيع المكآفات على من يدخل الكنائس، كما توزع الكنائس كتباً باللغات المحلية توضح فيها أوجه الاتفاق بين الإسلام والنصرانية للدخول إلى قلوب العامة من المسلمين.

ويشير بعض المسلمين إلى أن الحكومة الصينية بدأت تلتفت إلى حركات التنصير المكثفة واعتقلت بعض القسس.

غياب الهوية الإسلامية للبارزين من المسلمين

رغم وجود العديد من المسلمين الذين يتولون مناصب مهمة في الدولة، ووجود بعضهم في وظائف التدريس في التخصصات العلمية، إلا أنه لا يوجد لكثير منهم أي مظهر من مظاهر الإسلام أو العمل الإسلامي.

غياب القيادات الإسلامية

ففي ظل القمع الذي تم في عهد (ماو)، فقَد المسلمون العديد من قياداتهم السياسية والدينية التي قُتل بعضها وسُجن البعض الآخر، كما أن تغييب الهوية الإسلامية في نفوس الأطفال، وإيقاف التعلم الديني للمسلمين ساهم في غياب القيادات الإسلامية الشابة.

دعوات التشيّع

وتنشط الدعوات إلى التشيّع في المناطق ذات الأكثرية المسلمة في الصين، وذلك بدعم من الحكومة الإيرانية التي تقوم بابتعاث مئات الطلاب سنوياً إلى إيران لتدريسهم العلوم الشرعية على المذهب الشيعي، ويشير أحد المسلمين إلى أنه تلقى دعوة من السفارة الإيرانية في الصين، للدراسة في إيران، ووصل العرض إلى توفير سكن خاص بالطالب داخل إيران وتوفير سيارة خاصة وزوجة يختارها من إيران.

ويمكن لأي صيني الحصول على بعثة للدراسة في إيران عن طريق تقديم طلب لدى السفارة الإيرانية، إذ يأتي الرد دائماً بالموافقة والدعم.

الفقر النسبي

ويلاحظ الزائر للصين وجود أكثرية من المسلمين الصينيين تحت خط الفقر، وذلك يرجع لاشتغال أكثرهم بالزراعة والرعي وصيد الأسماك، وعزوفهم عن التعليم العام والتخصصات العلمية.

الإعلام الإسلامي في الصين

رغم كثرة عدد المسلمين في الصين إلا أنه لا توجد لديهم أي صحيفة يومية أو إذاعة فضائية، ولا يوجد للمسلمين في الصين سوى بعض المجلات الإسلامية التي تصدر بشكل شهري، وتُعد مجلة أخبار المسلمين (مسلم بونشونغ) أشهر المجلات الإسلامية، وتوزع نحو مليوني نسخة شهرياً، كما توجد بعض المجلات الشهرية مثل: مجلة الفتح، ومجلة المسلمين في قانصوه.

متطلبات للنهوض بشأن المسلمين في الصين

تشير الأستاذة سعاد الوحيدي، مديرة مركز الدراسات والأبحاث الشرقية في جامعة السوربون في فرنسا، إلى عدة متطلبات للنهوض بالمسلمين في الصين، ومنها:

1-منح دراسية للطلاب الصينيين تمثل فيها مناطق المسلمين بالصين وتغطي مختلف التخصصات الإسلامية المطلوبة للمسلمين الصينيين. وتوزع على الجامعات الإسلامية.

2- وضع خطة دراسة مبنية على احتياجات المسلمين في الصين مع إدخال مناهج التعليم المهني لتأهيل الطلاب لخدمة المجتمع الصيني في مجال الدعوة خصوصاً بعد ضعف البوذية والديانات الوثنية الأخرى.

3- القيام بمسح شامل للمساجد في الصين، وذلك بهدف إعمارها وتلبية احتياجات المسلمين.

4- القيام باستطلاع الاحتياجات في هذا المجال، وذلك بالاتصال بالمنظمات أو الهيئات الإسلامية في الصين، والتخطيط لإقامة مشروع لنشر وطبع الكتب الإسلامية محلياً مع ضرورة الأخذ في الاعتبار اللغة المحلية في حركة ترجمة الكتب الإسلامية، و استغلال العلاقات الطيبة بين حكومة الصين والدول الإسلامية لدعم المسلمين في الصين.

5- تنظيم قطاع الدعوة وتغذيته بالدعاة مع ملاحظة إشراك المسلمين الصينيين الذين حصلوا على جانب وفير من العلوم والثقافة الإسلامية، ووضع خطة إستراتيجية للمستقبل البعيد، وذلك بإعداد دعاة من الصين مع دقة الاختيار لهؤلاء.

6- إنشاء مؤسسات إغاثة إسلامية ومؤسسات تحويل تعاونية إسلامية تبين معاني التآلف والتعاضد والمسؤولية المشتركة والجسد الواحد.

7- إنشاء مدارس إسلامية وتوحيد مناهج المدارس السابقة ونشر مراكز تحفيظ القرآن الكريم في جميع مقاطعات الصين.

8- العمل على إنشاء كلية للدراسات الإسلامية ووضع خطط كفيلة بتطويرها إلى جامعة بمختلف التخصصات، وفتح فروع لها في المناطق الإسلامية.

9- إنشاء دور نشر إسلامية باللغة الصينية تراعي اللهجات المحلية تقوم بطباعة الكتب الشرعية بعد ترجمتها.
10- إنشاء محطة إذاعية إسلامية موجهة إلى المسلمين في الصين باللغات التي يستعملونها على غرار الإذاعات التنصيرية، ويوضع لها البرامج والدورات الإذاعية بشكل مدروس يتولى إعداده هيئة متخصصة من الخبراء والدعاة ويجري التركيز على تعليم مبادئ الإسلام، والتركيز على مفاهيم الأخوة الإسلامية، وربطهم بأخبار إخوانهم المسلمين في العا