تداول السلطة

رفيق يونس المصري

تداول السلطة

 

السلطة في بلداننا استئثار واحتكار، وهي سلطة مؤبدة، لا بأبد الحاكم فحسب، بل بأبده هو وأولاده وأحفاده ... وإذا ادعى الحاكم غير ذلك فلا تصدقوه. فما قاله من قريب أحد الرؤساء : لن أعيد ترشيح نفسي في عام 2014م هو من باب لعبة الزمن، فالزمن قد يلعب لصالحه ولو بتأجيل دقيقة واحدة!

 

يأتي الحاكم إلينا بانقلاب عسكري أو بتوريث من أبيه، أو بانتخابات مزورة، ثم يطيب له المقام في الرئاسة هو وزوجته وأولاده وأقاربه ومحاسيبه، لاسيما بعد الاستيلاء على جميع الأنشطة السياسية والإدارية والاقتصادية المهمة! نعم يطيب له المقام، ويتلذذ بالسلطة ترغيبًا وترهيبًا، يمنح ويمنع، ويضرب ويقمع، ويحسب أن سلطانه أخلده! نعم لا يخرج من سلطته إلا بأن يُقتلع منها بثورة أو انتفاضة أو انقلاب، بل قد يستعان بالأعداء على اقتلاعه!

 

لماذا لا يحترم نفسه، ويتداول السلطة مع الآخرين؟ لماذا يعتقد أنه هو وحده المؤهل وكل من عداه غير مؤهلين؟ لماذا يعزز سلطته بعائلة أو قبيلة أو حزب أو مجموعة، بالداخل أو بالخارج، ويقدم التنازلات تلو التنازلات، والمهم عنده ألا يأتي غيره ليحل محله، مهما كان الثمن!

 

لماذا لا يغادر السلطة بعد انتهاء ولايته مكرمًا ومعززًا؟ لماذا يأبى إلا أن يغادرها على قفاه، ذليلاً مهانًا؟ لماذا لا يخرج من السلطة متماسكًا متئدًا؟ لماذا يخرج منها مطرودًا ملعونًا؟

 

كم هي التكلفة باهظة عندنا للخروج من السلطة؟ إن الحاكم يكبر ويشيخ، ويبلغ السبعين بل الثمانين بل التسعين، ويمشي على العكاز، ويحمل على كرسي المقعدين، ويتعاطى المنشطات والأدوية لكي يمسك نفسه، ويتمالك جسمه، ولكي يستطيع أن يصعد سلم الطائرة، ولكي يقف ويلقي خطابًا، ويحرص كل الحرص على أن الرئاسة إذا خرجت منه فلا يجب أن تخرج عن أولاده وأسرته إلى أبد الآبدين! ويستميت من أجل ذلك، ويدفع هو والشعب الثمن غاليًا، فلا هو يخرج كريمًا، ولا الشعب يستطيع أن يخرجه إلا بثمن باهظ : المظاهرات، الإضرابات، إغلاق المحلات، فقدان الأغذية والأدوية، منع التجول، السرقات، الانفلات الأمني، هرب اللصوص من السجون، الموتى، الجرحى، الخراب، الدمار، الحريق ...

 

لماذا كل هذا؟ لماذا يستطيع حكامنا أن يظلموا، ولا يستطيعون أن يعدلوا؟ الظلم سهل والعدل صعب؟ أم ماذا؟ هل يستطيعون فعلاً الحكم والإدارة، أم لا يزيد دورهم على اقتسام المغانم والثروات والمناصب؟ لماذا لا يقللون من سلطاتهم وثرواتهم ويوزعونها على شعوبهم؟ لماذا تكون الفوائض لهم والديون على الشعوب؟ لماذا لا يحاربون الرشوة والفساد؟ لماذا يحمون الراشين والمرتشين؟ لماذا لا يحاربون الربا والقمار؟ لماذا يفسدون التعليم والصحة والقضاء؟ أكل ذلك من أجل أن يبقوا في السلطة ويستأثروا بثرواتها؟ هل الحكم فرصة ومطية للإثراء الفاحش والنهب المنظم؟

 

لا بد من أن يوطن الحكام أنفسهم على تداول السلطة والثروة، كي لا تكون الثروة والسلطة دُولة بينهم وبين زوجاتهم وخليلاتهم وعوائلهم وأقاربهم! لا بد من أن يوطنوا أنفسهم على الخروج من السطة بكرامة وطيب نفس، كي لا يهينوا أنفسهم بعد ذلك، ويهينوا معهم شعوبهم، وتسقط بلدانهم إلى الحضيض!

 

جدة في 11/2/1432هـ

        15/1/2011م

                                                                     رفيق يونس المصري