الاستهلاك أيضا يمكن ان يكون سلاح مقاومة

الموضوع: سلاح للمقاومة

الاستهلاك أيضا يمكن ان يكون سلاح مقاومة… د. أسامة قاضي

عزيزي المستهلك.. عندما تغار لدينك، وتحاول أن تقاطع منتجات من يتربصون عداء لإخوانك في غزة، فحاول أن تكمل دورك،
واحرص أن تكون كل المنتجات التي تستهلكها مصنعة في دول العالم الإسلامي، عندها فقط تجبر أعداءك على احترامك، والتفكير
ألف مرة قبل الهجوم، وفي نفس الوقت تنقذ أمتك الإسلامية من براثن الفقر، وتساهم بنفسك في النهوض الاقتصادي لأمتك
الإسلامية.

ولكن، هل أجد في المنتجات التي تصنعها دول العالم الإسلامي كل ما احتاجه؟ ولو وجدت هل تكون بنفس جودة منتجات غيرها من
الدول؟ أليس من المبالغة أن أقوم أنا كمستهلك عادي بخدمة قضايا أمتي وأساهم في حل مشكلاتها الاقتصادية فقط من خلال
استهلاكي لمنتجات مصنعة في دول العالم الإسلامي؟

هذه الأسئلة التي تحاول الأصوات الخانعة تكرارها، نقدم لك إجابة عليها من خلال عرض لدراسة للدكتور أسامة قاضي أستاذ
الاقتصاد بجامعة ولاية متشيجان الأمريكية، ورئيس منتدى الفكر والثقافة بالولاية.

إدمان المنتجات الغربية

الدراسة التي حملت عنوان “استهلكوا إسلاميا وصنعوا وصدروا عالميا” تميزت بأنها لم تكتف فقط بالدعوة النظرية للمضمون الذي
حمله عنوانها، لكنها قدمت البديل العملي الذي يخاطب العقل.

وبدأت بالتأكيد على أن معظم المستهلكين في العالم الإسلامي قد تعودوا نمطا استهلاكيا يقدم المنتج الغربي على غيره من المنتجات
الاستهلاكية دون الالتفات إلى ما يمكن أن ينتج عن أثار تحييد منتجات البلاد الإسلامية عن أولويات استهلاكه من مشكلات اقتصادية
فضلا عن الدور السياسي في سبيل تفعيل المقاطعة.

وتقول الدراسة إن هناك حالة من الإدمان لدى المستهلك المسلم للمنتجات الغربية على حساب البضائع المصنعة إسلاميا، وتشير إلى
أن المستهلكين يرفضون الاعتراف بذلك، ويتظاهرون بأنه لا حول لهم ولا قوة؛ وهو موقف تجسده الآية الكريمة {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ
فَأَطَاعُوهُ}.

فآلة الإعلام الغربي وأدوات تسويقه الناجحة أقنعت المستهلك في البلاد الإسلامية أنه لا مفر له ولا بديل يمكن أن يحل محل المنتجات
الغربية، ولكن الواقع يثبت أن الأمة فيها من المنتجات ما يمكن أن تغطي معظم احتياجات الأمة الاستهلاكية.

الإمارات نموذجا

وأعطت الدراسة نموذجا لما يمكن للمستهلكين في دولة كالإمارات العربية المتحدة على سبيل المثال أن يستهلكوه من ستة بلاد
إسلامية يمكن أن يغطي احتياجاتهم الاستهلاكية على أكمل وجه، دون الحاجة لمنتجات مصنعة في غير البلاد الإسلامية.

فحسب الدراسة تستورد الإمارات العربية المتحدة وسائل إلكترونية بما قيمته 308 ملايين دولار، في حين أن ماليزيا لديها إمكانية
تصدير 1.1 مليار دولار من نفس المنتج، وإندونيسيا 581 مليون دولار وتركيا بقيمة 122 مليون دولار.

وفي الوقت الذي تستورد الإمارات المطاط وإطارات السيارات بقيمة 354 مليون دولار، فإن تركيا بمفردها تصنع من نفس المنتج
بما قيمته 338 مليون دولار، وإندونيسيا 273 مليون دولار.

فلو أن المستهلك في الإمارات العربية قرر تحويل طلبه من إطار صنعته دولة غربية إلى منتج تصنعه تركيا أو إندونيسيا لفتح أسواق
جديدة أمام المنتجات التركية والإندونيسية، وخلق فرص عمل في تلك البلاد.

وبحسب الدراسة أيضا فقد استوردت الإمارات في عام واحد ما قيمته 425 مليون دولار أدوات مكتبية من دول العالم، في حين أن
ماليزيا تصدر من نفس المنتج
8.7 مليار دولار، وإندونيسيا 903 مليون دولار، مما يدل على جدارة المنتج الماليزي والإندونيسي في العالم ، فالمستهلك الإماراتي
سيفتح أسواقا جديدة أمام هذه المنتجات لو غير أولويات استهلاكه متمثلا شعار: “صنعوا واستهلكوا إسلاميا وصدروا عالميا”.

وكذلك الحال بالنسبة لوسائل الاتصالات التي تستورد الإمارات منها 981 مليون دولار، بينما ماليزيا تقوم بتصدير5.9 مليار دولار
وإندونيسيا 1.5 مليار دولار، وهو أمر ينطبق -أيضا- على استيراد المجوهرات والحلي، حيث تشكل 4.7% من واردات الإمارات
العربية بما قيمته 1.4 مليار دولار، ويمكن للمستهلك الإماراتي أن يستهلك المجوهرات التركية، والتي تصدر منها تركيا بـ 445
مليون دولار سنويا أو الماليزية، والتي تصدر منها 505 ملايين دولار أو المصرية 10 ملايين دولار.

خلق الأسواق

وانطلقت الدراسة من قاعدة اقتصادية تقول إن الدول ذات البنية التحتية الضعيفة، والتي تفتقد لمواد أولية ذات طلب عالمي قوي
كالنفط أو الغاز، لن تجدي معها الحلول الاقتصادية التقليدية، لتجيب عن سؤال اقتصادي هام هو:
هل تتمتع الدول الإسلامية كلها أو بعضها ببعض المزايا التجارية التي ترشحها للتخصص في صناعة معينة مجدية اقتصاديا؟

وفي الإجابة ذكرت الدراسة أنه بحسب تصنيف منظمة التجارة العالمية فإن هناك كثيرا من الدول الإسلامية التي يمكنها التخصص في
نوع معين من الصناعات دون غيرها إذا ما توفرت لديها السوق الاستهلاكية الكبيرة التي تجعل من تخصصها مجديا اقتصاديا،
وبالتالي خلصت الدراسة للقول بأن استغلال إمكانيات العالم الإسلامي الاقتصادية الهائلة يمكن أن يحل تلك المشكلة.

وطرحت الدراسة بعض الأمثلة منها النيجر التي يمكن أن تتخصص في الصناعات الكيميائية؛ حيث تعتبر الدولة الأولى من حيث
التخصص التجاري، وفي مجال الألبسة يمكن أن تلعب بنجلادش دورا كبيرا؛ حيث صدرت عام 2002 ما يقارب الملياري دولار
من ألبسة الرجال والصبيان والصوف، و810 ملايين دولار من الألبسة النسائية، وأكثر من مليار دولار من الألبسة المصنعة.

وفي مجال التجهيزات الإلكترونية تحتل ماليزيا المرتبة السادسة على مستوى العالم؛ حيث صدرت عام 2002 لما يقارب من 19
مليار دولار من الترانزستوراتو، و1.3 مليار دولار من التجهيزات الإلكترونية.

وبالنسبة لصناعة النسيج فقد صنفت باكستان على أنها الأولى في العالم من حيث أهليتها للتخصص في هذا المجال؛ حيث صدرت في
عام واحد ما قيمته 972 مليون دولار خيوط نسيجية و1.2 مليار دولار أقمشة قطنية و447 مليون دولار نسيج صوفي، كما احتلت
أوزبكستان الترتيب الرابع، وتركيا الترتيب الخامس؛ حيث صدرت الأخيرة 663 مليون دولار نسيج صوف للرجال.

وهم منظمة التجارة

وفي ردها على رؤية البعض بأن حلول أزمات الأمة الإسلامية تكمن فقط في الانفتاح على العالم، وتقبل إساءاته غير المقصودة أو
الفردية في بعض الأحيان، والانخراط أكثر في ركب المنظمات العالمية، وسرعة انضمام باقي الدول الإسلامية إلى منظمة التجارة
العالمية، أشارت الدراسة إلى أن مستوى دخل الفرد في دول منظمة المؤتمر الإسلامي الـ57 لم يطرأ عليه أي تحسن بعد انضمام
معظم دولها إلى منظمة التجارة العالمية.

وأوضحت أنه رغم انضمام معظم دول العالم الإسلامي إلى منظمة التجارة العالمية إلا أن حصة الدول الإسلامية من الصادرات لم
ترتفع، بل على العكس انخفض مجموع الصادرات من 549 مليار دولار عام 2000 إلى 512 مليار دولار في عام2002، وأن
عشر دول إسلامية أربعة منها ليست أعضاء في المنظمة هي ماليزيا والسعودية وإندونيسيا والإمارات العربية المتحدة وتركيا وإيران
والجزائر والكويت ونيجيريا والعراق وعمان، تصدر وحدها ما قيمته 403.1 مليار دولار أي 79% من حجم صادرات العالم
الإسلامي.

وخلصت الدراسة من هذه الأرقام إلى أن الانضمام لمنظمة التجارة العالمية لم يؤثر في حجم تجارة العالم الإسلامي بشكل جوهري،
كما أنه لم يعد على الدول الإسلامية بالفائدة من حيث ضخ مزيد من الاستثمارات الأجنبية في المنطقة، فلم يحظ العالم الإسلامي
سوى بـ16 مليار دولار كاستثمارات أجنبية من أصل 651 مليار دولار حجم الاستثمارات الأجنبية في العالم، وأن ست دول إسلامية
فقط هي التي استطاعت أن تجتذب أكثر من مليار دولار لأراضيها بما فيها الدول النفطية، بل إن دولة كالإمارات العربية المتحدة لم
تجذب سوى 95 مليون دولار عام 2002؛ حيث سبقتها موزمبيق وساحل العاج ومالي التي استضافت على أراضيها أكثر من 100
مليون دولار من الاستثمارات الأجنبية.

وانتهت الدراسة إلى القول بأن المدخل لصناعة رأي عام إسلامي، يحترم عالميا، وكذلك حل الأزمات الاقتصادية والتجارية الخانقة
في العالم الإسلامي، لا يكون بالانضمام لمنظمة التجارة العالمية وحسب، بل بإجراء تغيير جوهري في فلسفة ثقافة الاستهلاك في
دول العالم الإسلامي بشكل أساسي، بحيث يتم تقديم السلعة المصنعة في الدول الإسلامية قبل شراء سلعة مصنعة في الغرب، هذا
إضافة إلى رفع مستوى الحريات والسماح للجسد الإسلامي تنفس رياح الديمقراطية من أجل أن تساهم كل الطاقات بشكل فعال في
النظام الاقتصادي.

--
Syrian Bird