موقف الإسلام من التأمين وعقود التأمين خارج ديار الإسلام

د. محمد عبد الحليم عمر

الجزء الأول: موقف الإسلام من التأمين | الجزء الثاني: عقود التأمين خارج ديار الإسلام | الخاتمـــــة |
أولاً: التأصيل الإسلامي للتأمين:
التأمين وسيلة للوصول إلى غاية وهي تحقيق الأمن، ويرتكز على ادخار جزء من المال لمواجهة الحوادث والحاجات المستقبلية، سواء تم ذلك على المستوى الشخص الفردي أو تم على المستوى الجماعي، ووفق هذا التصور يمكن أن نؤصل للتأمين إسلامياً على الوجه التالي:
أ – الأمن نعمة إلهية، وحاجة إنسانية:
1- أما كونه نعمة إلهية فيظهر في أن الله سبحانه وتعالى امتن بالأمن على عباده ومن المعروف أنه لا يمتن إلا بالنعم، ويستدل على ذلك بقوله تعالى: ?فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَءَامَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ? كما كان الأمن أحد مطلبين في دعاء سيدنا إبراهيم لأهله ولمكة في قوله تعالى:
?وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا ءَامِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ? والدعاء لله يكون بطلب الخير والنعم.
2- وأما كونه حاجة إنسانية، فإن علماء الاقتصاد بناء على الدراسات الإنسانية توصلوا إلى أن الهدف من الاقتصاد هو إشباع الحاجات الإنسانية بالموارد المتاحة، وأنهم قسموا هذه الحاجات إلى نوعين هما: النوع الأول: الحاجات الفسيولوجية (الجسمية) والتي يأتي الطعام على قمتها ثم الشراب والمسكن والملبس، والنوع الثاني: الحاجات السيكولوجية (النفسية) ويأتي على قمتها الحاجة إلى الأمن ثم الانتماء والتقدير، وبدون إشباع هذه الحاجات بنوعيها لا يمكن للإنسان أن يعيش، وهذا ما سبق به القرآن الكريم الذي ذكر في أكثر من موضوع هذه الحاجات مثلما سبق ذكره في البند السابق وفي آيات أخرى منها قوله تعالى:
?وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ?.
ب- التأمين مطلب إسلامي:
إذا كان الأمن بهذه الأهمية في الإسلام فإن طلبه مشروع، وهذا الطلب يكون عن طريق التأمين، وهو في المجال الاقتصادي والمالي يتم بادخار جزء من المال في حالة السعة لمواجهة حالات الحاجة والعوز التي يمكن أن تقع بانقطاع مصدر الدخل أو لمواجهة زيادة المتطلبات الاقتصادية أو لاستبدال مال هلك، وهذا ما يؤكد عليه الإسلام في مصادره الأصلية فكل الآيات القرآنية العديدة التي تناولت إنفاق المال طالبت بإنفاق بعض المال وليس كله مما يعنى ضرورة ادخار جزء منه كما في قوله تعالى: ?وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ? ومن للتبعيض أي المطلوب إنفاق بعض الرزق أو الدخل وادخار الباقي لمواجهة الحاجات المستقبلية، وهذا ما تؤكده الأحاديث النبوية الشريفة صراحة مثل الحديث الجامع لأركان الاقتصاد الثلاثة (الكسب – الإنفاق – الادخار)، والذى رواه ابن النجار عن عائشة رضي الله عنها في قول الرسول «رحم الله امرءاً اكتسب طيباً وأنفق قصداً وقدم فضلاً ليوم فقره وحاجته». والفضل ما فاض من الدخل أو الكسب بعد الإنفاق.
وأيضاً حديث رسول الله الذى قال فيه لسعد ابن أبى وقاص حينما أراد أن يتصدق بماله فقال له الرسول «إنك إن تدع وارثك غنياً خيرٌ من أن تدعه فقيراً يتكفف الناس». فهذا توجيه للاحتياط مالياً بالادخار للمستقبل وعدم إنفاق كل المال وهو بالضبط مغزى التأمين.
جـ- التعاون على التأمين قيمة إسلامية:
حيث يقول الله سبحانه وتعالى: ? وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى? والبر هو كل ما فيه خير، وخير الناس أنفعهم للناس، ومن أبواب النفع مدّ يد العون لمن أصابه ضرر في نفسه أو ماله خاصة وأنه قد تطرأ على الإنسان حاجة في مستقبل الأيام لا تكفى مدخراته الشخصية عن مواجهتها وهنا يأتي التعاون بين الناس بتجميع مدخراتهم معاً وتعويض من يتعرض منهم لخطر يصيبه في ماله من هذه المدخرات.
وهكذا نجد أن فكرة التأمين لتحقيق الأمن وكونها تتم جماعياً تتفق مع أصول الإسلام وأحكامه وتوجيهاته وهذا ما لا يخالف فيه أحد، ولكن يبقي التساؤل حول أساليب التنفيذ للتأمين، فإذا كانت الغاية وهي الأمن مشروعة وأن تحقيقها بالادخار والتعاون مطلوب شرعاً، فهل الوصول إلى هذه الغاية بالممارسة العملية التى يتم بها التأمين من خلال الشركات القائمة تتفق مع أحكام وقيم الإسلام؟ هذا ما سنتعرف عليه في الفقرة التالية.
ثانياً: الموقف الفقهي من أساليب تنفيذ وتطبيق التأمين:
أ – موجز الآراء الفقهية حول التأمين بشكل عام: وهذه الآراء بدأت منذ ظهور عمليات التأمين في العالم الإسلامي في بداية القرن العشرين وحتى الربع الأخير منه، وبالنظر إلى الممارسة التأمينية من خلال شركات التأمين التجاري حيث ظهرت ثلاثة اتجاهات فقهية هي:
1- الاتجاه الأول: يرى حرمة وعدم جواز التأمين مطلقاً سواء بالنظر إلى عقد التأمين لاشتماله على الغرر ولأنه عقد ضمان فاسد، أو بالنظر إلى الخطر المؤمن ضده لأن فيه تحدٍّ للقدر، أو بالنظر إلى الممارسة من خلال شركة التأمين التى تستولى على أموال الناس بدون وجه حق واستثمار أموال التأمين بالفائدة الربوية المحرمة.
2- الاتجاه الثاني: ويرى جواز التأمين لأنه كنظام فيه تعاون والتعاون مأمور به شرعاً، وأنه عقد يشبه عقد المولاه الجائز شرعاً، أو أنه من العقود المستحدثة التى لا تخالف نصاً شرعياً.
3- الاتجاه الثالث: ويرى جواز التأمين على الممتلكات والأشياء والمسئولية وتحريم التأمين على الحياة بحجة أن فيه تحدِّ للقدر.
ب – ما انتهى إليه الموقف الفقهي حالياً: لقد حدثت متغيرات في الفكر والتطبيق بدءاً من عام 1979م أدت إلى تطور الموقف الفقهي حيال التأمين، فعلى المستوى الفكري زادت الدراسات العلمية فقهية وغيرها حول التأمين، وعلى المستوى التطبيقي أنشئت العديد من شركات التأمين الإسلامية ومارست عملها بنجاح، وكان من جراء ذلك أن أصبح الموقف الفقهي من التأمين الآن يتلخص في الآتي:
1- الاتفاق على جواز أنواع التأمينات المختلفة الثلاثة (تأمينات الحياة أو الأشخاص – تأمينات الممتلكات أو الأشياء - تأمينات المسئولية) لأنها جميعاً تقوم على تعويض مالي لخطر متوقع يصيب الإنسان في ماله بانقطاع دخله في حالة التوقف عن العمل للعجز أو الوفاة وانقطاع دخل من كان يعولهم به أو للإنفاق على علاجه في حالة المرض وذلك بالنسبة لتأمينات الحياة، أو لتعويضه عن ماله الذي فقد بحريق أو سرقة في التأمين على الممتلكات، أو لمساعدته في دفع ما هو مسئول عنه من ضرر يصيب الغير في حالة التأمين على المسئولية.
2- من حيث الممارسة، أو المزاولة، فإن الرأي الفقهي أجاز التأمين التكافلي سواء البسيط في صورة اتفاق مجموعة على دفع حصص لتعويض من يصيبه ضرر منهم في ماله أو دخله، أو على دفع اشتراكات دورية يعهد بإدارتها إلى مجلس أمناء منهم في صورة صندوق تكافل مملوك لهم، وكذا أجاز الفقهاء وطبق فعلاً نظام التأمين التكافلي المركب من خلال إنشاء شركة تأمين مساهمة إسلامية تقوم على ما يلي:
• تكوين الشركة من المساهمين الذين يقدمون رأس المال ويعهد بإدارتها إلى إدارة فنية متخصصة.
• تنظيم العلاقة بين الشركة وبين المستأمنين بتحصيل اشتراكات منهم على أن يتبرعوا بجزء من هذه الاشتراكات وتكوين محفظة من مجموع الاشتراكات التى تكون ملكاً لهم، وتقوم الشركة بإدارة عمليات التأمين من تحصيل الاشتراكات ودفع التعويضات لمن يقع عليه ضرر وذلك مقابل أجر محدد (وكالة بأجر لإدارة عمليات التأمين) ثم تستثمر المال المحصل من الاشتراكات وعائد الاستثمار يوزع بين الشركة بصفتها مضارباً وبين المستأمنين بصفتهم أرباب أموال بنسبة ما دفعه كل منهم، أما الفائض التأميني والذي يمثل الفرق بين مجموع الاشتراكات المحصلة وبين التعويضات المدفوعة والاحتياطيات الفنية المحتجزة، فيوزع على المستأمنين بنسبة إجمالي ما دفعه كل منهم من اشتراكات، هذا بالإضافة إلى التزام الشركة باستثمار الأموال بالصيغ الشرعية وبعيداً عن الاستثمارات الربوية.
• أما التأمين التجاري الذي تمارسه شركة مساهمة والذي تحصل فيه على الفائض التأميني وعلى عائد استثمار أموال التأمينات فالرأي الراجح فقهاً للعديد من الفقهاء المعاصرين والمجامع الفقهية هو حرمة هذا النوع من التأمين للآتي:
- فساد العقد بين الشركة والمستأمنين لأن أحد البدلين فيه وهو التزامات الشركة إن كان الأمن، فإن الأمن شيء مجرد لا يجوز إفراده بعقد ولا يتحقق بحراسة فعليه تبذل الشركة في سبيلها تكاليف، وإن كان عقد معاوضة بين الشركة ومجموع المستأمنين فإن التزامات الشركة غير محددة على وجه الدقة وبالتالي يدخل فيه الغرر والجهالة، والغرر منهى عنه شرعاً، وإن قال البعض بأنه عقد تبرع لا معاوضة فإنه أولاً: لا يذكر هذا في العقد، وثانياً: التبرع للشركة ليس مقصوداً، ولا يقال أن عقد التأمين في شركات التأمين الإسلامية عقد تبرع وهذا يقاس عليه، فالتبرع في شركة التأمين الإسلامية للمستأمنين مع بعضهم وليس للمساهمين في صورة الشركة.
- أن العملية فيها أكل أموال الناس بالباطل المنهي عنه شرعاً، لأن الشركة تستولى على الفائض التأمينى لحساب المساهمين وعلى عائد استثمار أموال التأمينات ، بينما في شركة التأمين الإسلامية فإن هذا الفائض وعائد الاستثمار لأصحاب الأموال وهم المستأمنون والشركة تستحق أجراً على إدارة عمليات التأمين، وحصة في الربح مقابل عملها في استثمار أموال التأمين.
- إن جزءاً كبيراً من استثمارات شركات التأمين التجارية تتم عن طريق الإقراض والإيداع في البنوك والتعامل في السندات وكلها تغل فائدة ربوية محرمة.
إن الموضوع الوارد في ورقة المجمع تطلب بيان الموقف من عقود التأمين خارج ديار الإسلام في ظل عموم الحاجة إليها وعدد أنواعاً من التأمين المذكورة في مقدمة هذا البحث، وبناء على ذلك وعلى ما ورد في الجزء الأول نتناول الموضوع على الوجه التالي:
أولاً: حددت ورقة العمل للمؤتمر أنواع التأمين المطلوب بيان حكمها، ويحتاج الأمر إلى توضيح مفاده أن هذه الأنواع الواردة في الورقة فيها تداخل، فكما قلنا في الجزء الأول إن أنواع التأمينات بشكل عام وحسب المتفق عليه فكراً وتطبيقاً ثلاثة أنواع رئيسية هي:
• تأمينات الأشخاص: وتقضي بتحصيل الشركة اشتراكات دورية من المستأمنين على أن تتعهد بدفع تعويض للمستأمن في إحدى الحالات التالية:
- عند بلوغه سناً معيناً وبقائه على قيد الحياة.
- إذا توفى يدفع التعويض لورثته أو المستفيدين المحددين في عقد التأمين.
- أن تدفع له تكاليف علاجه من الأمراض التي تصيبه.
- وفي حالات أخرى يتم التأمين لمدة معينة فإذا انتهت أو مات المستأمن من خلالها لا تدفع الشركة شيئاً .
• وتأمينات الممتلكات: أيًّا كان نوعها، مباني، بضائع، وسائل نقل، بحيث تدفع للمستأمن تعويضاً إذا وقع خطر أضاع هذه الممتلكات أو جزءاً منها بالحريق أو السرقة أو الغرق أو غير ذلك من صور الضياع.
• تأمينات المسئولية، وتكون بدفع الشركة بدل المستأمنين للغير ما يصيبه من أضرار يثبت مسئولية المستأمن عنها قانوناً، وهي ما يعبر عنها فقهاً بتحمله تبعه الهلاك المتسبب فيه، وقانوناً بالمسئولية القانونية.
وفي ضوء ذلك نرى أن الأنواع التي ذكرت في الورقة تنتظم في الآتي:
1- التأمين الطبي، إن كان يقصد به تعهد الشركة بتحمل تكاليف علاج المستأمنين فهو يدخل في تأمينات الأشخاص، وإن كان يقصد به تأمين الطبيب ضد ما يحدث من تقصير أو إهمال منه يتسبب عنه موت المريض الذي يعالجه أو إصابته بعاهة أو ضرر في جسمه نتيجة المعالجة فهو يدخل في تأمين المسئولية القانونية.
2- التأمين على السيارات: إذا كان ما يعرف بالتأمين الإجباري الذي يطبق في جميع الدول لتعويض الغير عن الإضرار التي تصيبه نتيجة حوادث السيارات المملوكة للمستأمنين، فهو يدخل في تأمين المسئولية القانونية، وإن كان تأميناً تكميلياً أو ما يسمى بالتأمين الشامل على السيارات والذي يقضي بجانب دفع شركة التأمين التعويض لمن أضير في حادث السيارة، التزامها أيضاً بدفع تعويض لصاحب السيارة عن ما أصابها من تلفيات، فهذا يدخل في تأمين الممتلكات.
3- التأمين على المنشآت التعليمية الواردة في ورقة المجمع، إن كان على ممتلكات المنشأة من مباني وأثاث فهو يدخل في تأمين الممتلكات، وإن كان تأميناً على الطلاب أو العاملين بها لما قد يصيبهم أثناء تواجدهم في المنشأة التعليمية أو أثناء استخدامهم سياراتها فإنه يدخل في تأمين المسئولية.
ولقد سبق القول إن الاجتهاد الفقهي المعاصر يجيز أنواع التأمينات بحسب نوع الخطر المؤمن ضده (تأمينات أشخاص – ممتلكات – مسئولية) أما محل الخلاف فهو المزاولة أو الممارسة التأمينية بواسطة شركات التأمين التجاري كما سبق ذكره.
ثانياً: تجدر الإشارة إلى أن شركات التأمين التجاري في الدول الغربية وفي بعض البلاد الإسلامية بدأت تأخذ ببعض أساليب التأمين التي تتبعها شركات التأمين الإسلامية وعلى الأخص ما يلي:
أ – إصدار وثائق أو بوالص تأمين تسمى «بوليصة التأمين مع المشاركة في الأرباح» وتقضى بأن تدفع الشركة للمستأمن إضافة إلى التعويض في حالة وقوع الخطر المؤمن ضده نصيباً في الأرباح الفعلية التي تحققها الشركة نتيجة استثمار أموال التأمينات.
ب – إصدار وثائق تقتضى برد الشركة الأقساط التي حصلتها من المستأمنين إذا لم يحصل على تعويض في نهاية مدة التأمين.
والأمر بهذا الشكل يتلافى نقدين من ثلاثة توجه إلى التأمين التجاري ويبقى فقط النقد الخاص باستثمار الشركة بعض أموال التأمين في الإقراض والإيداع بفوائد ربوية، مما يعنى تضييق شقة الخلاف، وهذا التوجه من شركات التأمين التجاري وإن لم يتم على نطاق واسع الآن إلا أنه يدل على صلاحية ما انتهى إليه الاجتهاد الفقهي المعاصر وما تقوم عليه شركات التأمين الإسلامية، وصلة ذلك بموضوعنا أنه يمكن للمسلمين المقيمين في البلاد غير الإسلامية البحث عن الشركات التي تتعامل بهذا الأسلوب والتأمين لديها.
ثالثاً: بالرغم من إنشاء شركات تأمين إسلامية في بعض البلاد الإسلامية، فإنه توجد وبشكل أكبر شركات تأمين تجارية تمارس عملها في جميع البلاد الإسلامية ويؤمن لديها بعض المسلمين استناداً إلى ما يلي:
أ – التزاماً بالقوانين التي تجبر المواطنين على التأمين في بعض الحالات مثل: التأمين الإجباري على السيارات وتأمين المسئولية خاصة للمقاولين، وكذا التأمين البحري.
ب – أو إتباعاً لفتاوى صادرة من بعض الفقهاء وجهات الفتوى.
جـ- أو أخذاً بقاعدة الحاجة العامة التي لا سبيل إلى تداركها إلا بالتأمين التجاري نظراً لأهمية التأمين في الحياة الاقتصادية وعدم وجود البديل المتاح خاصة في المناطق أو البلاد التي لا يوجد فيها شركات تأمين إسلامية.
وهذا الأمر يمكن الاسترشاد به في بيان حكم التأمين للمسلمين المقيمين في البلاد غير الإسلامية فالحاجة عندهم أقوى من مسلمي الداخل.
رابعاً: إن عملية إعادة التأمين التي تقوم فيها شركات التأمين بدفع جزء من أقساط التأمين المستحقة لها لدى المستأمنين إلى شركة تأمين أخرى (تسمى شركة إعادة التأمين) مقابل التزام الأخيرة بتحمل جزء من المخاطر التي تلتزم بها الشركة الأولى، هذه العملية أصبحت ضرورية في الصناعة التأمينية ولا يمكن لأي شركة تأمين أن لا تقوم بها كما أنها ملتزمة قانوناً بإعادة التأمين، وحينما قامت شركات التأمين الإسلامية كان لابد لها من إعادة التأمين ، ونظراً لعدم وجود شركات إعادة تأمين إسلامية فلقد أجاز الاجتهاد الفقهي المعاصر لها أن تقوم بإعادة التأمين لدي شركات إعادة التأمين التجاري – وهو ما يتم فعلاً – واستدل الاجتهاد في ذلك بأن الحاجة تدعو إلى إعادة التأمين، وأن الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة. وإذا كان الاجتهاد الفقهي المعاصر أجاز ذلك للحاجة العامة وأن شركات التأمين الإسلامية رغم تأكيدها على الالتزام بالشرعية تقوم بإعادة التأمين لدى شركات إعادة التأمين التجارية والتى توجد في الأغلب على المستوى العالمى في الدول غير الإسلامية، وأن حاجة المسلمين المقيمين خارج ديار الإسلام أقوى وأشد، لذلك يمكن الاسترشاد بهذه المسألة في تيسير الفتوى لهم في ضوء ضوابط الحاجة وهو مع ما ذكرناه سابقاً يمثل الأساس للخاتمة التى نورد مشروع قرار مقترح حول هذه الموضوع.
في ضوء كل ما سبق نرى ما يلي:
أولاً: أن الأمن نعمة إلهية وحاجة إنسانية، وبالتالي فإن الوسائل التي تحقق ذلك مطلوبة شرعاً.
ثانياً: التأمين من حيث هو عملية ادخار جزء من الدخل أو الثروة لمواجهة حالات العسر والخطر في المستقبل أمر مطلوب شرعاً.
ثالثاً: التعاون على التأمين قيمة إسلامية يلزم العمل على نشرها والتمسك بها.
رابعاً: أن التأمين لمواجهة جميع أنواع الأخطار ممثلة في التأمينات الشخصية وتأمينات الممتلكات وتأمينات المسئولية جائز شرعاً.
خامساً: إن ممارسة التأمين عن طريق التعاون والتكافل كما يجرى في شركات التأمين الإسلامية القائمة من الأمور المتفق عليها شرعاً ويلزم العمل على شيوع انتشارها في كل البلاد الإسلامية خاصة أنها أثبتت نجاحاً باهراً وعملت على تجسيد الأحكام الشرعية في الواقع المعاصر.
سادساً: إن ممارسة التأمين التجاري فيه شبهات شرعية عديدة منها الغرر وأكل أموال الناس بالباطل والربا، وإن توجه بعض شركات التأمين التجاري نحو الأخذ بأسلوب التأمين مع المشاركة في الأرباح، والتأمين مع استرداد الأقساط يمثل تطوراً يقلل من عدم مشروعية عمل هذه الشركات وننادى بالتوسع في ذلك والتخلص من المعاملات الربوية في استثمارها لأموال التأمين لما في ذلك من مراعاة لأحكام الشريعة الإسلامية فضلاً عن ما تشتمل عليه هذه الممارسات الشرعية من توسيع نطاق التأمين لما فيه مصلحة الناس والمجتمع.
سابعاً: إن خصوصية حالة المسلمين المقيمين خارج ديار الإسلام سواء في ضرورة التزامهم بقوانين الدول التي يقيمون فيها، أو الحاجة العامة إلى التأمين، تقضى من باب التسيير ورفع الحرج الذي أمر به الإسلام، القول بجواز تأمينهم لدى شركات التأمين الموجودة في هذه البلاد، وعلى أن يعملوا وغيرهم في المستقبل على الآتي:
أ – التوجه نحو شركات التأمين التى تصدر وثائق التأمين مع المشاركة في الأرباح وكذا وثائق التأمين الاستردادية.
ب- العمل قدر الإمكان على إنشاء شركات تأمين إسلامية في تجمعاتهم.
جـ- على شركات التأمين الإسلامية القائمة في بعض الدول الإسلامية العمل على أن تنشئ فروعاً لها في تجمعات المسلمين المقيمين في الدول غير الإسلامية، وهذا ممكن في ظل اتفاقية الخدمات المالية التي تعتبر إحدى اتفاقيات الجات والتي تسمح لأي منشأة مالية (بنك – شركة التأمين) أن تقدم خدماتها في أي مكان في العالم، وهذا ما نراه الآن في قدوم بعض شركات التأمين من أمريكا وأوروبا وبإنشاء فروع لها في بعض الدول الإسلامية.
د – بما أن الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة، فإنه يلزم على المسلمين المقيمين خارج ديار الإسلام وتقضى ظروف إقامتهم التأمين في شركات التأمين التجارية في البلاد التي يقيمون بها أن يقتصروا في التأمين على الحالات التي يلزمهم القانون بذلك.
والله تعالى أعلم ومنه التوفيق والسداد
د. محمد عبد الحليم عمر // عن مجمع فقهاء الشريعة بامريكا