قرار المجامع الفقهية والهيئات العلمية حول التأمين وإعادة التأمين

القرار

بعد أن تابع المجمع العروض المقدمة من العلماء المشاركين في الدورة حول موضوع (التأمينcars on a highway وإعادة التأمين)، وبعد أن ناقش الدراسات المقدمة، وبعد تعمق البحث في سائر صوره وأنواعه، والمبادئ التي يقوم عليها والغايات التي يهدف إليها.

وبعد النظر فيما صدر عن المجامع الفقهية والهيئات العلمية بهذا الشأن قرر ما يلي:

أولاً : أن عقد التأمين التجاري ذي القسط الثابت الذي تتعامل به شركات التأمين التجاري عقد فيه غرر كبير مفسد للعقد، ولذا فهو حرام شرعا.

ثانياً : أن العقد البديل الذي يحترم أصول التعامل الإسلامي هو عقد التأمين التعاوني القائم على أساس التبرع والتعاون, وكذلك الحال بالنسبة لإعادة التأمين القائم أساس التأمين التعاوني.

ثالثاً : دعوة الدول الإسلامية للعمل على إقامة مؤسسات التأمين التعاوني وكذلك مؤسسات تعاونية لإعادة التأمين ، حتى يتحرر الاقتصاد الإسلامي من الاستغلال ومن مخالفة النظام الذي يرضاه الله لهذه الأمة.

والله أعلم

مجمع الفقه الإسلامي الدولي, القرار رقم 9(9\2)

سنة 1406هـ = 1985م

 

تحريم التأمين التجاري لتضمنه مخالفات عديدة
والرد على أدلة المبيحين

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه..

وبعد

فإن مجمع الفقه الإسلامي في دورته الأولى المنعقدة في 10شعبان 1398هـ بمكة المكرمة بمقر الرابطة العالم الإسلامي للنظر في موضوع التأمين بأنواعه المختلفة بعد ما اطلع على كثير مما كتبه العلماء في ذلك وبعد ما اطلع أيضاً على ما قرره مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في دورته العاشرة بمدينة الرياض بتاريخ 4/4/1397هـ بقراره رقم (55) من التحريم للتأمين التجاري بأنواعه.

وبعد الدراسة الوافية وتداول الرأي في ذلك قرر مجلس المجمع الفقهي باٌلإجماع عدا فضيلة الشيخ مصطفى الزرقا تحريم التأمين التجاري بأنواعه سواء كان على النفس أو البضائع التجارية أوغير ذلك للأدلة الآتية:

أولاً : (عقد التأمين التجاري ) من عقود المعاوضات المالية الاحتمالية المشتملة على الغرر الفاحش . لأن المستأمن لا يستطيع أن يعرف وقت العقد مقدار ما يعطى أو يأخذ، فقد يدفع قسطا أو قسطين ثم تقع الكارثة فيستحق ما التزم به المؤمن، وقد لا تقع الكارثة أصلا فيدفع جميع الأقساط ولا يأخذ شيئاً، وكذلك المؤمن لا يستطيع أن يحدد ما يعطى ويأخذ بالنسبة لكل عقد بمفرده وقد ورد في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن بيع الغرر.

ثانياً : (عقد التأمين ا لتجاري ) ضرب من ضروب المقامرة ونوع من المخاطرة في معاوضات مالية وفي الغرم بلا جناية أو تسبب فيها ومن الغنم بلا مقابل أو مقابل غير مكافئ فإن المستأمن قد يدفع قسطاً من التأمين ثم يقع الحادث فيغرم المؤمن كل مبلغ التأمين وقد لا يقع الخطر ومع ذلك يغنم المؤمن أقساط التأمين بلا مقابل وإذا استحكمت فيه الجهالة كان قماراً ودخل في عموم النهي عن الميسر في قوله تعالى: ? يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ? والآية التي بعدها(1).

ثالثاً : (عقد التأمين التجاري ) يشتمل على ربا الفضل والنساء فإن الشركة إذا دفعت للمستأمن أو لورثته أو للمستفيد أكثر مما دفعه من النقود لها فهو ربا فضل والمؤمن يدفع ذلك للمستأمن بعد مدة فيكون ربا نساء وإذا دفعت الشركة للمستأمن مثل ما دفعه لها يكون ربا نساء فقط وكلاهما محرم بالنص والإجماع.

رابعا ً: (عقد التأمين التجاري ) من الرهان المحرم لأن كلا منهما فيه جهالة وغرر ومقامرة ولم يبح الشرع من الرهان إلا ما فيه نصرة للإسلام وظهور لأعلامه بالحجة والسنان وقد حصر النبي صلى الله عليه وسلم رخصة الرهان بعوض في ثلاثة بقولهصلى الله عليه وسلم"لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل "وليس التأمين من ذلك ولا شبيها به فكان محرما.

(1) سورة الأعراف الآية 69

خامساً :(عقد التأمين التجاري ) فيه أخذ مال الغير بلا مقابل وأخذه بلا مقابل في عقود المعاوضات التجارية محرَّم لدخوله في عموم النهي في قوله تعالى: ? يا أيها الذين آمنوا لاتأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم ? سورة البقرة الآية233) ).

سادساً : في (عقد التأمين التجاري) الإلزام بما لا يلزم شرعاً ، فإن المؤمن لم يحدث الخطر منه ولم يتسبب في حدوثه وإنما كان منه مجرد التعاقد مع المستأمن على ضمان الخطر على تقدير وقوعه مقابل مبلغ يدفعه المستأمن له والمؤمن لم يبذل عملاً للمستأمن فكان حراماً.

وأما ما استدل به المبيحون للتأمين التجاري مطلقا أوفي بعض أنواعه فالجواب عنه ما يلي :

‌أ- الاستدلال بالاستصلاح غير صحيح فإن المصالح في الشريعة الإسلامية ثلاثة أقسام : قسم شهد الشرع باعتباره فهو حجة، وقسم سكت عنه الشرع فلم يشهد له بإلغاء ولا اعتباره فهو مصلحة مرسلة، وهذا محل اجتهاد المجتهدين ، والقسم الثالث ما شهد الشرع بإلغائه ، وعقود التأمين التجاري فيها جهالة وغرر وقمار وربا فكانت مما شهدت الشريعة بإلغائه لغلبة جانب المفسدة فيه على جانب المصلحة .

‌ب- الإباحة الأصلية لا تصلح دليلاً هنا، لأن عقود التأمين التجاري قامت الأدلة على مناقضتها لأدلة الكتاب والسنة. والعمل بالإباحة الأصلية مشروط بعدم الناقل عنها وقد وجد فبطل الاستدلال بها.

‌ج- الضرورات تبيح المحظورات، لا يصلح الاستدلال به هنا، فإن ما أباحه الله من طرق كسب الطيبات أكثر أضعافاً مضاعفة مما حرَّمه عليهم فليس هناك ضرورة معتبرة شرعا ًتلجئ إلى ما حرمته الشريعة من التأمين.

‌د- لا يصح الاستدلال بالعرف فإن العرف ليس من أدلة تشريع الأحكام، وإنما يبنى عليه في تطبيق الأحكام وفهم المراد من ألفاظ النصوص ومن عبارات الناس في أيمانهم وتداعيهم وأخبارهم وسائر ما يحتاج إلى تحديد المقصود منه من الأفعال والأقوال فلا تأثير له فيما تبين أمره وتعيَّن المقصود منه وقد دلت الأدلة دلالة واضحة على منع التأمين فلا اعتبار له معها.

هـ - الاستدلال بأن عقود التأمين التجاري من عقود المضاربة أو في معناها غير صحيح، فإن رأس المال في المضاربة لم يخرج عن ملك صاحبه وما يدفعه المستأمن يخرج بعقد التأمين من ملكه إلى ملك الشركة حسبما يقضي به نظام التأمين وأن رأس مال المضاربة يستحقه ورثة مالكه عند موته، وفي التأمين قد يستحق الورثة نظاماً مبلغ التأمين ولو لم يدفع مورثهم إلا قسطاً واحداً، وقد لا يستحقون شيئاً إذا جعل المستفيد سوى المستأمن وورثته، وإن الربح في المضاربة يكون بين الشريكين نسباً مئوية مثلاً، بخلاف التأمين فربح رأس المال وخسارته للشركة وليس للمستأمن إلا مبلغ التأمين أو مبلغ غير محدد.

و- قياس عقود التأمين على ولاء الموالاة عند من يقول به غير صحيح فإنه قياس مع الفارق ومن الفروق بينهما أن عقود التأمين هدفها الربح المادي المشوب بالغرر والقمار وفاحش الجهالة بخلاف عقد ولاء الموالاة فالقصد الأول فيه التآخي في الإسلام والتنا صر والتعاون في الشدة سائر الأحوال وما يكون من كسب مادي فالقصد إليه بالتبع.

ز- قياس عقد التأمين التجاري على موعد الملزم عند من يقول به لا يصلح ، لأنه قياس مع الفارق ومن الفروق أن الوعد بقرض أو إعارة أو تحمل خسارة مثلاً من باب المعروف المحض فكان الوفاء به واجباً أو من مكارم الأخلاق بخلاف عقود التأمين فإنها معاوضة تجارية باعثها الربح المادي فلا يغتفر فيها مايغتفر في التبرعات من الجهالة والغرر.

ح- قياس عقود التأمين التجاري على ضمان المجهول وضمان ما لم يجب قياس غير صحيح لأنه قياس مع الفارق أيضا ومن الفروق أن الضمان نوع من التبرع يقصد به الإحسان المحض بخلاف التأمين فإنه عقد معاوضة تجارية يقصد منها أولاً الكسب المادي، فإن ترتب عليه معروف فهو تابع غير مقصود إليه والأحكام يراعى فيها الأصل لا التابع ما دام تابعاً غير المقصود إليه.

ط- قياس عقود التأمين التجاري على ضمان خطر الطريق لا يصح فإنه قياس مع الفارق كما سبق في الدليل قبله.

ي- قياس عقود التأمين التجاري على نظام التقاعد غير صحيح فإنه قياس مع الفارق أيضاً لأن ما يعطى من التقاعد حق التزم به ولى الأمر باعتباره مسئولاً عن رغبته وراعى في صرفه ما قام به الموظف من خدمة الأمة ووضع له نظاماً راعى فيه أقرب الناس إلى الموظف، ونظر إلى مظنة الحاجة بهــم فليس نظام التقـاعد من باب المعاوضـــات المالية بين الدولــة وموظفيها وعلى هذا لا شبه بينه وبين التأمين الذي هو من عقود المعاوضات المالية التجارية التي يقصد بها استغلال الشركات للمستأمنين والكسب من ورائهم بطرق غير مشروعة لأن ما يعطى في حالة التعاقد يعتبر حقاً التزام به من حكومات مسئولة عن رعيتها وتصرفها لمن قام بخدمة الأمة كفاءً لمعرفه وتعاوناَ معه جزاء تعاونه ببدنه وفكره وقطع الكثير من فراغه في سبيل النهوض معاً بالأمة.

ك- قياس نظام التأمين التجاري وعقوده على نظام العاقلة لا يصلح فإنه قياس مع الفارق ومن الفروق أن الأصل في تحمل العاقلة لدية الخطأ وشبه العمد ما بينها وبين القاتل خطأ أو شبه العمد من الرحم والقرابة التي تدعو إلى النصرة والتواصل والتعاون وإسداء المعروف ولو دون مقابل وعقود التأمين تجارية استغلالية تقوم على معاوضات مالية محضة لا تمت إلى عاطفة الإحسان وبواعث المعروف بصلة.

ل- قياس عقود التأمين التجاري على عقود الحراسة غير صحيح، لأنه قياس مع الفارق أيضاً. ومن الفروق أن الأمان ليس محلاً للعقد في المسألتين وإنما محله في تأمين الأقساط ومبلغ التأمين وفي الحراسة الأجرة وعمل الحارس، أما الأمان فغاية ونتيجة و إلا لما استحق الحارس الأجرة عند ضياع المحروس.

م- قياس عقود التأمين التجاري على الإيداع لا يصح ، لأنه قياس مع الفارق أيضاً، فإن الأجرة في الإيداع عوض عن قيام الأمين بحفظ شيء في حوزته يحوطه بخلاف التأمين فإن ما يدفعه المستأمن لا يقابله عمل من المؤمن يعود إلى المستأمن بمنفعة إنما هو ضمان الأمن والطمأنينة، وشروط العوض عن الضمان لا يصح بل هو مفسد للعقد، وإن جعل مبلغ التأمين في مقابلة الأقساط كان معاوضة تجارية جهل فيها مبلغ التأمين أو زمنه فاختلف عن عقد الإيداع بأجر.

ن- قياس التأمين على ما عرف بقضية تجار البز مع الحاكة لا يصح والفرق بينهما أن المقيس عليه من التأمين التعاوني وهو تعاون محض و المقيس تأمين تجاري وهو معاوضات تجارية فلا يصح القياس.

المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي، مكة المكرمة