تأملات فقهية..حول موضوع التأمين

د. مسفر بن علي القحطاني

تأملات فقهية..حول موضوع التأمين

د• مسفر بن علي القحطاني

* أثيرت ضجة حول موضوع التأمين في الآونة الأخيرة بين مبيح ومحرم لهذا العقد واضطربت الآراء في حكمه الشرعي بعد ما ألزمت الدولة بتطبيق التأمين التعاوني الإلزامي على رخص القيادة والذي بدأ تطبيقه في 15/9/1423هـ وتعالت الأصوات بين من يشنع على المبيحين وأنهم أضاعوا الدين واتبعوا الشهوات ومن يرمي المانعين بالغلو والتشدد وتناقلت بعض الصحف ومواقع الإنترنت أخبار هذه الردود والخلافات• وكم كنا نود أن يكون لهيئاتنا العلمية صوت يعلو على كل تلك الأصوات يدعو للنظر المتجرد المبني على نصوص الشرع ومقاصده الكلية• فأحببت أن أبعث بهذا المقال إلى كل عالم أو طالب علم ليجلو لنا الموقف الصحيح أمام هذه النازلة ويزيل كل التباس وقع في نفوس كثير من الناس، ويبين حقيقة النظر الشرعي الذي ينبغي أن يسير عليه المفتي أو المجتهد في مثل تلك المسائل• ولعلي أسهم بالدعوة إلى بحث هذه المسألة والنظر فيها مرة أخرى وعدم التردد وترك الناس في الحيرة والاضطراب الذي صنعته تلك الأصوات المحرمة والردود عليها والاختلافات الضيقة التي أنتجت حرجا لكثير من المسلمين• ومن مبررات مطالبتي بإعادة النظر في بحث المسألة و علاج هذه النازلة ما يلي: 1- إن السماحة واليسر من أعظم أوصاف الشريعة كل من نظر في الشريعة الإسلامية أصولها وفروعها ظهر له وبشكل قطعي أن مبتنى أحكامها على السماحة واليسر وقد دلت على ذلك الكثير من النصوص والدلالات الشرعية من الكتاب والسنة والآثار المختلفة• ومن ذلك قولة تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185] والوجه الذي تحمل عليه هذه الآية هو عموم اللفظ في جميع أمور الدين الدينية والأخروية وهو ما ذهب إليه جماعة من المفسرين(1) وأكد المولى عز وجل المعنى الوارد في الآية السابقة، بقوله: {فإن مع العسر يسرا (5) إن مع العسر يسرا (6)} [الشرح] وقد قال صلى الله عليه وسلم في تفسيرها: (لن يغلب عسر يسرين)(2)• إن الإسلام دين الفطرة ومعلوم أن الفطرة في الجملة راجعة إلى الجبلة، وهي مضادة للشدة والعنت وتنفر منها فكان على الشريعة حتى تلائم هذا الوصف في النفوس أن تكون سهلة سمحة، وهذا هو الضمان القوي لنفوذها في الخلق• يقول الإمام الشاطبي رحمة الله: (إن الله وضع هذه الشريعة المباركة حنيفية سمحة سهلة حفظ فيها على الخلق قلوبهم وحببها لهم بذلك، فلو عملوا على خلاف السماح والسهولة لدخل عليهم فيما كلفوا ما لا تخلص به أعمالهم)(3)• وموضوع التأمين من العقود التي استجدت في عصرنا الحاضر ولا يختلف اثنان أن الغاية منه هو تفتيت الأخطار عن المشتركين فيه وأن يتحملوا مسؤولية تخفيف الأضرار عمن نزلت به الكارثة منهم وأصابه هلاك في ماله او تجارته• وهذه الغاية محمودة شرعا وحاجة الناس إليها ماسة وعظيمة، فإن كان تحقيقها من خلال عقد معاوضة يحصل فيها المؤمن على قسط ثابت من المال في مقابل تحمله كل الأضرار التي تقع على المومن كان هذا العقد ممنوعا• (4) أما اذا كان العقد يقصد به التبرع والتعاون بين المؤمنين فهذا جائز بناء على رأي كثير من الهيئات الشرعية والمجامع الفقهية(5) فما دام أن الحاجة إليه ماسة ونفعه كبير لكثير من الناس فما المانع أن يبحث له عن صيغة مقبولة شرعا وتعمم على الجهات ذات النفع المشترك من هذه العقود• إن التباطؤ في إيجاد الصيغ الشرعية المقبولة لهذه العقود قد يفهم منه إما عجز في الشريعة - وحاشاها ذلك - أو عجز في العلماء أنهم لم يستطيعوا إيجاد مثل هذه الصيغ - ولا أظنه كذلك - و الذي ينبغي في هذا المقام أن يبادر العلماء في علاج هذه النازلة وذلك أن شريعة السماحة واليسر لا يمكن أن تترك الناس في حرج وضيق لعقد من العقود التي يحتاجونها حاجة ماسة وفيها مقومات السعة والتخفيف على الناس• 2-إيجاد المخرج الشرعي المخلص من الإثم في المستجدات المعاصرة ضرورة واقعية من الدواعي لتكرار النظر في مسألة التأمين التعاوني الذي أصبح أمرا ملزما للناس في البلاد هو إيجاد المخرج الشرعي لهم إذ لو أغلق المفتي الباب في مثل هذه المسألة المترددة بين الإباحة والحظر- عند البعض -وشدد فيها القول سدا للذريعة المتوقعة مع وقوع الاحتياج الظاهر لها لأدى هذا إلى انفضاض الناس من حول الدين وربما يؤدي إلى غرقهم في مسائل أكثر شناعة وحرمة من غير حاجة إلى سؤال أهل العلم أو معرفة رأي الشرع فيها، ولذلك كان من المهم سد الذرائع المفضية إلى مفاسد راجحة وإن كانت ذريعة في نفسها مباحة، كما ينبغي فتح الذرائع إذا كانت تفضي إلى طاعات وقربات مصلحتها راجحة• (6) إن البحث عن المخارج الشرعية المخلصة من المآثم منهج شرعي معتبر قد يحتاج إليه المفتي أو الفقيه في بعض المسائل النازلة بالناس وليس ذلك من التحايل المذموم• وقد فصل الإمام ابن القيم في هذه المسألة حيث قال: (لا يجوز للمفتي تتبع الحيل المحرمة والمكروهة، ولا تتبع الرخص لمن أراد نفعه، فإن تتبع ذلك فسق وحرم استفتاؤه، فإن حسن قصده في حيلة جائزة لاشبهة فيها ولا مفسدة؛ لتخليص المستفتي بها من حرج جاز ذلك، بل استحب، وقد أرشد الله نبيه أيوب عليه السلام إلى التخلص من الحنث بأن يأخذ بيده ضغثا فيضرب به المرأة ضربة واحدة، وأرشد النبي صلى الله عليه وسلم بلالا إلى بيع التمر بدراهم، ثم يشتري بالدراهم تمرا آخر فيخلص من الربا فأحسن المخارج ما خلص من المآثم وأقبح الحيل ما أوقع في المحارم أو أسقط ما أوجبه الله ورسوله من الحق اللازم والله الموفق للصواب)(7)• 3-فقه العقود والمعاملات هو فقه الضرورات (8) إن من المسلمات فقها أن عقود المعاملات ضرورية للحياة الاجتماعية وتختل بدونها الحياة، ولا تسير أمور المجتمع الإنساني على استقامة واعتدال؛ ذلك أن علاقة البشر بعضهم ببعض علاقة تكامل واحتياج متبادل، ولذلك تنوعت صور العقود والمعاملات المالية من بيع وإجارة وسلم واستصناع وكفالة و غيرها، ولو جرت المعاملات على نمط واحد دون تنوع وتعدد لأدى إلى مشقة بالغة ولما نمت الحياة وتطورت• يقول الإمام السيوطي رحمة الله: (ومن التخفيف جواز العقود الجائزة، لأن لزومها يشق، ويكون سببا لعدم تعاطيها ومن التخفيف أيضا: لزوم اللازم وإلا لم يستقر بيع ولا غيره) (9) فالشرع قد نظر إلى مصلحة العباد واحتياجاتهم الضرورية، فرفع عنهم المشقة والحرج بإباحته لهم ضروبا من المعاملات، وأصنافا من المشاركات، والمضاربات وبالأخص تلك العقود التي يحتاجها أغلب المجتمع و لا ينفك من التلبس بها إلا القليل من الناس، فجعل الشرع السبب في ذلك التخفيف هو العسر وعموم البلوى والمقصود بهذا المصطلح: حين يبلغ الأمر من الصعوبة حدا لا يستطيع أحد في (10) المجتمع لأن يتفاداه، فينجم عن هذا عفو الشارع، والسماح به، وعدم المؤاخذة عليه• وقال الفقهاء في مثل هذا: (إن ما عمت بليته خفت قضيته) (11) ومعظم العقود المالية على مذهب الحنفية وغيرهم هي ضرورة (12)، وأجيزت على خلاف القياس فبيع الموصوف في الذمة كالسلم جوز على خلاف القياس؛ دفعا لحاجة المفاليس، والاكتفاء برؤية ظاهر الصبرة، والأنموذج ومشروعية خيار الشرط دفعا للندم، ومنه الرد بالعيب، والإقالة، والحوالة، والرهن، والضمان ،والإبراء، والقرض والشركة، والصلح، والحجر، والوكالة، والإجارة، والمزارعة، والمساقاة وغير ذلك مما هو مبسوط في كتب الفقهاء، بل هناك من القضايا المعاصرة التي أجيزت على خلاف الراجح نظرا للحاجة العامة لها كالشرط الجزائي وبيوع الوفاء وبيع التورق وبيع المرابحة للآمر بالشراء• واعتقد والله أعلم أن عقد التأمين التعاوني الإلزامي لا يبتعد عما سبق ذكره من عقود صححتها الشريعة نتيجة لحاجة الناس إليها وإن خالفت القياس والقاعدة المطردة في عقود المعاملات، وإن طرأ فيها ما يخل بالعقد فاعتقد أيضا أن مجال تصحيحه ممكن ومعلوم لأهل العلم• هذا مع علمنا أن الأصل في العقود الصحة إلا ما أبطله الشرع أو نهى عنه• 4- فتح المجال للبديل المباح عند المنع من المحظور وهذا الأدب في الفتيا له من الأهمية القصوى في عصرنا الحاضر القدر العظيم، وذلك أن كثيرا من المستجدات الواقعة في مجتمعنا المسلم قادمة من مجتمعات كافرة أومنحلة لا تراعي القيم والثوابت الاسلامية، فتغزو مجتمعنا بكل قوة مؤثرة ومغرية كحال كثير من المستجدات في العقود المالية وغيرها ولعل التأمين مثال حي لها• فيحتاج الفقيه إزاءها أن يقر ما هو مقبول مباح شرعا ويمنع ما هو محظور أو محرم مع بيانه لحكمة ذلك المنع وفتح العوض المناسب والاجتهاد في وضع البدائل المباحة شرعا حماية للدين وإصلاحا للناس• وهذا من الفقه والنصح في دين الله عز وجل• كما قال ابن القيم - رحمه الله -: (من فقه المفتي ونصحه إذا سأله المستفتي عن شيء فمنعه منه وكانت حاجته تدعو إليه، أن يدله على ما هو عوض له منه، فيسد عليه باب المحظور ويفتح له باب المباح وهذا لا يتأتى إلا من عالم ناصح مشفق قد تاجر مع الله وعامله بعلمه، فمثالة من العلماء: مثال الطبيب العالم الناصح في الأطباء، يحمي العليل عما يضره، ويصف له ما ينفعه، فهذا شأن أطباء الأديان والأبدان• وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم)(13) وهذا شأن خلق الرسل وورثتهم من بعدهم)(14)• إن البحث عن البديل المباح عند المنع من المحظور هو مهمة العالم الثقة وإذا لم يقم بهذا الدور العظيم فلربما يعتلى من قبل خلاق لهم في العلم أو الورع فيسيروا بهم نحو الانحلال هروبا من العنت والحرج زعموا• وما أحسن ما قاله الإمام سفيان الثورى - رحمه الله -: (إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة فأما التشدد فيحسنه كل أحد)(15) 5- حكم الحاكم يرفع الخلاف قال الزركشي رحمه الله: (قالوا حكم الحاكم في المسائل المختلف فيها يرفع الخلاف، وهذا مقيد بما لا ينقض فيه حكم الحاكم، أما ينقض فيه فلا)(16) ومدار نقض الحكم على تبين الخطأ، والخطأ إما في اجتهاد الحاكم في الحكم الشرعي حيث تبين النص أو الاجماع أو القياس الجلي بخلافه ويكون الحكم مرتبا على سبب صحيح، وإما في السبب كأن يكون الحكم مرتبا على سبب باطل كشهادة الزور مثلا• والتأمين التعاوني الإلزامي فيه خلاف قوي بين العلماء فلماذا لا يترجح جوازه بناء على ترجيح الحاكم له والإلزام به• هذه بعض التأملات التي جالت في خاطري حول مسألة التأمين وأهمية الاجتهاد في معرفة حكمه بما يحقق مقاصد التشريع من طاعة الخالق وإسعاد الخلق بأحكام الله الباهرة والله أعلم وصلى الله على نبيه وآله وسلم• * أستاذ الفقه وأصوله / جامعة الملك فه (1) انظر: البحر المحيط 2/ 48، الدر المنثور 1 / 350، المحرر الوجيز 1 / 255• (2) رواه مالك في الموطأ، كتاب الجهاد، باب الترغيب في الجهاد 2/443• (3) المرافقات 2 / 233• (4) انظر: قرار هيئة كبار العلماء في دورته العاشرة 4/4/1397هـ؛ قرار المجمع الفقهي التابع للرابطة في دورته الأولى 1398م وقرار المؤتمر الثاني للمجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي 1406هـ• (5) انظر ما سبق من قرارت المجامع والهيئات السابقة الذكر، الاقتصاد الإسلامي للسالوس 1 / 455؛ مجلة المجمع الفقهي للرابطة العدد (11) ص 243، 256؛ مجلة الفقه الإسلامي العدد الثاني 2 /457 - 731 (6) انظر: شرح تنقيح الفصول للقرافي ص 449؛ إعلام الموقعيين لاين القيم 3/109• (7) اعلام الموقعين 4/170، 171• (8) فقة الضرورة وتطبيقاته المعاصرة، آفاق وأبعاد• د• عبدالوهاب أبوسليمان ص 140• (9) الأشباه والنظائر ص 71• (10) انظر: رفع الحرج لابن حميد ص 261• (11) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 92• (12) انظر: الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 88، 89• : (13) أخرجه البخاري في صحيحه بنحوه، كتاب الاحكام، باب بطانة الإمام وأهل مشورته رقمه (6659 )• (14) إعلام الموقعين 4 /122؛ انظر:المجموع للنووي 1 / 87 ،83؛ الفتوي في الاسلام للقاسمي ص 83(15) جامع بيان العلم وفضله 1/784• (16) المنثور في القواعد 2/69• د