الضمان الصحي التعاوني.. رؤية وطنية

د. عبد الإله ساعاتي

يجسد نظام الضمان الصحي التعاوني حرص الدولة - وفقها الله - على توفير سبل الرعاية الصحية لسكان البلاد وفق آليات تتوافق مع ظروف المرحلة وتتواكب مع المتغيرات المستجدة.
وصناعة التأمين تعد من أهم مقومات البناء الاقتصادي في الكثير من دول العالم حيث تساهم في رفع معدلات النمو الاقتصادي وخفض معدلات البطالة، هذا الى جانب الدور الاجتماعي الذي تضطلع به هذه الصناعة في سياق اعمالها.
والتأمين نوعان: التأمين التجاري السائد في الدول الغربية، وهذا النوع يستهدف الربح أولاً وأخيراً ولم يجز من قبل هيئة شرعية في داخل المملكة أو خارجها.
أما النوع الثاني فهو التأمين التعاوني الذي يستهدف التكافل والتعاون، تعاون الأثرياء مع الفقراء والأصحاء مع المرضى وأصحاب العمل مع العمال، وتعاون المجتمع ككل مع الفرد في تحمل تكاليف الخطر الذي قد يتعرض له.والتأمين التعاوني أجيز من قبل هيئة كبار العلماء في المملكة بقرارها رقم (51) والصادر في 04-04-1397هـ كما أجازه مجمع الفقه الاسلامي في اجتماعه المنعقد في عام 1406هـ.وهو ممارسة تجد جذورها في المجتمع الاسلامي منذ القدم، فلقد امتدح الرسول صلى الله عليه وسلم التعاون القائم على المشاركة بين الأفراد في درء الخطر، حيث جاء في الحديث عن أبي موسى الأشعري (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسويه، فهم مني وأنا منهم).كذلك الحال في أحكام (العاقلة) في الشريعة الاسلامية، ويقصد بالعاقلة أقرباء الشخص الذين يتحملون عنه الديّة الناتجة عن القتل الخطأ.
وفي الأسر السعودية قديماً كان الأفراد يضعون جزءاً من أجورهم لدى رب الأسرة يحفظها لاستخدامها عند تعرض أحد أفراد الأسرة لمخاطر.
** وعندما نتحدث عن صناعة التأمين في المملكة العربية السعودية نجد ان البلاد عرفت التأمين منذ الثلاثينات الميلادية من القرن الماضي، وذلك مع دخول شركات التنقيب عن البترول، واتسعت دائرة تطبيق التأمين بأنواعه المختلفة مع انشاء شركة أرامكو.ولكن التأطير النظامي الرسمي لصناعة التأمين في المملكة لم يبدأ إلا في عام 1420هـ مع صدور أول نظام تأميني رسمي وهو (نظام الضمان الصحي التعاوني) الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م-10) في 1-5-1420هـ.
ولقد عايشت مرحلة اعداد ذلك النظام وشاركت في اعداده في وزارة الصحة قبيل احالته الى مجلس الشورى حيث خضع النظام لدراسات معمقة في الوزارة وفي المجلس ومن ثم في هيئة الخبراء بمجلس الوزراء.
وفي 10-3-1421هـ صدر قرار تشكيل مجلس الضمان الصحي التعاوني من جهات مختلفة.
إلا أن تطبيق هذا النظام توقف نظراً لتأخر صدور نظام مراقبة شركات التأمين، حيث رؤي أن العربة سبقت الحصان فصدر نظام تأميني فرعي وهو نظام الضمان الصحي قبل صدور النظام الشامل الذي يرخص لشركات التأمين التي تقوم بتطبيق نظام الضمان الصحي.ومع هذا فلقد تتابعت دائرة التنظيم الرسمي حيث صدر في 15 شعبان 1423هـ قرار مجلس الوزراء القاضي بتطبيق الضمان الصحي على كافة السعوديين العاملين في شركات ومؤسسات القطاع الخاص.
وأخيراً صدر نظام مراقبة شركات التأمين في 14-5-1424هـ ولائحته التنفيذية في 1-3-1425هـ. ولا ريب في أن صدور التنظيمات الرسمية المنظمة لأعمال التأمين من شأنها أن تنظم عمل هذا القطاع وتحفظ حقوق المتعاملين في إطاره.
** ويجسد الأخذ بالضمان الصحي التعاوني حرص الدولة - أيدها الله - على التفاعل مع الاحتياجات الصحية للمواطنين والمقيمين ومواكبة المتغيرات المستجدة بما يكفل توفير أفضل سبل الرعاية الصحية لهم وفق متطلبات المرحلة التي تشهد زيادة هائلة في تكاليف الخدمات الصحية مترافقة مع زيادة ضخمة في الطلب على هذه الخدمات، الأمر الذي استوجب الأخذ بآلية جديدة تتناسب مع طبيعة هذه المرحلة ومتغيراتها المستجدة.
ولعل القراءة الواقعية لتطبيق نظام جديد بهذا الحجم لا تستبعد ظهور سلبيات في طريق التطبيق شأنه شأن أي شيء جديد، ويظل المعيار المطلوب متمثلا في التصدي الواعي لتصحيح المسار وتشذيب النتوء لضمان تحقيق النظام لأهدافه بما يواكب تطلعات ولاة الأمر - حفظهم الله -.