التأمين

محب الدين الخطيب

لأوقاف المسلمين المرصدة على جهات البر في مصر – ومنها أوقاف الحرمين الشريفين– عمارات سكنية للإستغلال في القاهرة والإسكندرية وسائر أنحاء الوطن المصري، بعضها عظيم جسيم من ناطحات السحاب، وبعضها متوسط، ومنها ما هو دون ذلك.

ومن ربع قرن إلى الآن كانت وزارة الأوقاف تدفع لشركات التأمين نحو ألفين وخمسمائة جنيه في السنة تأمينا على بعض هذه العمارات من الحريق، على اعتقاد أن ذلك في مصلحة الأوقاف الإسلامية، وأن الضرورة قد حملت عليه، حتى إذا وقع حريق في بعض هذه العمارات الموقوفة على جهات البر كانت شركات التأمين ملزمة بأن تعوض للأوقاف عما إلتهمته النيران منها. وقد بلغ مجموع ما خرج من ريع هذه العمارات المرصودة لجهات البر الإسلامية ودخل في صناديق شركات التأمين ما يكفي لبناء عمارتين من ناطحات السحاب في خلال نحو ربع قرن، فما بالك بما كان يدفع قبل ذلك. ومنذ سنة 1247 هـ (1928 م) لم ترزأ شركات التأمين من عشرات ألوف الحنيهات التي ابتزتها من أموال الأوقاف إلا بنحو خمسمائة جنيه فقط، وخسرت الأوقاف ما كان يكفي لأن تقيم به ناطحتي سحاب أو أكثر.

إنها مقامرة، وكان الرزء فيها دائما على أوقاف المسلمين. ولعل الرزء الأدبي في الإقدام على المقامرة وتحمل وبالها وتقديم القدوة السيئة للناس، أفدح من الرزء المادي بعشرات كثيرة من ألوف الجنيهات صرفت في مصرف لم يكن يسمع به الواقفون، وما كانوا ليسمحوا به لو أنهم سمعوا به

ومنذ نحو عشرين سنة أو أكثر كتبتُ مقالاً في صحيفة الفتح أشرت فيه إلى هذه المعاني، واقترحتُ على أهل كل حرفة – كالناشين وأصحاب المكتبات مثلاً – أن يكونوا من بينهم لجنة خاصة بحرفتهم يختارون أعضاءها من أهل الأمانة والديانة والأخلاق النبيلة، فيضعوا تحت يدها صندوقا يجمعون فيه ما كانوا يدفعونه عادة لشركات التأمين من رسوم سنوية، وينوون به أن يكون إعانة منهم لمن ينكب بالحريق من رجال مهنتهم الداخلين في هذا الإتفاق، وأن يتخذوا جميع أسباب الرقابة القانونية والحيطة المالية لحفظ هذا المال، حتى إذا وقع حريق – لا قدر الله – عوّضوا على من نكب به من مال هذا الصندوق، ويكون في ذلك مثوبة لكل من ساهم في هذا العمل الذي تحول من مقامرة تحرمها الأديان، إلى تعاون على البر ينال به صاحبه رضا الرحيم الرحمن.

ولكن خُلق التعاون لا يزال عندنا ضئيلا، ولا نزال في حاجة إلى بثّه في النفوس، إلى أن تعتاده وتذوق حلاوة ثمراته. لذلك بقي هذا الإقتراح في عالم الخيال، إلى أن امتلأ قلبي سرورا في الأسبوعين الماضيين بإقدام أخي الأستاذ الباقوري على تحقيقه في وزارة الأوقاف على أكمل الوجوه وأنفعها، فتعاون مع مجلس الدولة على صياغة مشروع تقوم به وزارة الأوقاف نفسها بمهمة التأمين – منها ولها – بالنقود التي كانت تدفع حراما لشركات التأمين على سبيل المقامرة.

ومما جاء في مشروع وزارة الأوقاف:

((ينشأ صندوق تأمين بوزارة الأوقاف للتأمين على العمارات الإستغلالية التابعة للأوقاف التي تحت نظر الوزارة ومرصدة على جهات بر. ويعتبر الصندوق شخصا معنويًّا من أشخاص القانون العام، ويمثّله وزير الأوقاف أمام الغير، وعلى الأخص أمام السلطات القضائية والإدارية. وتكون للصندوق ميزانية خاصة مستقلة عن ميزانية وزارة الأوقاف ولكن ملحقة بها. وتباشر أعمال الصندوق مراقبة الحسابات – كأيّ عمل من أعمال الوزارة – ولكن تشرف على ذلك لجنة للرقابة من وكيل الوزارة، والمدير العام لقسم القضايا، والمراقب العام لقسم الحسابات، والمدير العام لقسم الهندسة، والمدير العام لقسم الأملاك. ويتكون مال الصندوق من الرسوم التي تحصل من ريع العمارات التي يؤمَن عليها لدى الصندوق، وتحدد النسبة التي تقدر على كل عمارة بحيث لا تزيد على 5% من قيمة العمارة، ويحتفظ الصندوق بجزء من الحصيلة لمواجهة الحوادث الطارئة، وما يزيد على حوادث الحريق الناجمة في الظروف العادية (أما الحوادث الناجمة عن حوادث الحرب، أو في مثل حوادث 26 يناير سنة 1952، فالتعويض يكون من الحكومة بالنسبة للسياسة العامة).

ويقضي هذا للمشروع بأن تعدّ استمارة لكل مبنى يطلب التأمين عليه بضد الحريق مبينا فيها قيمة العمارة وتاريخ إنشائها والمدة المحددة لإستهلاكها.

وإذا كانت الوزارة – أو مجلس الدولة – استثنى من الإشتراك في هذا الصندوق العمارات التابعة للأوقاف الأهلية لأنها أصبحت ملكا خاصا لأصحابها، ولئلا يختلط حساب الأوقاف الأهلية بحساب أوقاف البر، فأي مانع يمنع أن يكون صندوق آخر لعمارات الأوقاف الأهلية ما دامت لا تزال تحت يد وزارة الأوقاف، ولماذا لا يقتطع منها رسم التأمين كما يقتطع رسم عوائد الحكومة على المباني إلى أن تخرج هذه العمارات عن نظارة الوزارة وإدارتها، وحينئذ تسلم لمن تأول إليهم مع نصيبهم من الرسوم الموجودة في الصندوق الخاص، فذلك خير للأوقاف الأهلية من الإستمرار في التأمين عليها لدى الشركات، مع ملاحظة الحكم الشرعي في الحالتين

ولقد توسعنا في الحديث عن هذا الضرب الجديد من التأمين الموافق لروح الإسلام لأننا نرى في هذا العمل الطيب من وزارة الأوقاف قدوةً صالحة لا يبعد أن نسمع عن آثارها وأمثالها في البلاد الإسلامية الأخرى كباكستان وأندونيسيا، ويكون الفضل التاريخي فيها لمصر لأن هذه الفكرة صدرت عنها. ومن حيث المبدأ نتمنى لو فكرتْ في مثل هذا المشروع كل وزارة مصرية – كوزارة التربية والتعليم – فيما تحت أيديها من مبانٍ جرت العادة بأن يؤمَن عليها لدى شركات التأمين، وإذا لم تسكن المباني التي تحت يد كل منها متعددة بحيث تستحق أن يكون لها صندوق مستقل، فإن في إمكان وزارة المالية، أو وزارة الأشغال، أو وزارة البلديات أن تتولى هذا الأمر عن جميع الوزارات فتجعل لها كلها صندوقا واحدا ترصد فيه الأموال التي تدفع الآن لشركات التأمين، فتبقى أموال الدولة تحت يد الدولة، وتتضامن الوزارات كلها في هذا التعاون الجميل.

أما التأمين لدى الشركات – بجميع أنواعه – فلا ريب أنه نوع من أنواع المقامرة، وكل مقامرة في الدنيا ركزت أنظمتها على أن يكون الربح المضمون للإدارة التي اتخذت ذلك مهنة لها. وفي المقامرة على النقود في الأندية مهما خسر المتقامرون أو كسبوا فكلهم في الجملة خاسرون إلا نادي المقامرة، فإنه يربح دائما من جيوبهم نفقاته وأرباحه التي يسميها رسوما. والمقامرة التي زعموا أن لها وجها من المصلحة كالتأمين من الحريق، أو على السفن من الغرق، أو على الحياة...الخ فإن الذين تجمعهم المصلحة الواحدة من دافعي رسوم التأمين إذا عرفوا كيف يتعاونون على إنشاء صندوق تأمين بإشرافهم ولمصلحتهم كما فعلت وزارة الأوقاف، وكما سبق لي إقتراحه قبل نحو عشرين سنة، فإن معنى المقامرة يتحول فيه إلى معنى آخر نبيل من معاني الإحسان والتعاون بل والإقتصاد.

الحلال بين، والحرام بين. ولكل منهما أنصار تهش نفوسهم وتبتهج قلوبهم لاتساع دائرة ما يقع منها موقع الرضا. وقد قرأت – وأنما أكتب هذه الكلمة – فقرة في يوميات إحدى صحف القاهرة بدعو كاتبها إلى عمل تأمين جماعي لدى إحدى (شركات) التأمين لأصحاب جزائر النيل الزراعية التي تغرق في مواسم الفيضان، وإلى أن تفرض الدولة تأمينا إجباريا ضد دودة القطن. ترى هل هذا إعلان تجاري لمصلحة شركات التأمين كسائر إعلانات الصحف؟ لست أدري، ولكن الذي لا يشك فيه أحد أن شركات التأمين لم تؤسس وتنفق على إدارتها النفقات الطائلة لأجل أن تتصدق على المنكوبين أو لتمثل معهم دور العون الإنساني، بل هي تدفع في مثل هذه الحوادث (بعض) ما كانت أخذته وتبسط يدها ببعضه لنفقاتها وموظفيها وإعلاناتها، ثم هي تربح بعد ذلك كله. أما الذي نقترحه نحن ففيه إقتصاد النفقات والإعلانات، والربح فيه ثواب من الله على العمل الحلال، ونكون في تصرفنا هذا إسلاميين.

ولمناسبة الخوض في هذا الموضوع الإجتماعي المهم، نلفت أنظار الوزارات والمصالح التي يعنيها الأمر إلى ما يقع فيه المسلمون من الحرج بتحتيم التأمين على عمال المصانع في مختلف الصناعات، وإلى تحتيم التأمين على ما سيقرضه بنك التسليف الزراعي والتعاوني للجمعيات التعاونية التي تألفت أخيرا لبناء المساكن، زد على ذلك تحتيم التأمين الذي أقحم على نظام الإدخار ليحل محل نظام المعاش. وما دامت وزارة الأوقاف قد وجدت لنفسها مخرجا من إثم المقامرة بما ابتكره أخي الأستاذ الباقوري للتأمين على مباني الأوقاف الإستغلالية من الحريق، فهل يعجز مجلس الدولة ووزارة العدل وجميع رجال القانون والإقتصاد والمال في الدولة عن أن يبتكروا طريقة يرفعون بها الحرج عمن لا يجب أن يأثم من مسلمي مصر؟

في إعتقادنا أن دائرة الحلال أوسع وأوثق وآمن من دائرة الحرام، ولا يحول بيننا وبينها إلا أن نفكر تفكيرا إسلاميا سليما، والله الموافق.