التأمين الإسلامي ومأزق التكييف الفقهي

د.عبدالباري مشعل

1. رغم أن صناعة التأمين الإسلامي مضى عليها أكثر من ثلاثة عقود غير أن التكييف الفقهي لهيكل التأمين الإسلامي يحتل الصدارة في المؤتمرات والندوات. علمًا بأن الاهتمام المتزايد بالتكييف الفقهي لم يترك أثراً ملموسًا على صناعة التأمين وتقدمها، بل إن الواقع يسير بعيدًا عن هذه الجهود وفق النظرية التي أسسها البروفيسور الضرير للتأمين الإسلامي.
2. تقوم نظرية الضرير على الفصل بين حسابات شركة التأمين كمدير للتأمين، وبين صندوق التأمين الذي تتجمع فيه الاشتراكات، ويتحمل تكاليف إدارة التأمين لصالح الشركة المديرة، كما يتحمل بالتعويضات.وقد عزز هذه النظرية معيار التأمين الصادر عن AAIOFI. وفي حال تحقق الفائض التأمين بعد المخصصات الفنية والتعويضات يكون للشركة المديرة للصندوق اتخاذ القرار الملائم بالتصرف بالفائض بما يخدم العملية التأميينة إما بتوزيعه على المشتركين في تلك السنة، أو تخفيض أقساط السنة التالية، أو تكوين احتياطي عام.
3. هذه النظرية السابقة ما يجري عليه العمل في شركات التأمين الإسلامي، مع اختلاف في أجر الشركة المديرة بين نوعين من التطبيقات: الأول تحصل فيه الشركة المديرة على أجر معلوم بنسبة من كل اشتراك مقابل إدارة عملية التأمين، والتطبيق الثاني، تحصل فيه الشركة المديرة على نسبة من الفائض التأمين عند حدوثه، ولا تحصل شيئًا في حال عدم حدوث الفائض، وربما وجد تطبيق ثالث بالجمع بين الأجرين السابقين. وفي جميع التطبيقات في حال عجز صندوق التأمين تلتزم الشركة المديرة بإقراض صندوق التأمين دون فائدة ربوية، ثم تسترد من السنوات ذات الفائض.
4. هذا الهيكل التأميني مقبول من الهيئات الشرعية التي تشرف على المؤسسات التي تطبقه، وبه صدر معيار الأيوفي، وأخيرًا صدر بتفصيله قرار مجمع الفقه الإٍسلامي الدولي في دورته الحادية والعشرين المنعقدة في الرياض. ويمكن تطوير هذا الهيكل والارتقاء به من الناحية العملية، وخاصة على صعيد الحوكمة والرقابة، لكن المهتمين في الجانب الفقهي ما زالوا مصرين على الوقوف عند عقدة التكييف. والواقع أن زيادة الاهتمام تزيد الأمر تعقيدًا، وتدفع باتجاه مآزق لا حل لها، وقد أدت زيادة الاهتمام في نظري إلى إحداث تقارب كبير بين التأمين التجاري والتأمين التعاوني.
5. يقوم التأمين التجاري على المعاوضة بين شركة التأمين وبين المشترك دافع القسط، لأن المشترك يلتزم بدفع القسط، والشركة تلتزم بدفع التعويض، بينما التأمين الإسلامي يقوم -بعد التأمل الدقيق- على المعاوضة بين صندوق التأمين المستحدث، وبين المشترك دافع القسط. لأن المشترك يلتزم بدفع القسط، والصندوق يلتزم بدفع التعويض. للتفرقة بين التأمينين وقع المهتمون في مأزق، ولم يخرجوا منه بعد، ولا أظنهم يخرجون إلا بإغلاق البحث في هذه النقطة، أو العودة من جديد لقبول رأي الشيخ مصطفى الزرقا رحمه الله وغيره من الفقهاء المعاصرين أمثال الدكتور نزيه حماد، والشيخ عبدالله المنيع بجواز التأمين التجاري.
6. دفاعًا عن نظرية التأمين التعاوني قالوا أولاً إن المشترك في عملية التأمين الإسلامي هو ملتزم بالتبرع بالقسط، والصندوق ملتزم بالتبرع، وهذا ما ورد في معيار الأيوفي، وقد جوبه هذا التكييف بعدم واقعيته، وأنه لا أحد يأتي للاشتراك في التأمين على سبيل التبرع، فطوِّر الأمر إلى التعاون وهو مفهوم شامل يخلصنا من حرفية التبرع فالمعاوضة فيها نوع من التعاون أيضًا، فصدر قرار المجمع باستخدام لفظ التعاون، وأهمل لفظ التبرع، ثم جاء آخرون وراوحوا بين المعاوضة والتبرع وقالوا بشبه المعاوضة وشبه التبرع والمشاركة التعاونية وأضافوا الوقف ولا يظهر من ذلك هدف بحثي معتبر فالأمر واقع وزيادة كلمة للتكييف لا أثر لها في الواقع وليست سوى مضيعة للأوقات والجهود البحثية فيما لا طائل منه.
7. للرد على شبهة المعاوضة نص الأوائل على أن المؤمِّن والمؤَمَّن له شخص واحد في التأمين الإسلامي، فالصندوق والمشتركون شخص واحد، ثم تخلَّى معيار الأيوفي، عن هذه الميزة، ونص على أن الصندوق له شخصية اعتبارية مستقلة وأن الاشتراكات ملك له، لما يظهر من تعارض واضح بين النص على الشخصية المستقلة، والتعسف بالقول بأنهما واحد، وهذا ما فتح الباب أمام معيار الأيوفي للنص على أن التصرف بالفائض يمكن في وجوه أخرى غير الإعادة على المشتركين لتلك السنة.
8. عادت لجنة الصياغة في قرار المجمع لتقع في المأزق من جديد فنصت على أن الصندوق شخصية اعتبارية مستقلة، ونصت في الوقت نفسه على أن المؤمِّن والمؤمَّن له شخص واحد، وهذا غير منسجم مع القول بالشخصية الاعتبارية المستقلة، خاصة أن القرار نص أيضًا على أن الاشتراكات ملك للصندوق وليس للمشتركين. ثم وقعت لجنة الصياغة في ثغرة أخرى، عندما جعلت أنه من الممكن توزيع الفائض المتراكم عند تصفية الصندوق على المشتركين، وهذا ليس عدلاً لأنه يفترض أنه تجمع على مدار سنين طويلة فلا ينفرد به المشتركون القائمون عند التصفية.
9. إن التأمين الإسلامي صناعة قامت على هيكل الفصل بين صندوق التأمين وإدارة التأمين، ولا يعد هيكلاً مثاليًا، لكن هذا ما أنتجته التطبيقات والهيئات الشرعية، وتطويره وتدعيمه يتطلب الاهتمام بقضايا الرقابة والحوكمة، أما الاهتمام بالتكييف فلا يضيف شيئًا لهذه الصناعة. وفي الجملة يحتاج هذا الهيكل إلى تقويم فعاليته، وربما توسيع دائرة التفكير في هياكل بديلة أكثر فعالية، من الناحية الربحية والتجارية.