التأمين الإسلامي: مؤتمر أكاديمية إسراء بماليزيا ورأي في فهم الواقع

د.عبدالباري مشعل

1. في 10 و11 نوفمبر الجاري عقد مؤتمر إسراء ليناقش قضيتين: الأولى الملكية النفعية، والثانية المشاركة التعاونية كتفسير جديد لصندوق التأمين في شركات التأمين الإسلامية التي اشتهر اسمها بشركات إدارة التأمين؛ لأنها ليست مؤمِّنًا وإنما مدير للتأمين فقط، على خلاف شركات التأمين التقليدية التي تأخذ صفة المؤمِّن.2. لا أتفق في أهمية مناقشة المسألة، ولا إعادة التكييف؛ لأنه لا أثر لذلك في الواقع، لكن لمواكبة هذا النشاط المتسارع لا بد من فهم ما يجري، وبعد الاطلاع على الأفكار المقدمة وجدنا الفكرة الأساسية تكمن في محاولة غير ناجحة للهروب من مبدأ الالتزام بالتبرع، فالأخ الدكتور عزمان نور في عرضه للمشاركة التعاونية ما زال يحتفظ بمبدأ التبرع كأحد خصائصها، بينما يجعلها الدكتور عبدالرحمن الأطرم منزلة بين المعاوضة والتبرع.
3. التأمين الإسلامي القائم على الفصل بين شركة الإدارة وصندوق التأمين قائم بصرف النظر عن أي تكييف شرعي، سواء أكانت التزامًا بالتبرع، أو تعاونًا، والأولى صرف الجهد للمزيد من فهم الهيكل القائم، وآثاره من الناحية العملية. وفي خضم الاهتمام بالتأمين في هذه الفترة الزمنية حيث ندوة المجمع الفقهي الإسلامي الدولي عن التأمين ستعقد أيضًا في بداية ديسمبر المقبل في جدة، سيحاول هذا المقال تقديم فهم أعمق للهيكل القائم.
4. في الهيكل القائم فصل بين صندوق التأمين وشركة الإدارة، وتوجه فقهي معاصر لتعزيز الفصل بين المشتركين وصندوق التأمين من خلال جعل الصندوق شخصية اعتبارية مستقلة، مع وجود التزام متبادل بين المشترك من جهة بدفع القسط، وصندوق التأمين من جهة ثانية بدفع التعويض عند حدوث الضرر، وهناك التزام آخر من شركة الإدارة بإقراض الصندوق عند حدوث العجز أي زيادة التعويضات عن الاشتراكات.
5. المتأمل في الهيكل القائم يستطيع أن يتلمس عدة ملابسات بالمقارنة بهيكل التأمين التجاري، فقد قالوا أن التجاري محرم للغرر في علاقة معاوضة، حيث تلتزم شركة التأمين بالتعويض في حال الضرر، وفي الهيكل القائم هناك محاولة لجعل الالتزام الأصلي على الصندوق، لكن في حال العجز فهناك عودة لالتزام شركة التأمين من خلال إقراض الصندوق، وبالتالي فإن الخروج من شبهة غياب الالتزام من شركة التأمين غير متحقق، ولم تتعرض الجهود الحالية للخروج من هذه الشبهة.
6. وعلى الجانب الآخر نجد أن علاقة المعاوضة التي نريد الهروب منها إلى علاقة التبرع أو التعاون أو المشاركة التعاونية قد انتقلت وبشكل صريح إلى العلاقة بين المشترك الملتزم بدفع الاشتراك، وصندوق التأمين المستقل الملتزم بدفع التعويض، وهذا الالتزام المتقابل يحقق معنى المعاوضة بين شخصية طبيعة تتمثل في المشترك، وشخصية اعتبارية مستقلة تتمثل في الصندوق، والسؤال هو هل هذه العلاقة معاوضة فعلاً أو هناك وجه آخر لتكييفها؟ وإذا كانت معاوضة فماذا نفعل بالغرر الموجود في المعاوضة والذي لا يغتفر إلا في التبرع أو التعاون؟
7. هذه الشبهات من أهم المعضلات النظرية التي تواجه هيكل التأمين الإسلامي، وهي تفسر المؤتمرات المتلاحقة في مجال التأمين الإسلامي دون جدوى. وبالإضافة إلى الجهود المبذولة يرى هذا المقال أنه من الضروري للخروج بحلول عملية دراسة مقترحين هامين: الاقتراح الأول: إزالة التزام شركة إدارة التأمين بالإقراض من هيكل التأمين الإسلامي، والبديل هو أن تقوم شركة إدارة التأمين برصد مبلغ غير مسترد في حساب احتياطي عام، لغرض إقراض صندوق التأمين عند العجز، ويمكن تعزيز هذا الحساب من خلال تحويل الفائض في سنوات الفائض، ويؤول رصيد هذا الحساب عند التصفية لجهات خيرية.
8. الاقتراح الثاني: لا يمكن نفي وجود علاقة المعاوضة بين الصندوق المستقل، والمشتركين والهروب من ذلك لمسميات أخرى، ولكن علينا نفهم هذه العلاقة على حقيقتها، فأحد طرفي المعاوضة وهو الصندوق، لا تؤول ملكيته لطرف تجاري، وإنما تكون لجهات خيرية، ولا تعود للمشتركين بأي طريق. وبهذه الصورة تصبح العلاقة معاوضة من طرف المشترك، وتبرعًا من طرف الصندوق المستقل؛ لأنه بمثابة المال الوقفي المرصود لغرض معين. فما حكم هذه الصورة التي تتضمن سلوكًا ربحيًا قائم على المعاوضة من طرف المشترك مع جهة ذات صفة خيرية؟ الإجابة على هذا السؤال والاقتراح الأول ستترك أثرًا مباشرًا على وجود فرق حقيقي بين التأمين التجاري والتأمين الإسلامي.