ضوابط الإجارة الموصوفة في الذمة في تمويل الخدمات بالمؤسسات المالية الإسلامية

أحمد محمد محمود نصار

ضوابط الإجارة الموصوفة في الذمة في تمويل الخدمات بالمؤسسات المالية الإسلامية

 

تحت عنوان «ضوابط الإجارة الموصوفة في الذمة وتطبيقاتها في تمويل الخدمات في المؤسسات المالية الإسلامية»

قدم الأستاذ أحمد محمد محمود نصار، مدير مركز الرصد والتواصل المالي الإسلامي ـ المجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية بالبحرين، بحثه إلى ندوة البركة المصرفية الثلاثين التي عقدت مؤخرا بجدة وقدم من خلاله 5 توصيات لتطوير عقود الإجارة الموصوفة في الذمة يمكن تطبيقها في مجال التمويل والصكوك.

ويسعى البحث إلى الكشف الفقهي عن صيغة الإجارة الموصوفة في الذمة في التراث الفقهي الإسلامي لاستخراج الأحكام والضوابط الخاصة به والمسائل الفقهية الهامة في هذه الصيغة وتبويبها الفقهي لكي يسهل استيعاب هذا العقد تمهيدا لاستثماره في تطبيقات الصناعة المالية الإسلامية، وكذلك قام بعرض أساليب تطبيق الصيغة في تمويل إجارة الخدمات، كما عرض أهم الفتاوى والقرارات ذات الصلة بالإجارة الموصوفة في الذمة.

وأوضح الباحث أنه منذ أكثر من ثلاثة عقود والمصرفية الإسلامية وضعت من أهدافها الاستراتيجية البحث في التراث الفقهي لاستخراج الصيغ المالية والتعرف على ضوابطها وخصائصها التمويلية واستخداماتها ليتم استثمار ذلك في تطوير المنتجات المالية المعاصرة لتتوافق مع الرؤية والأهداف الإسلامية.

وسعى البحث إلى الكشف الفقهي عن صيغة الإجارة الموصوفة في الذمة في التراث الفقهي الإسلامي لاستخراج الأحكام والضوابط الخاصة بها والمسائل الفقهية المهمة في هذه الصيغة لكي يسهل استيعابها تمهيداً لاستثمارها في تطبيقات الصناعة المالية الإسلامية.

وتحدث البحث عن ماهية الإجارة الموصوفة في الذمة ومشروعيتها ثم أنواعها وقسمها إلى إجارة يكون الثمن فيها موصوفاً في الذمة، حيث إن الأجرة التي تترتب على المستأجر إما أن تكون معينة محددة مرئية أثناء العقد وإما أن تكون مقررة بالوصف وإلى إجارة يكون العمل فيها موصوفاً في الذمة وإجارة تكون فيها العين موصوفة في الذمة.

ثم فصل البحث الحديث حول أحكام الإجارة الموصوفة في الذمة وبين أن الشرط العام لضوابط وأحكام عقد الإجارة الموصوفة في الذمة هو الالتزام الكامل بشروط وضوابط عقد السلم لأن الإجارة الموصوفة في الذمة هي سلم في المنافع.

وتحدث البحث عن الأحكام العامة للإجارة الموصوفة في الذمة، ومن أهمها عدم جواز تأجيل الأجرة ولا الاستبدال عنها، وذكر تحت هذه المسألة الخلاف في تعجيل الأجرة وذكر رأي كبار الباحثين المعاصرين حول المسألة كالدكتور محمد البوطي والدكتور عبد الستار أبو غدة والدكتور القرة داغي وغيرهم، إضافة إلى آراء بعض الهيئات البحثية.

 ورأى الباحث أن المسألة في حاجة إلى مزيد من البحث والاجتهاد العميق لأهميتها في تطبيقات إجارة الخدمات في المؤسسات المالية الإسلامية والمبنى السليم لذلك هو البحث في مقاصد الشريعة الإسلامية الخاصة بهذه الصيغة أولاً ويسترشد بذلك عملياً بأثرها المالي والاقتصادي.

وأضاف الباحث: الحكم الوحيد الظاهر لنا الآن الذي يمكن الاستناد إليه في الواقع المعاصر هو المعايير الشرعية، ولم يصدر عن المجامع الفقهية توضيح لهذه المسألة، ثم ذكر عدة ملاحظات يمكن أن تكون أساسا للمساعدة في إصدار قرار بهذه المسألة. الجانب الأهم وهو جانب التطبيق المعاصر وكان له نصيب كبير في البحث، حيث عدد الباحث عدة خصائص ومزايا لهذا العقد، منها إمكانية تقديم الخدمات التابعة للمنفعة والاستفادة من السيولة النقدية لأغراض خاصة، إضافة إلى إمكانية استيفاء المنفعة من أكثر من عين بعكس إجارة العين فلا تستوفى إلا منها لأن العين في إجارة الذمة موصوفة مضمونة.

وحول مجالات تطبيق الإجارة الموصوفة في الذمة رأى الباحث أنه يمكن تطبيقها في مجال تمويل الخدمات وصكوك الاستثمار، كما فصل البحث في ذكر الصورة العامة لتطبيق الإجارة الموصوفة في الذمة في تمويل الخدمات، حيث جعلها على عدة خطوات الأولى قيام المؤجر (المؤسسة المالية) بإبرام عقد إجارة موصوفة في الذمة قبل تملك منفعة العين مع عميل المؤسسة المالية ثم تتعاقد المؤسسة مع الجهة التي تقوم بتزويد الخدمة بعقد إجارة موصوفة في الذمة على أنه يجب أن تراعى الأمور التالية:

أولا: يجب أن تشترط المؤسسة المالية على مزود الخدمة تقديم الخدمة لها أو لمن تحدده من عملائها.
ثانيا: يجب عدم الربط بين الإجارة الموصوفة في الذمة إذا تم إبرامها مع مقدم الخدمة أولاً وبين عقد الإجارة مع المستفيد من الخدمة.

وأما في مجال صكوك الاستثمار فيمكن الاستفادة من هذه الصيغة عند قيام شركة للتطوير العقاري مثلا بالتخطيط لإنشاء وحدات سكنية موصوفة وصفا دقيقا ثم تقوم بتمثيل ملكية الانتفاع بسكنى هذه الوحدات السكنية الموصوفة وصفا دقيقا في صكوك متساوية القيمة وتطرحها للاكتتاب العام وتبين فيها مدة الانتفاع وتاريخ ابتدائه وانتهائه ونحو ذلك من التفصيلات المهمة، حيث يكون مصدر هذه الصكوك هو المؤجر والمكتتبون في الصكوك هم مستأجرون لمنافع هذه العين الموصوفة في الذمة وحصيلة الاكتتاب هي الأجرة وحملة الصكوك يملكون منافع هذه الأعيان الموصوفة في الذمة على الشيوع لهم غنمهم وعليهم غرمها، كما دعا البحث هذا النوع من الصكوك بوجوب مراعاة أنه لا يجوز تصكيك ملكية الأعيان التي تتضمن المنفعة الموصوفة في إجارة الذمة.

كما عرج البحث على إجارة الذمة المنتهية بالتمليك ووصل إلى أنه عقد غير جائز، وذلك لأن المنفعة المعقود عليها فيها دين موصوف في الذمة، ليتعلق بذات معينة، بل بذمة المؤجر ومقتضى ذلك أنه يسعه الوفاء بالتزامه بتقديم أية عين تحتوي على المنفعة الموصوفة في ذمته ليستوفيها المستأجر دون أن يكون له الحق في رد العين أو المطالبة بغيرها ما دامت متضمنة لتلك المنفعة المثلية المعقود عليها، وهذا يقتضي جهالة العين التي يجزئ المؤجر تقديمها للمستأجر، ثم تمليكها له عقب انتهاء مدة الإجارة، ورأى البحث أن تلك جهالة فاحشة مفضية إلى خصومة ونزاع بين العاقدين، لا سبيل إلى دفعهما أو التحرز عنهما وموجبة لفساد الإجارة المنتهية بالتمليك إذا كانت إجارة ذمة.

 وفي ختام البحث أوصى الباحث بحسم المسائل الخلافية في الإجارة الموصوفة في الذمة من خلال الاجتهاد الجماعي في المجامع الفقهية، مثل المشروعية وتأجيل الأجرة والتوسع في البحوث الفقهية الخاصة بهذا الموضوع للكشف عن أحكامه وضوابطه والصور المتعددة له، إضافة إلى دراسة الآثار الاقتصادية لتطبيق الإجارة الموصوفة في الذمة في المصرف، والاسترشاد بذلك لطرح منتجات مالية جديدة تلائم الأثر الاقتصادي الإيجابي في الاقتصاد، كما دعا إلى البحث في مخاطر منتجات الإجارة الموصوفة في الذمة واقتراح أساليب التحوط الممكنة والمتوافقة مع حكام الشريعة الإسلامية ودراسة قضية تمويل العقار بالإجارة الموصوفة في الذمة.