الإجارة المنتهية بالتمليك

د.عبد الله بن محمد العمراني

الإجارة المنتهية بالتمليك 
- د.عبد الله بن محمد العمراني - 15/07/1428هـ
تضافرت عبارات الباحثين على أن عقد الإجارة المنتهية بالتمليك من العقود المالية المركبة من إجارة وبيع، أو إجارة وهبة. وسأتعرض إلى إحدى صور هذا العقد وهي: إجارة تنتهي بالتمليك دون دفع ثمن سوى الأقساط الإيجارية. وهذه الصورة تعددت الآراء في تكييفها، ومن أقرب هذه التكييفات:
أن هذه الصورة: هي عقد إجارة مع بيع معلق على سداد كامل الثمن.
وعلى هذا التكييف فإن هذه الصورة عقد مركب من إجارة وبيع معلق على سداد كامل الثمن، وذلك أن العقد عقد إجارة ينقلب بيعاً في نهاية المدة إذا تم سداد كامل الثمن، وتتحول أقساط الإجارة إلى ثمن المبيع، فالعقد احتوى عقدين على عين واحدة. لكن هل العقدان في وقت واحد أم في وقتين؟ والذي يظهر أنهما في وقتين، وذلك أن العقد أولاً هو عقد إجارة ينقلب إلى عقد بيع (تمليك) في آخر المدة مع سداد آخر قسط، فالإجارة في وقت، والبيع في وقت آخر. وقد يقال: إنهما في وقت واحد من حيث بعض الآثار، وذلك أن الأقساط التي تدفع تختلط فيها القيمة الإيجارية مع قيمة المبيع. وفي التطبيق العملي قد تكون بعض الآثار الخاصة بالإجارة كالضمان والصيانة، - والتي تكون على المؤجر- تكون على المستأجر (المشتري لاحقاً) ما يدل على أن العقدين متواردان في وقت واحد، أو أن بعض آثارهما متداخلة في الوقت نفسه.
جاء في مناقشات المجمع: "عقد مركب شكلاً لا قصداً من إجارة وبيع.. فهو عقد مركب – في الوقت نفسه - من بيع وإجارة. الأقساط التي تدفع تختلط فيها القيمة الإيجارية مع قيمة البيع".
ويمكن أن يقال – أيضاً - إنه مستقر على عقد الإجارة ومعلق على عقد البيع عند سداد الأقساط، لكن عند عدم السداد ينفسخ عقد الإجارة، ولا ينعقد عقد البيع، ما يدل على أنه متردد بين العقدين غير مستقر على أحدهما.
وهذه الصورة فيها جمع بين الإجارة والبيع المعلق على سداد كامل الثمن، والعقد فيها متردد بينهما غير مستقر على واحد منهما. وهذا التركيب في هذه الصورة له أثر في حكم المعاملة، حيث إنه يؤدي إلى عدة أمور تؤدي إلى التحريم، وأبرز هذه المآخذ الناتجة عن تركيب هذه الصورة بهذه الكيفية ما يأتي:
1 ـ أن العقد غير مستقر على واحد من العقدين المكونين لهذه المعاملة، وذلك أنه متردد بين أن يكمل الأقساط فيكون بيعاً، وأن لا يكمل فيكون ما دفعه أجرة مقابل عقد الإجارة.
2 ـ أن في هذه المعاملة جهالة للثمن والأجرة، بسبب التردد في العقدين.
3 ـ أن في هذه المعاملة غرراً، وأكلاً لأموال الناس بالباطل، لأن المستأجر قد يعجز عن السداد فيضيع عليه الثمن، مع أنه إن كان العقد بيعاً فإنه يستحق المبيع ويلتزم بسداد الثمن الذي دفعه، أو ما يقابله من المبيع – في حال الصلح، وفسخ العقد –، كما أن المشتري يستحق الثمن عند فسخ المبيع بعيب أو نحوه، وإن كان ما دفعه أجرة لمنفعة العين في عقد الإجارة فإنه دفع أكثر من أجرة المثل، طمعاً في الحصول على رقبة العين المعقود عليها، فيكون المشتري خاسراً للثمن والمثمن، ويكون البائع قد حصل على الثمن والمثمن، وفي هذا ظلم لأحد العاقدين. ووجه الغرر في هذه المعاملة هو دخوله في عقد على سلعة ربما تحصل له إذا سدد الأقساط، وربما لا تحصل له، فيكون قد دفع مالاً في لا شيء غير متحقق الوقوع، وإنما هو متردد بين الحصول وعدمه.
5 ـ أن العقدين عقد الإجارة والبيع متواردان على عين واحدة، وبالنظر للوقع العملي لهذه المعاملة يتبين وجود التنافي بين العقدين في بعض الآثار والأحكام، كالضمان، والصيانة، وغيرها من الأحكام، وذلك أن الضمان في عقد الإجارة يكون على المؤجر، وكذا الصيانة غير التشغيلية، بينما نجد في الواقع العملي أن الضمان، والصيانة، يكونان على المستأجر، ما يدل على أن حقيقة العقد ليست إجارة، وإنما بيع، أو أنها إجارة لكن اشترط فيها ما ينافي أحكامها.
ويتبين كذلك أنه لا يصح توارد العقدين على محل واحد في وقت واحد مع تنافي الأحكام والآثار.
وبهذا صدرت الفتاوى والقرارات بمنع هذه المعاملة، مثل قرار هيئة كبار العلماء، وقرار مجمع الفقه الإسلامي في جدة.
هذا, وقد اقترح تصحيح لهذه الصورة، كما في توصيات الندوة الفقهية الأولى لبيت التمويل الكويتي، ونصها: "إذا وقع التعاقد بين مالك ومستأجر على أن ينتفع المستأجر بمحل العقد بأجرة محددة بأقساط موزعة على مدد معلومة، على أن ينتهي هذا العقد بملك المستأجر للمحل، فإن هذا العقد يصح إذا روعي فيه ما يأتي:
‌أ- ضبط مدة الإجارة، وتطبيق أحكامها طيلة تلك المدة.
‌ب- تحديد مبلغ كل قسط من أقساط الأجرة.
‌ج- نقل الملكية إلى المستأجر في نهاية المدة بواسطة هبتها إليه، تنفيذاً لوعد سابق بذلك بين المالك والمستأجر.....".
وخلاصة رأي المصححين لهذه الصورة أنها تصح إذا روعيت ضوابط أبرزها:
1. أن يكون العقد عقد إجارة ترتب عليه آثاره وأحكامه طيلة المدة.
2. في حالة فسخ العقد يرجع المستأجر على المؤجر ما زاد عن أجرة المثل.
إلا أنه يؤخذ في الاعتبار ضرورة وجود جهة رقابية لتطبيق ذلك بشكل صحيح، وإلا فإن الواقع يدل على أن تطبيق هذه الصورة بما فيها من مآخذ هو الأكثر شيوعاً.
وعلى هذا فإن الصيغة التي يمكن تطبيقها للحصول على مميزات هذه الصيغة مع توافر السلامة الشرعية هي الإجارة المنتهية بتخيير المستأجر، أو الإجارة مع الوعد - غير الملزم - بالتمليك، مع مراعاة الضوابط التي توصل إلى التطبيق الصحيح.
* عضو هيئة التدريس في كلية الشريعة في الرياض