يا أمة المليار قد أظلكم الشهر المعيار تأملات في اقتصاديات شهر الصوم

حسام عبد الله

يا أمة المليار  قد أظلكم الشهر المعيار تأملات في اقتصاديات شهر الصوم

أحبتي في الله..

كثيراً ما كنت أقرأ عبارة تتكرر معي مراراً في كتب فقه السادة الأحناف عن خصوصية فريدة لشهر الصوم وردت في كثير من المراجع والمتون والشروح ..! لكني والحق أقول لكم لم أفقهه حقيقة هذه العبارة  ولم أقف على دقة معناها إلا عندما دخل شهر الصوم فرأيت بعيني الباصرتين وعقلت بجناني ولمست بجوارحي روح تلك العبارة وفحواها العظيمة.

وتجسدت أمامي أكمام وحجوم العناء والبحث والاستنباط والتقعيد عند أسلافنا من أفذاذ الفقهاء حيث خلصوا لنا واستخلصوا من أسفار الكتب الفقهية التي تئن من وطأة حملها الإبل والجمال هذه العبارة اللطيفة الحجم, الصغيرة النقش والرسم  العظيمة في المعنى والأثر والحكم ؟؟؟  فعندها أيقنت حقاً أن الفقيه ينظر بنور الله ... لاشك في ذلك ولا ريب؟؟

  • أما العبارة التي أسلفت الحديث عنها فهي كما وردت عند فقهاء السادة الأحناف: ((َ رَمَضَانَ مِعْيَارٌ لَمْ يُشْرَعْ فِيهِ صَوْمٌ آخَرُ ))[1].أي باختصار شهر رمضان: معيار لا يسع معه غيره من أنواع الصوم .
  • ولا أريد أن أقف أمام المعنى الحرفي الفقهي للعبارة كما شرحها الفقهاء في كتبهم (أن زمن رمضان زمن مخصوص بصوم رمضان ولا يقع الصوم أياً  كان نوعه إلا عن رمضان) .... بل أريد أن اذهب ابعد من ذلك وأغوص فيما وراء ذلك ...؟ فأقول رحم الله فقهائنا إذ فتحو لعقولنا الأبواب مشرعة لنلج من عباراتهم وقواعدهم إلى أفق أرحب للاجتهاد والاستنباط وكانوا هم من بذر لنا هذه البذرة وسقو لنا تلك النبتة وما كان منا إلا قطف الثمار وجمع الغلال؟؟
  • فصدق القائل منهم إذ يقول: الفقه زرعه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه, وسقاه علقمة النخعي, وحصده إبراهيم النخعي, وداسه حماد بن مسلم الكوفي, وطحنه أبو حنيفة, وعجنه أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم, وخبزه محمد بن الحسن الشيباني,  واكله سائر الناس [2].
  • وما هذا القول - أي العبارة الفقهية السابقة- إلا رد على من قال بأن باب الاجتهاد مغلق ؟؟؟ فأقول من قرأ عبارة كهذه في كتب الأئمة المجتهدين كيف له أن يصدق أن باب الاجتهاد مغلق وهو يرى بعينيه الباصرتين أنه مفتوح على مصراعيه؟؟
  • إن رمضان حقاً معيار...؟؟ معيار في كل شيء وليس بخصوص وقوع الصوم عن الشهر لا عن غيره فقط. وما حداني لكتابة هذا المقال إلا عظيم معنى المعيارية التي اقتصر فيها الفقهاء على الحكم التكليفي لفريضة الصوم ... لكني أرى في المعيارية التي تكلم عنها الفقهاء ما هو ابعد من ذلك .... وفيما يلي سأجمع للقراء الكرام فصولاً يسيرة عن بعض خصوصيات المعيارية الرمضانية في بعض الجوانب الاقتصادية فحسب لأن إدراك جوانب المعيارية لشهر الصوم دونه خرط القتاد [3] وهو أعظم من أن يستوعبه الباحث وأن يحيط بما تناثر من قواعد إيجازه. ولكن أسوق لكم ما ألهمني الله فهمه واستنباطه رغم  الذهن العليل  والفكر الكليل... والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل:

 

 

أركان المعيارية  الاقتصادية في نص نبوي واحد

 

  • عن سلمان الفارسي قال: )) خطبنا رسول الله صلى الله عليه و سلم في آخر يوم من شعبان فقال :

أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم شهر مبارك شهر فيه ليلة خير من ألف شهر جعل الله صيامه فريضة و قيام ليله تطوعا. من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه و من أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه. وهو شهر الصبر و الصبر ثوابه الجنة و شهر المواساة . و شهر يزداد فيه رزق المؤمن من فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه و عتق رقبته من النار و كان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجره شيء. قالوا: ليس كلنا نجد ما يفطر الصائم فقال : يعطي الله هذا الثواب من فطر صائما على تمرة أو شربة ماء أو مذقة لبن و هو شهر أوله رحمة و أوسطه مغفرة و آخره عتق من النار من خفف عن مملوكه غفر الله له و أعتقه من النار و استكثروا فيه من أربع خصال : خصلتين ترضون بهما ربكم و خصلتين لا غنى بكم عنهما فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله و تستغفرونه و أما اللتان لا غنى بكم عنهما فتسألون الله الجنة و تعوذون به من النار و من أشبع فيه صائما سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة)) [4].

 

 

 

البركة المضاعفة في كل شيء أهم المعايير الاقتصادية الرمضانية

  • فليس هناك أعظمُ بركة من أن يأتيَ للإنسان رزقُه من حيث لا يحتسب ولا يتوقع، وأن يكون اللهُ -عز وجل- هو حسبَه وكافيَه في تحقيق ما يؤمِّل. وأكثر ما يلمس الإنسان آثار هذه البركة الكثيرة المضاعفة وبشكل جلي واضح لا لبس فيه ولا شك في رمضان .
  • يقول الراغب الأصفهاني: "البركة هي ثبوت الخير الإلهي في الشيء".وما أظن أن زمنا من الأزمان ثبت فيه الخير الإلهي كرمضان . كيف وقد لفت نظرنا إلى ذلك الوحي الإلهي نفسه عندما قال (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر : 3]) فانظر معي إلى صفة الخيرية في الآية المتضمنة لمعنى البركة المضاعفة . وإنها للفتة كريمة من الحق جل وعلا أن أرشدنا إلى صفة الخيرية الزمنية في رمضان المتضمنة لمعنى البركة المضغوطة المضاعفة إن صح التعبير... فنحن لم نعهد في الزمن أن يكون مضغوطا على هذا النحو مما يضفي بركة زائدة يتميز بها هذا الشهر الكريم.  
  • ومن اللافت جدا أن يثور تساؤل في النفس مفاده  أنه لماذا تستنهض النصوص القرآنية والنبوية في نفس التالي والذاكر فكرة البركة في زمنٍ معيار كرمضان. ولعل الجواب من وجهين:

الأول: هو لفت نظر المكلف إلى أن البركة هي أعظم صفة تضفي على شهر الصوم رونقا خاصا يميزه, فضلا عن كونها الركيزة الرابعة من ركائز الاقتصاد الإسلامي التي تظهر في شهر اقتصادي معيار في كل شيء.

  وكما يقول الاقتصاديون ركائز الاقتصاد الإسلامي أربعة هي:  رأس المال وملكية المجتمع وملكية الفرد والبركة[5].

 الثاني: أن شهر الصوم هو شهر الاقتصاد في كل شيء  ومع الاقتصاد تظهر البركة ولعل هذا قد يكون جمعا بين الأضداد في نظر البعض. لكن هذه النتيجة ظهرت لي  من خلال ما لمسته من نصوص دينية وإسقاطاتها. وانظر معي إلى حديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم إذ يقول (ما عال من اقتصد)[6]. فالنص النبوي السابق يشير إلى أن انتفاء الفقر والعَيلة والحاجة وظهور عكسها من بركة ووفر يكون بالاقتصاد. وانظر إلى إمام الاقتصاد الحنفي أبي حنيفة النعمان  وما رزقه من فهم صحيح مستقيم لهكذا نصوص نبوية اقتصادية  وانظر كيف استخلص البراهين الحقيقية وقرر فكرة عظيمة ومهمة وهي أن البركة تكون مع الاقتصاد  ويظهر فهمه وتقريره لهذه القاعدة في القصة التالية: ((جاء رجل يشتكي حاله للإمام أبي حنيفة فقال له كم هو أجرك فقال الرجل ٥ دراهم، فقال له اذهب وأطلب من صاحب العمل أن يجعل راتبك ٤ دراهم. فذهب ورجع بعد أيام وقال ما زاد حالي إلا شقاءً، فقال أبو حنيفة اطلب من صاحب العمل أن يجعل أجرك ٣ دراهم فقط. فذهب ثم عاد إليه بعد مدة مسروراً وقال يا إمام استقر حالي، فقال أبو حنيفة هذا ما كنت تبحث عنه البركة وليست الزيادة في الأجر، فعندما أخذت ٣ دراهم وهي ما تستحق على هذا العمل الذي تقوم به بورك لك في أجرك)).

                                                                     

نقص الكم(عدد الدراهم) وانخفض دخل الرجل اقتصاديا  لكن البركة زادة وهذا ما يبحث عنه وهو مطلوب الناس.

  • قال ابن القيم - رحمه الله -: " البركة حقيقتها الثبوت واللزوم والاستقرار.

ولعل رمضان هو الشهر الوحيد بمعياريته في كل شيء  الذي تكون فيه البركة ذات صفة تحولية عجيبة فريدة تركب أساساً موجة الاستمرار والاستقرار على طول الشهر مع الاحتفاظ بعنصر التحول في البركة من الرحمة في أول الشهر(أوله رحمه) ثم التحول إلى عنصر المغفرة (أوسطه مغفرة) مع الحفاظ على عنصر الاستقرار والاستمرار ثم التحول وصولاً إلى الطور الثالث العتق من النار ( أخره عتق من النار) وبهذا كله تتمثل أيلولة وصيرورة فريدة لبركة مرت بأطوار ثلاث جللت بآخر ثمرة يتوق لبركتها كل مؤمن وهي العتق من النار وهذا منتهى البركة ونتاج العمل.

 

 

 

 

 

 

ارتباط الرزق والبركة بالإيمان معيار الهي لا ينخرم

          

  • هذه المعادلة هي اكبر برهان لا ينخرم قانونه أبدا أبدا... ومن يقلب جوانب الرزق وتنوعه وبذله من خالقه لعبادة في هذا الزمن (الفترة الإيمانية المباركة المتمثلة في شهر الصوم رمضان) يعلم مدى التناسب الطردي بين الإيمان والرزق .
  • عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :(من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له) .[7]

فرمضان هو تطبيق مرحلي مصغر لقاعدة جعل الآخرة هم العبد. وإظهار غنى القلب والإعراض عن زخرف الدنيا.. يحقق للعبد غنىً حقيقاً - لان حقيقة الغنى مبنية أساسا على القناعة المنبعثة من القلب وهي عنصر صعب التحقيق في ظل جو غير جو الإيمان إذ أن جو الإيمان يسكب في القلب هذه الخاصية ويترعه بها فينقلب الكفاف غنى وتنقلب الحاجة ثراءً - وعندها تأتيه الدنيا راغمه!

 

 

نظرية الأجور الرمضانية المضاعفة

يعتبر الأجر أو العوض المادي على صعيد المتاجرة والمآجرة- الإجارة- في الاقتصادي الإسلامي أهم عنصر يرمي إليه ويهدف العامل لأجل تحقيقه .. وكما يقول الاقتصاديون  (يعتبر الأجر من أهم التزامات صاحب العمل.. وهو حق شرع للعامل... واعتبروه  عائدا لعنصر مهم من عناصر الإنتاج.... إذ هو الدافع الرئيسي لعمل العامل, فإن كان عادلاً فهذا حافز كفيل لبذل العامل أقصى جهده في العمل)[8] وبرأيي مع اختلاف طبائع وخواص العمل الديني عن الدنيوي ... فإن العمل يبقى هو العمل .. والأجر هو الأجر.. مع الفارق في التوصيف .. فأجور الأعمال الدنيوية مقدمة أو مؤجله تبقى عينية أو نقدية... أما أجور الأعمال الدينية (ومنها الصوم في الشهر المعيار) هي أجور أخروية معنوية  بنظرنا نحن البشر ما دمنا ننظر إليها من ساحة الدنيا (الفانية) لكن لو نظرنا إلى تلك الأجور من ساحة الحق جل وعلا (من مشاهد القيامة) لكن الأمر مختلفاً  جداً ولكنا أكثر استصغارا لأجر الدنيا ولرأيناه أكثر ضئالة أمام عظمة أجور الآخرة.

وانطلاقا من هذه القاعدة سيقدم الباحث مقارنة بين نظريتي الأجور الدنيوية والأخروية اعتمادا على أساس الأعمال في الشهر المعيار ونحاول أن نظهر مدى التشابه بين القاعدتين في الأسس مع اختلاف طبيعة كل اجر وذلك وفق ما يلي:

  • ذكرت كلمة أجر في القران الكريم ( 105) مره واشتملت على معان كثيرة . منها (الأجر: الثواب الأخروي على العمل) ويقصد به الثواب من الله سبحانه وتعالى ..(( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا)) [الكهف : 30].

وعندما يقول المولى جل وعلا في الحديث القدسي (( الصوم لي وانأ اجزي به))... تُرى أي جزاء يقصد .. أليس الأجر الأخروي على العمل.... البدني... الديني... الشاق المتعب والمرهق (الصوم). وبإجراء مقاربة ومقارنه بسيطة بين العمل البدني كله سواء .. أكان العامل يعمل(عملاً دنيوياً) بالأجرة لصاحب العمل أو يعمل(عملا أخروياً) (متعبدا) لصاحب العمل(الله). أليس التعب هو التعب والمشقة هي المشقة... وصحيح أن العامل بالأجر الدنيوي (المال) يكون بهذا المال قوام حياته .... لكن بالأجر الأخروي قوام آخرته وهي مقدمة على دنياه ولا غنى له بأحدهما دون الأخرى.

 لكن بما أن الدنيا فانية والآخرة هي الباقية فلا ينبغي الاكتفاء بقروش يسيرة والإعراض وإغفال حجوم هائلة من الأجور الأخروية الباقية الخالدة... ولا ينبغي أن يغرب عن ذهننا أن  الله عز وجل جعل حتى العمل الدنيوي المشروع المقرون بنية الإخلاص عبادة  وهذا مزج للأعمال الدنيوية وتحويلها لأعمال أخروية مما يجعلنا أمام حالة  تستلزم النظر جيدا بقيمة الأجور الدنيوية أمام عظمة الأجور الأخروية ولولا أن الأجور الأخروية أجزى لما حكم الله على الأعمال الدنيوية الصالحة المقرونة بالنيات الصادقة بأنها عباده من العبادات وقربة من القربات.

 ولو تأملنا في خصوصية أجر الصوم كصفة معيارية فإنه له خصوصية معيارية هامه جداً ومميزة لا بل  ادخارية مرجحه. فالصوم لا يخضع لقاعدة الحسم والمخاصمة عند نصب الموازين وفرش الدواوين للحساب, وبه يعرف عظم وخصوصية أجر العمل الأخروي ... فثواب الصوم لا يخضع للمقاصة ويدخره المولى جل وعلا كله من غير تنقيص ليصبه كأجر مدخر مرجح لكفة الحسنات على كفة السيئات  فيكون آخر الأجور وزناً وحسما لمادة النزاع وبه يتقرر المصير بهذا الأجر إما إلى جنة أو إلى نار ويعرض أمر آخر وهو كرم وجود رب العمل (الله)  الذي سمى نفسه (الجواد - الكريم) وما سيجود به من مضاعفة الأجر للأجير على عمله في ساعة الحسم ولحظة الحرج وكل يذلك يتبع مدى الإخلاص في العمل ودقة أداءه على الوجه الذي ينبغي  .

(الصوم لي وأنا اجزي به) : أي أن المراد بقوله [ وأنا أجزي به ] أي أن الله انفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته ، والصوم موكل إلى سعة جوده وغيب علمه.

وعوداً على ما يقوله الاقتصاديون فإن هذا الحديث يثبت التزام رب العمل (وهو هنا في الحديث الله عز وجل) بالأجر لأن العمل له كما هو واضح من قوله (الصوم لي) وهو من سيكافئ العامل ويعطيه أجره (وأنا اجزي به) لا بل إن هذا الأجر محفز جداً لأنه رب العمل جواد سخي ترك لنفسه حجم مضاعفة الأجر حسبما يليق بجلاله جل وعلا, وهو حتماً أجر عادل مطلقاً.

 

 

 

العقلانية في سلوك المستهلك

 

كذلك من المعايير الاقتصادية في الشهر المعيار هو العقلانية الراشدة في الاستهلاك والتي حث الله عز وجل ونبيه عليها .(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) [البقرة : 143].

فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطنٍ , بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه , فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه)).

فهذا الحديث من لطائفه أنه كان سبب إسلام طبيب أمريكي ، ولما سئل عن سبب إسلامه قال: أنا أسلمت على حديث واحد، وعلى آية واحدة!!.قالوا له ما الحديث: قال: الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: ((بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فاعلا، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه ، وثلث لنفسه))؛ يقول: هذا أصل عظيم من أصول الطب، ولو أن الناس نفذوه ما كاد يمرض أحد.

فهنا يشير الحديث إلى آلية التوازن في الاستهلاك ,  كما أنه يكرس  وسطية الإسلام في استهلاك الطعام والشراب، فقد وقى الإسلام أفراده بهذا المبدأ من الوقوع في الأمراض. فليس الهدف من خلق الإنسان الأكل , فهو يأكل ليعيش ولا يعيش ليأكل.وبما أن الناس اليوم قلبوا وغيروا وشوهوا قواعد الاقتصاد والاستهلاك في رمضان فبدل أن يكون رمضان شهر الاقتصار والاقتصاد في النفس والمأكل والمشرب فقد حولوه إلى شهر المبالغة والإسراف في الاستهلاك. وهنا يحصل سوء العاقبة وتختل آلية التوازن في الاستهلاك التي تكلم عنها النبي صلى الله عليه وسلم وتنهار حواجز الأثلاث الثلاثة (ثلث لطعامك- ثلث لشرابك – ثلث لنفسك) وتختلط اختلاطاً مضراً بالمستهلك الصائم أيما ضرر.

ولهذا الحديث قصة طريفة، وحوار جرى بين طبيب ألماني، وصحفي مسلم، في إحدى مستشفيات ألمانيا. قال الطبيب الألماني للصحفي المسلم: ما سبب تأخر المسلمين عن الحضارة والنهضة؟ فأجابه الصحفي المسلم – طبعا مسلم بالهوية -: إن سبب تأخر المسلمين هو الإسلام!! فأمسكه الطبيب من يده، وذهب به إلى جدار قد علقت عليه لوحة، فقال له: اقرأ الكلمات المكتوبة على هذه اللوحة، فإذا فيها الحديث الشريف الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما ملأ آدمي وعاء.....الحديث)). وعند نِهاية الحديث قد كُتب، القائل: محمد بن عبد الله!!!
فقال الطبيب الألماني للصحفي المسلم: أتعرف هذا؟ قال: نعم هذا نبينا..
فقال له: نبيكم يقول هذا الكلام العظيم، وأنت تقول: إن سبب تأخركم هو الإسلام!!
وختم الألماني الحوار بقوله: للأسف إن جسد محمد عندكم، وتعاليمه عندنا؟!.

وانظر إلى ما أثر عن أمنا عائشة في تصوير أيلولة هذا الاختلاط في الأثلاث  الثلاثة: قالت عائشة رضي الله عنها : ( إن أول بلاء حدث في هذه الأمة بعد قضاء نبيها صلى الله عليه وسلم : الشبع ، فإن القوم لما شبعت بطونهم سمنت أبدانهم ، فتصعبت قلوبهم ، وجمحت شهواتهم)[9].

فالشبع دمر آلية التوازن في الاستهلاك فظهرت في الأمة طفرات السمن والأوجاع التي لم يعرف لها اليوم دواء.

 

 

 

 

 

 

                



[1]حاشية رد المحتار - (2 / 415) : تفسير هذه العبارة  من متون المذهب الحنفي (( أن شهر رمضان معيار للصوم حتى لو نوى نفلا واجبا آخر يقع عن الفرض)) أي أن شهر رمضان لا يسع معه غيره... وكأنه ثوب لا يسع معه غيره  فأي صوم  أراد المكلف أن يصومه في شهر الصوم كنذر واجب عليه قضاؤه أو أراد أن يقضي ما افطره من رمضان سابق أو أراد أن يصوم كفارة صيام في رمضان فكل هذا لا يصح وذلك لحرمة الوقت وفضيلة الشهر وتقدم الفريضة على ما سواها في هذا الزمن المقدس.

 

[2]  قوله : وقد قالوا الفقه ) أي الفقه الذي استنبطه أبو حنيفة أو أعم .
(قوله : زرعه ) أي أول من تكلم باستنباط فروعه عبد الله بن مسعود الصحابي الجليل ، أحد السابقين والبدريين والعلماء الكبار من الصحابة . أسلم قبل عمر رضي الله تعالى عنهما . قال النووي في التقريب : وعن مسروق أنه قال : انتهى علم الصحابة إلى ستة : عمر وعلي وأبي وزيد وأبي الدرداء وابن مسعود ، ثم انتهى علم الستة إلى علي وعبد الله بن مسعود .

) قوله : وسقاه ) أي أيده ووضحه علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك النخعي الفقيه الكبير ، عم الأسود بن يزيد وخال إبراهيم النخعي . ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ القرآن والعلم عن ابن مسعود وعلي وعمر وأبي الدرداء وعائشة .

)قوله : وحصده ) أي جمع ما تفرق من فوائده ونوادره وهيأه للانتفاع به إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود أبو عمران النخعي الكوفي ، الإمام المشهور الصالح الزاهد . روى عن الأعمش وخلائق توفي سنة ست أو خمس وتسعين .

) قوله : وداسه ) أي اجتهد في تنقيحه وتوضيحه حماد بن مسلم الكوفي شيخ الإمام وبه تخرج . وأخذ حماد بعد ذلك عنه ، قال الإمام أبو حنيفة ما صليت صلاة إلا استغفرت له مع والدي مات سنة مائة وعشرين .

) قوله : وطحنه ) أي أكثر أصوله وفرع فروعه وأوضح سبله إمام الأئمة وسراج الأمة أبو حنيفة النعمان ، فإنه أول من دون الفقه ورتبه أبوابا وكتبا على نحو ما عليه اليوم ، وتبعه مالك في موطئه ، ومن كان قبله إنما كانوا يعتمدون على حفظهما . وهو أول من وضع كتاب الفرائض وكتاب الشروط ، كذا في الخيرات الحسان في ترجمة أبي حنيفة النعمان للعلامة ابن حجر.

(قوله : وعجنه ) أي دقق النظر في قواعد الإمام وأصوله واجتهد في زيادة استنباط الفروع منها ، والأحكام تلميذ الإمام الأعظم أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم قاضي القضاة ، فإنه كما رواه الخطيب في تاريخه أول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة ، وأملى المسائل ونشرها وبث علم أبي حنيفة في أقطار الأرض ، وهو أفقه أهل عصره ، ولم يتقدمه أحد في زمانه ، وكان النهاية في العلم والحكم والرياسة . ولد سنة ( 113 ) وتوفي ببغداد سنة ( 182 ).

( قوله : وخبزه ) أي خبزه محمد من عجين أبي يوسف من طحين أبي حنيفة  أي زاد في استنباط الفروع وتنقيحها وتهذيبها وتحريرها بحيث لم تحتج إلى شيء آخر الإمام محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة وأبي يوسف محرر المذهب النعماني ، المجمع على فقاهته ونباهته .

[3] القتاد شجر كثير الشوك والخرط بمعنى نزع لحاء الشجر جذبا بالكف
أي أهون من ذلك الأمر نزع لحاء القتاد الممتلئ شوكا باليد
فإذا قيل دونه خرط القتاد فقد عني دونه نزع الشوك الكثير

[4] صحيح ابن خزيمة , المكتب الإسلامي - بيروت ، ج3, ص/191/, برقم (1887).

تحقيق : د. محمد مصطفى الأعظمي

 

[5]  عادل عبد الله الفهيم- البركة في الاقتصاد الاسلامي, مقال بمجلة البيان - 10 فبراير 2013م .

[6] مسند أحمد- برقم/4269/.

[7] سنن الترمذي - (4 / 642)

[8] نظرية الأجور في الاقتصاد الإسلامي-  عدنان ربابعة- ص/6/. جامعة اليرموك.

 

[9] رواه البخاري في "الضعفاء" – كما عزاه إليه الذهبي في "ميزان الاعتدال" (3/335) - ورواه ابن أبي الدنيا في "الجوع" (رقم/22).