المعايير التقنية المتبعة في وسائل التطهير الحديثة ومدى مراعاتها للأسس والضوابط الشرعية في ضوء اجتهادات الفقه الحنفي

حسام علي عبد الله

المعايير التقنية المتبعة في وسائل التطهير الحديثة ومدى مراعاتها للأسس والضوابط الشرعية في ضوء اجتهادات الفقه الحنفي

 

  • مقدمة

تشغل الطهارة حيزاً كبيرا ومهماً في حياة المسلمين,  وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم نسبة هذا الحيز إلى الدين عموماً بقوله (الطهور شطر الإيمان )[1], أي النصف. فهذه نسبة كبيرة لا يستهان بها, ولولا أهميتها العظيمة لما كان لها هذا الحيز الضخم مقارنة مع سائر الشعائر التعبدية الأخرى.

ولا عجب أن نرى أن الإسلام جعل الطهارة شرطا مهماً  وأساسياً يشترط تحصيله مقدماً  لصحة وقبول كثير من الفرائض والشعائر التعبدية كالصلاة والحج والطواف وسجود التلاوة وتلاوة القرآن ومس المصحف ونحوه من الشعائر التعبدية الأخرى الأمر الذي يقطع بأهمية هذه الطهارة.

وبما أن موضوع بحثنا عن وسائل التطهير الحديثة (الغسالات الأوتوماتيكية وما تؤديه من دور في تطهير الثياب ونظافتها) فإن الكلام عن تطهير الثياب التي هي بمثابة ظرف مادي تُؤدى به ومن خلاله الفرائض (صلاة- حج.... الخ ). وباعتبار أنه يفترض به أن يكون ساتراً للعورة  فقد أكد الفقه الإسلامي على أن يكون  هذا الثوب نقياً طاهراً من الدنس ليتحقق أهم شروط من شروط العبادة .

 ومن يتتبع عبارات الاجتهاد الحنفي وما جاء في الفروع الفقهية يجد أنها تفيض بذكر مئات لا بل آلاف الجزئيات التي تعرض لمسائل تطهير الثياب والبدن ووسائل ذلك. ونجد أنها تضع ضوابط وقواعد لتلك المسائل تكون بمثابة سلك ينظم عقدها.

  • هل تحقق وسائل التطهير الحديثة (الغسالات الأوتوماتيكية)- ضوابط وقواعد التطهير التي نص عليها الفقهاء في كتبهم  وتتماشى معها ؟

 تعتبر وسائل التطهير الحديثة نموذجا حضارياً تنعكس فيه آيات الرقي والحداثة, فضلاً عما تشكله تلك الوسائل من  نعمة كبيرة في مجال النظافة وإزالة  ما يصيب الثياب من قذى واتساخ.

 فهي آلات تقنية مبرمجة وفق أسس وبرامج علمية دقيقة مدروسة بشكل علمي.  ومع هذا كله لا يزال كثير من الناس يقف موقف المرتاب أحيانا أو الحَذِرْ المحتاط أحيانا أخرى من آلية التطهير المتبعة في هذا التقنية. متسائلين هل تراعي هذه الوسائل الدقة المطلوبة في التطهير بما يجعل النفس تطمئن إليها أم هناك ثغرات ومآخذ لم ينتبه لها الناس بعد ولم يقفوا على مثالبها ؟

ولا تزال الأسئلة تتوارد على العلماء والمفتين بخصوص مدى الطمأنينة التي تحققها تلك الوسيلة التقنية من خلال مراحل التطهير التي برمجة في ذاكرة هذه الآلة, والتي يخضع لها الثوب من خلال عملية الغسل فيها؟

يحاول الباحث هنا ربط الأسس والضوابط الشرعية المتبعة في وسائل التطهير التي نص عليها الفقهاء في ضوء الاجتهاد الحنفي ومقارنتها  وإسقاطها على آلية عمل هذه الوسائل الحديثة في تطهير الثياب والوقوف على مدى الدقة وحدود النسبة  التطهيرية التي تراعيها تلك الآلات من خلال مراحل التطهير المتبعة في برمجة هذه الآلة. وذلك وفق التالي:

  • أهمية هذه الدراسة
  • من أهم الأسباب التي دفعتني للبحث فقهياً وتطبيقياً في هذا الموضوع عدة أمور.

1)  الاضطراب والتباين في الفتاوى الصادرة عن المفتين وما يكتنفها من غموض حول ما تورثه تلك التقنية الحديثة من طمأنينة في التطهير تنعكس على الطمأنينة في عبادة المكلف ككل.

2)  اقتصار أغلب الفتاوى على الجواب بنعم أولا! مع توضيح يسير لا يفي بالغرض ولا يعطي للمستفتي تفسيراً فقهياً أصيلاً يرتاح إليه ويقتنع به. كما أنها لا توضح له الأسس التي تم الاعتماد عليها في تخريج هذه الُفتيا. كما أنني لم ألمس أي مقارنة فعلية حقيقية وجادة بين آلية التطهير المتبعة في هذه الآلة وبين ما نص عليه الفقهاء وقننوا فيه قواعد التطهير وقعَّدوها مع سهوله ويسر ذلك . بل بقي الكلام سطحياً ظاهرياً غير مبني على علل أو ضوابط فقهية,  فهو بالتالي لا يُرضي السائل ولا يقنعه فضلاً عن أن يورثه طمأنينة في الطهارة تنعكس على عبادته.

  • وفيما عرض لبعض الفتاوى المطروحة من قبل الناس في عدد من المواقع الدينية يُلحظ من خلالها ما ذكره الباحث سابقاً.

الفتوى رقم (1)

السؤال موجه لفضيلة الدكتور  أحمد الحجي الكردي في موقع درر الإسلام[2]

السلام عليكم قبل فترة من سنة تقريبا قرأت أن الغسالة الأوتوماتيكية تطهر الملابس النجسة حتى لو لم يزل أثر النجاسة. قرأتها في هذا الموقع لكن وأنا أقرأ اليوم في الفتاوى وجدت أنه لا تطهر الثياب إلا إذا ذهب أثر النجاسة لكن إلى فترة كبيرة أضع الملابس النجسة مع الطاهرة في الغسالة الأوتوماتيكية وأغلسها تقريبا من سنة. أحيانا تذهب أثر النجاسة وأحيانا لا يذهب أثره تماما، ماذا أعمل الآن، لا أعرف الثياب النجسة من الطاهرة، الملابس كثيرة ولن أقدر أن أميز، عدى البيت بهذا سيكون كله نجسا، أنا دون شيء موسوسة كثيرا وصار عندي كسل بالعبادات من هذه الوسوسة، أنا متأكدة أني قرأت أنها تطهر بهذي الطريقة لذا ما كنت أهتم. ماذا أعمل الآن خصوصا أني أذهب المسجد كثيرا؟

الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، والتابعين، ومن تبع هداهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
الغسالة الآلية) الأوتوماتيكية) تطهر الثياب النجسة إذا زال بها أثر النجاسة عنها، لأنها تغسل و تعصر ثلاث مرات، وصفي لنا أثر النجاسة التي ترينه على الثياب لنبين لك الحكم. والله تعالى أعلم

الفتوى رقم (2)

السؤال لقد اطلعت على بعض الفتاوى الخاصة بغسل الثياب في الغسالات العادية سؤالي حول غسل الثياب الطاهرة والنجسة بالغسالة الأوتوماتيكية التي تقوم بعصر الملابس وتبديل الماء كذا مرة إلى أن ينتهي البرنامج الخاص بها والذي قد يستمر لساعة أو أكثر . أفيدونا وفقكم الله.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد: فغسل الثياب النجسة في الغسالة الأوتوماتيكية التي يرد الماء فيها على الثياب ثم تعصرها ثم تصرف الماء يطهرها إذا زالت النجاسة.[3]

 

صورة المسألة من كتب الفقه الحنفي

 

  • يقول الغنيمي في اللباب:[(وتطهير) محل (النجاسة التي يجب غسلها على وجهين)، لأن النجاسة إما أن تكون لها عين مرئية أو لا(فما كان له منها عين مرئية) كالدم (فطهارتها) أي النجاسة، والمراد محلها (زوال عينها) ولو بمرة على الصحيح، وعن الفقيه أبي جعفر أنه يغسل مرتين بعد زوال العين، إلحاقاً لها بغير مرئية غسلت مرة (إلا أن يبقى من أثرها) كلون أو ريح (ما يشق إزالته) فلا يضر بقاؤه، ويغسل إلى أن يصفو الماء، على الراجح، والمشقة: أن يحتاج في إزالته إلى غير الماء القراح كحرض أو صابون أو ماء حار (وما ليس له عين مرئية) كالبول (فطهارتها أن يغسل): أي محل النجاسة (حتى يغلب على ظن الغاسل أنه) أي المحل (قد طهر) لأن التكرار لابد منه للاستخراج، ولا يقطع بزواله، فاعتبر غالب الظن، كما في أمر القبلة، وإنما قدروا بالثلاث لأن غالب الظن يحصل عنده؛ فأقيم السبب الظاهر مقامه تيسيراً، ويتأيد ذلك بحديث المستيقظ من منامه ثم لابد من العصر في كل مرة في ظاهر الرواية، لأنه هو المستخرج. هداية ][4].

 

 يمكن الاستفادة من الكلام الدقيق الذي فصله الإمام الغنيمي في بناء حكم فقهي واضح المعالم يستند إلى رؤية فقهية مستوعبه للدقائق  الفقهية المتعلق بكيفية تطهير نوعي النجاسة وآلية هذا التطهير .وهذا الكلام الدقيق سيكون أُسا يبنى عليه جزء مهم من الحكم  الفقهي الذي نحن بصدد تحريه وتخريجه وهو ما يسأل عنه الناس والمتمثل بــــ هل الغسالات الأوتوماتيكية تطهر الثياب.

يفرق الغنيمي بين نوعين من النجاسة: ماله عين مرئية و ما ليس  له عين مرئية:

1)  فما كان له عين مرئية:كالدم فطهارته بزوال عينه ولو بمرة على الصحيح، وعن الفقيه أبي جعفر أنه يغسل مرتين بعد زوال العين. لكن إذا بقي اثر كلون أو ريح (مما يشق إزالته) فلا يضر بقاؤه، ويغسل إلى أن يصفو الماء، على الراجح.

  • والمشقة: أن يحتاج في إزالته إلى غير الماء القراح كحرض أو صابون أو ماء حار. ففي هذا التفصيل يلحظ أن الإمام الغنيمي أشار إلى العناصر التالية التي يمكن أن تكون جزء أساسياً ضمن برنامج عمل الغسالات الأوتوماتيكية بوجه من الوجوه وهي:

العنصر الأول: زوال عين النجاسة المرئية وآثارها.

العنصر الثاني:  المشقة  وضابطها.

العنصر الثالث: تكرار الغسل حتى يغلب على ظن الغاسل طهارة المحل- وقد قدر بالثلاث-, هذا في النجاسة غير المرئية.

2)  ما كان له عين غير مرئية كالبول فطهارته أن يغسل أي محل النجاسة(حتى يغلب على ظن الغاسل أنه قد طهر.

  • أما العنصر الأول: (زوال عين النجاسة المرئية وآثارها). فالملاحظ في الغسالات الأوتوماتيكية أنها  تراعي هذا الشرط في برنامج التطهير الخاص بها, وعملية التكرار(إلى حد الثلاث) في الغسل المتبع في برنامج  الآلة إنما هو من اجل تحصيل ذلك ما أمكن , ومحاولة قلع عين النجاسة وآثار بشكل كلي. لكن قد يحصل أن تزول عين النجاسة ويبقى شيء من آثارها كلون مثلاً.
  •  فهنا نكون أمام حالة المشقة وهي العنصر الثاني الذي أشار إليه الغنيمي .

والملاحظ أيضاً أن الغسالات الأوتوماتيكية تراعي هذا العنصر في آلية التطهير المتبعة في برنامجها فهي تسخن الماء إلى درجات حرارة عاليه مناسبة تساعد في قلع النجاسة- هذا في المرحلة الثانية من مراحل برنامج تطهير الثياب في الغسالات الأوتوماتيكية- كما أنها تستخدم مسحوق التنظيف (الصابون). وهذه الوسائل (تسخين الماء- المنظفات) من أهم عناصر التطهير في الغسالات الأوتوماتيكية التي تهدف إلى قلع عين النجاسة وأثرها لا بل هي من ضمن أساسيات برنامج تطهير الغسالات الأوتوماتيكية.

  • أما العنصر الثالث: تكرار الغسل حتى يغلب على ظن الغاسل طهارة المحل. هذا في النجاسة غير المرئية. صحيح أن هذا العنصر تراعيه الغسالات الأوتوماتيكية إذ يتكرر صب الماء والغسل ثلاث مرات حتى يغلب على الظن أن الثوب المتنجس قد طهر.

لكن يواجه هذا العنصر إشكالية تتمثل بالتالي: وهو أمر يجب الانتباه إليه, وهو أن الثياب التي توضع في الغسالات الأوتوماتيكية منها ما هو متنجس بنجاسة مرئية ومنها ما هو متنجس بنجاسة غير مرئية. وبالتالي فإن عملية التكرار في صب الماء وفض الثياب في الغسالة الأوتوماتيكية أمر لا يختص بالثياب المتنجسة بنجاسة غير مرئية فقط, بل يشمل ما كان متنجساً بنجاسة مرئية أيضاً.  وبالتالي فإن تكرار الغسل حتى يغلب على ظن الغاسل طهارة المحل. لم يعد أثره مقتصرا على الثياب المتنجسة بنجاسة غير مرئية,  وفي هذه الجزئية بالذات يحصل الخلط في  الضوابط الفقهية التي ذكرها الفقهاء.

وحسب رأيي فإن هذا الأمر هو سبب الأشكال الواقع في أذهان الناس إذ ليس من المعقول أن يفرز أهل البيت الثياب كل على حده. فضلا عن صعوبة ذلك إن لم نقل انه يستحيل ذلك لأنه ليس بمقدور كل إنسان أن يميز في ثيابه وثياب أهل بيته بين ما هو مرئي النجاسة وبين ما هو غير مرئي فعندها يصبح الأمر اقرب إلى حد التكليف بما لا يطاق وهو ما تريد الشريعة نفيه عن التكاليف لا بل الوصول بالمكلفين إلى اليسر والسهولة والبعد عن المشقة .

 

 

 

  • وجاء في البحر الرائق :[ قَوْلُهُ ( وَالنَّجَسُ الْمَرْئِيُّ يَطْهُرُ بِزَوَالِ عَيْنِهِ إلَّا ما يَشُقُّ ) أَيْ يَطْهُرُ مَحَلُّهُ بِزَوَالِ عَيْنِهِ لِأَنَّ تَنَجُّسَ الْمَحَلِّ بِاعْتِبَارِ الْعَيْنِ فَيَزُولُ بِزَوَالِهَا وَالْمُرَادُ بِالْمَرْئِيِّ ما يَكُونُ مَرْئِيًّا بَعْدَ الْجَفَافِ كَالدَّمِ وَالْعَذِرَةِ وما ليس بِمَرْئِيٍّ هو ما لَا يَكُونُ مَرْئِيًّا بَعْدَ الْجَفَافِ كَالْبَوْلِ كَذَا في غَايَةِ الْبَيَانِ وهو مَعْنَى ما فَرَّقَ بِهِ في الذَّخِيرَةِ بِأَنَّ الْمَرْئِيَّةَ هِيَ التي لها جُرْمٌ وَغَيْرُ الْمَرْئِيَّةِ هِيَ التي لَا جُرْمَ لها وَأَطْلَقَهُ فَشَمَلَ ما إذَا زَالَتْ الْعَيْنُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ فإنه يَكْتَفِي بها وَهَذَا هو الظَّاهِرُ وَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ وَأَفَادَ أنها لو لم تَزُلْ بِالثَّلَاثِ فإنه يَزِيدُ عليها إلَى أَنْ تَزُولَ الْعَيْنُ  وَإِنَّمَا قال يَطْهُرُ بِزَوَالِ عَيْنِهِ.............وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ إلَّا ما شَقَّ اسْتِثْنَاءُ ما شَقَّ إزَالَتُهُ من أَثَرِ النَّجَاسَةِ لَا من عَيْنِهَا...........   وَتَفْسِيرُ الْمَشَقَّةِ أَنْ يَحْتَاجَ في إزَالَتِهِ إلَى اسْتِعْمَالِ غَيْرِ الْمَاءِ كَالصَّابُونِ وَالْأُشْنَانِ أو الْمَاءِ الْمَغْلِيِّ بِالنَّارِ كَذَا في السِّرَاجِ.......قَوْلُهُ ( وَغَيْرُهُ بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا وَبِالْعَصْرِ في كل مَرَّةٍ) أَيْ غَيْرِ المرئي ( ( ( المرئي ) ) ) من النَّجَاسَةِ يَطْهُرُ بِثَلَاثِ غَسَلَاتٍ وَبِالْعَصْرِ في كل مَرَّةٍ لِأَنَّ التَّكْرَارَ لَا بُدَّ منه لِلِاسْتِخْرَاجِ وَلَا يُقْطَعُ بِزَوَالِهِ فَاعْتُبِرَ غَالِبُ الظَّنِّ كما في أَمْرِ الْقِبْلَةِ وَإِنَّمَا قَدَّرُوا بِالثَّلَاثِ لِأَنَّ غَالِبَ الظَّنِّ يَحْصُلُ عِنْدَهُ فَأُقِيمَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ مَقَامَهُ تَيْسِيرًا ويتأيد ذلك بِحَدِيثِ الْمُسْتَيْقِظِ من مَنَامِهِ حَيْثُ شَرَطَ الْغَسْلَ ثَلَاثًا عِنْدَ تَوَهُّمِ النَّجَاسَةِ فَعِنْدَ التَّحَقُّقِ أَوْلَى ولم يَشْتَرِطْ الزِّيَادَةَ في الْمُتَحَقِّقِ لِأَنَّ الثَّلَاثَ لو لم تَكُنْ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ حَقِيقَةً لم تَكُنْ رَافِعَةً لِلتَّوَهُّمِ ضَرُورَةً كَذَا في الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وفي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ التَّقْدِيرَ بِالثَّلَاثِ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لو غَلَبَ على ظَنِّهِ زَوَالُهَا بِمَرَّةٍ أو مَرَّتَيْنِ لَا يَكْفِي وَظَاهِرُ أن ما في الْهِدَايَةِ أَوَّلًا أَنَّهُ يَكْفِي لِأَنَّهُ اُعْتُبِرَ غَلَبَةُ الظَّنِّ وَآخِرًا أَنَّهُ لَا بُدَّ من الزِّيَادَةِ على الْوَاحِدَةِ حَيْثُ قال لِأَنَّ التَّكْرَارَ لَا بُدَّ منه لِلِاسْتِخْرَاجِ وَالْمُفْتَى بِهِ اعْتِبَارُ غَلَبَةِ الظَّنِّ من غَيْرِ تَقْدِيرٍ بِعَدَدٍ كما صَرَّحَ بِهِ في مُنْيَةِ الْمُصَلِّي  وَصَرَّحَ الْإِمَامُ الْكَرْخِيُّ في مُخْتَصَرِهِ بِأَنَّهُ لو غَلَبَ على ظَنِّهِ أنها قد زَالَتْ بِمَرَّةٍ أَجْزَأَهُ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ الاسبيجابي وَذَكَرَ في الْبَدَائِعِ أَنَّ التَّقْدِيرَ بِالثَّلَاثِ ليس بِلَازِمٍ بَلْ هو مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِهِ وفي السِّرَاجِ اعْتِبَارُ غَلَبَةِ الظَّنِّ مُخْتَارُ الْعِرَاقِيِّينَ وَالتَّقْدِيرُ بِالثَّلَاثِ مُخْتَارُ الْبُخَارِيِّينَ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ إنْ لم يَكُنْ مُوَسْوِسًا وَإِنْ كان مُوَسْوِسًا فَالثَّانِي ا ه وَاشْتِرَاطُ الْعَصْرِ في كل مَرَّةٍ هو ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ لِأَنَّهُ هو الْمُسْتَخْرَجُ كَذَا في الْهِدَايَةِ  وفي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ يَكْتَفِي بِالْعَصْرِ مَرَّةً وَاحِدَةً وهو أَرْفَقُ وَعَنْ أبي يُوسُفَ الْعَصْرُ ليس بِشَرْطٍ كَذَا في الْكَافِي ثُمَّ اشْتِرَاطُ الْعَصْرِ فِيمَا يَنْعَصِرُ إنَّمَا هو فِيمَا إذَا غُسِلَ الثَّوْبُ في الْإِجَّانَةِ أَمَّا إذَا غَمَسَ الثَّوْبَ في مَاءٍ جَارٍ حتى جَرَى عليه الْمَاءُ طَهُرَ وَكَذَا ما لَا يَنْعَصِرُ وَلَا يُشْتَرَطُ الْعَصْرُ فِيمَا لَا يَنْعَصِرُ وَلَا التَّجْفِيفُ فِيمَا لَا يَنْعَصِرُ وَلَا يُشْتَرَطُ تَكْرَارُ الْغَمْسِ .....وَأَمَّا حُكْمُ الْغَدِيرِ فَإِنْ غَمَسَ الثَّوْبَ بِهِ فإنه يَطْهُرُ وَإِنْ لم يَنْعَصِرْ وهو الْمُخْتَارُ وَأَمَّا حُكْمُ الصَّبِّ فإنه إذَا صَبَّ الْمَاءَ على الثَّوْبِ النَّجِسِ إنْ أَكْثَرَ الصَّبَّ بِحَيْثُ يَخْرُجُ ما أَصَابَ الثَّوْبَ من الْمَاءِ وَخَلَفَهُ غير ثَلَاثًا فَقَدْ طَهُرَ لِأَنَّ الْجَرَيَانَ بِمَنْزِلَةِ التَّكْرَارِ وَالْعَصْرَ وَالْمُعْتَبَرُ غَلَبَةُ الظَّنِّ هو الصَّحِيحُ وَعَنْ أبي يُوسُفَ إنْ كانت النَّجَاسَةُ رَطْبَةً لَا يُشْتَرَطُ الْعَصْرُ وَإِنْ كانت يَابِسَةً فَلَا بُدَّ منه وَهَذَا هو الْمُخْتَارُ كَذَا في السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وفي التَّبْيِينِ وَالْمُعْتَبَرُ ظَنُّ الْغَاسِلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْغَاسِلُ صَغِيرًا أو مَجْنُونًا فَيُعْتَبَرُ ظَنُّ الْمُسْتَعْمِلِ لِأَنَّهُ هو الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ ا ه وَتُعْتَبَرُ قُوَّةُ كل عَاصِرٍ دُونَ غَيْرِهِ خُصُوصًا على قَوْلِ أبي حَنِيفَةَ أن قُدْرَةَ الْغَيْرِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ وعليه الْفَتْوَى فَلَوْ كانت قُوَّتُهُ أَكْثَرَ من ذلك إلَّا أَنَّهُ لم يُبَالِغْ في الْعَصْرِ صِيَانَةً لِثَوْبِهِ عن التَّمْزِيقِ لِرِقَّتِهِ قال بَعْضُهُمْ لَا يَطْهُرُ وقال بَعْضُهُمْ يَطْهُرُ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ وهو الْأَظْهَرُ كَذَا في السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ][5]

بعد هذا السرد الطويل الذي نقلناه من كلام ابن نجيم نجد أنه لا يختلف عن كلام الغنيمي كثيرا, فكلاهما يتفق على التفريق بين نوعين من النجاسة مرئية وغير مرئية, ويتفقان على طريقة و وآلية تطهير النجاستين. إلا أن ابن نجيم يشير في النقل السابق إلى عنصرين جديدين لم يذكرهما الغنيمي في النقل السابق وهما من الأهمية بمكان لما لهما من أثر مهم في صياغة واستخلاص الحكم الفقهي الصحيح الذي يهدف الباحث إلى تحصيله. وهذين العنصرين هما:

الأول: العصر فيما ينعصر من الثياب.

 والثاني الصب.

أما العنصر الأول: فهو عنصر تراعيه آلية التطهير المتبعة في الغسالات الأوتوماتيكية فالملاحظ في الغسالات الأوتوماتيكية أنها تقوم بسحب المياه التي غسلت بها الثياب في كل مره من المرات الثلاث (المراحل الثلاث-دورات الغسل الثلاث-) وتشفط هذا الماء وتضخه للخارج وتتخلص منه, ثم تُتبع ذلك بعد الغسلة الثالثة بعملية التنشيف(العصر) من خلال تدوير الحوض الذي هو بمثابة قدر خاص يحتوي الثياب بسرعة كبيره حتى تذهب أغلب الرطوبة الكائنة في الثياب و لا يبقى منها إلا الشيء القليل - هذا في الدورة الثالثة والأخيرة من مراحل الغسيل المتبعة في الغسالات الأوتوماتيكية-.

ولعل ابن نجيم إذ يشترط العصر فيما ينعصر من الثياب إنما هو بقصد إزالة عين النجاسة وقلع آثارها وهو ذات المقصود الذي يتحصل من التنشيف(العصر) الذي تتبعه الغسالة الأوتوماتيكية في المرحلة الثالثة من مراحل عملها.

أما العنصر الثاني: الصب, فهو عنصر تراعيه آلية التطهير المتبعة في الغسالات الأوتوماتيكية إذ تقوم الغسالة بصب الماء على الثياب من خلال سحب الكمية المناسبة من شبكة المياه المنزلية ويمتلئ حوض الغسالة (القدر) بكمية تناسب حجم الثياب المراد تطهيرها. وهذه العملية (الصب) تتكرر ثلاث مرات (مع الدورات الثلاث) الاعتيادية للغسالة الأوتوماتيكية. لكن يجدر التنبيه هنا إلى أمر وهو أن الماء الذي تسحبه الغسالة وتضخه إلى القدر(الإجانة التي تحتوي الثياب )ليس فيه قوة الصب المعتاد والجريان بقوة بحيث يقلع النجاسة كما وصف الفقهاء . لكن هذا الأمر يتم تلافيه من خلال عمل الغسالة نفسها إذ تقوم بتدوير الماء والثياب معاً ولفترة طويلة وتقوم بتغير اتجاه حركة دوران القدر بقصد تحصيل قوة مناسبة تقوم مقام الصب أومقام جريان الماء مع التكرار مرات عدة وبهذا يكون قد تحقق هذا العنصر بشكل أو بآخر.

وإذا كانت عملية الصب وجريان الماء على الثوب المتنجس التي تكلم عنها الفقهاء الهدف منها هو المبالغة في قلع النجاسة وآثارها واعتبروه بمنزلة التكرار. فإن هذا الهدف هو نفسه الذي تهدف إليه عملية صب الماء في الغسالة الأوتوماتيكية.

 

 

نتيجة:

يستنتج الباحث من كل ما سبق أن العناصر التي اشترطها الفقهاء من اجل تطهير الثياب من النجاسة بنوعيها(مرئية وغير مرئية) وأوردوها في كتبهم – وذلك في ضوء الاجتهاد الحنفي- هي عناصر متحققة بشكل أو بآخر في آلية عمل الغسالة الأوتوماتيكية وقد بين الباحث كل عنصر وناقشة بشكل مستقل ومستفيض . وبالتالي يمكن القول أن الغسالة الأوتوماتيكية من حيث آلية التطهير المبرمجة في ذاكرتها تراعي شروط التطهير التي نص عليها الفقهاء وتجعل النفس مطمئنة إلى هذه الطهارة المتحصلة من هذه التقنية مما ينعكس على اطمئنان المكلف في عباداته. والله أعلم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 



[1] صحيح مسلم - (1 / 140) 556 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلاَلٍ حَدَّثَنَا أَبَانٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى أَنَّ زَيْدًا حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا سَلاَّمٍ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِى مَالِكٍ الأَشْعَرِىِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ. وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلآنِ - أَوْ تَمْلأُ - مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالصَّلاَةُ نُورٌ وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا ».

[2] موقع درر الإسلام- المفتي الدكتور أحمد الحجي الكردي. http://dorar.m3n4.com/fatawa/worship/purity/102630

 

[3]  موقع إسلام ويب. مركز الفتاوى twa.islamweb.net

[4] اللباب في شرح الكتاب - (1 / 27)

[5] البحر الرائق - (1 / 249)