التحوط الفقهي عند الحنفية في تصرفات الصبي الصغير وعقوده- تأسيس لفكرة الإستيثاق والتثبت في معاملات الصبي القاصر

حسام علي عبد الله

التحوط الفقهي عند الحنفية في تصرفات الصبي الصغير وعقوده- تأسيس لفكرة الإستيثاق والتثبت في معاملات الصبي القاصر

  • ·       صورة المسألة:

قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ :[إذَا أَتَى صَغِيرٌ بِفُلُوسٍ إلَى سُوقٍ لِيَشْتَرِيَ بِهَا شَيْئًا مِنْهُ وَأَخْبَرَ أَنَّ أُمَّهُ أَمَرَتْهُ بِذَلِكَ فَإِنْ طَلَبَ الصَّابُونَ أَوْ الْأُشْنَانَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَهُ وَإِنْ طَلَبَ الزَّبِيبَ أَوْ الْحَلْوَى أَوْ مَا يَأْكُلُهُ الصِّبْيَانُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَبِيعَهُ مِنْهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ كَاذِبٌ وَقَدْ عَثَرَ عَلَى فُلُوسِ أُمِّهِ فَأَخَذَهَا لِيَشْتَرِيَ بِهَا حَاجَةَ نَفْسِهِ]. الجوهرة النيرة - (6 / 161).

الأفكار الفقهية الاقتصادية في هذه الصورة.

1-                        تصرفات الصبي وعقوده التي تدور بين النفع والضرر كبيعه وشراءه هي عقود الأصل فيها أن تكون صحيحة موقوفة: أما الصِحَّةُ  فلأن التَّصَرُّفِ فِي نَفْسِهِ  صحيح لِصُدُورِهِ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ .أما كونه موقوفا موقوفة على إجازة وليه لِاحْتِمَالِ وُقُوعِهِ نَظَرًا في أَحَدُ الْمُحْتَمَلَيْنِ(النفع له أو المضرة). ولم ينفذ الشرع عقوده  لنُقْصَانَ رَأْيِهِ وبعد الإذن يَنْجَبِرُ بِرَأْيِ الْوَلِيِّ لَا قَبْلَهُ .

نميز في الصورة السابقة اتجاهين للحكم على عقود الصبي الصغير:

1)  الاتجاه الأول: أشار الحنفية إلى آلية تثبت وتحوط يمكن من خلالها تقيم النفع والضرر في عقود الصبي ومقدار هذا النفع أو الضرر من خلال نوع السلعة التي سيشتريها من السوق. وإخباره هنا بأن الأم أرسلته دليل على الإذن (الإجازة) مما يقوي فكرة إنفاذ تصرفه هنا وعقده الذي سيجريه وكونه صحيحا نافذا.فإذا كانت السلعة التي سيشتريها عادة يكون المنزل في حاجة عادة لمثلها (صابون – منظفات- أمور أخرى يحتاجها المنزل)حكم بصحة ونفاذ عقوده. وهنا يتمحض النفع جلياً في تصرفاته وتزول الريبه. ولا بأس على البائع من التعاقد معه وبيعه ما يريد.

2)  الاتجاه الثاني: إن كان الشيء الذي يريد شراءه الصغير مما يرغب أبناء سنه الصغار بشرائه عادة كالحلوى والزبيب والسكاكر... ونحوها من الأشياء اليسيرة . فينبغي على البائع أن لا يبيعه وأن لا يجري التعاقد معه. لأمرين :

الأول:لأن الصبي هنا غير مأذون له وأمره في ريبة وشك.

والثاني: لم تتمحض المنفعة جلية هنا ولم يمكن تقيمها بدقة واحتمال الإضرار وارد. وعلل الحنفية هنا عدم إنفاذ عقده بأنه ربما يكون كاذباً من حيث أنه عثر على فلوس أمه وأخذها  ليشتري بها حاجة نفسه من الحلوى والسكاكر.

 

  • ·       تتحقق في الاتجاه الأول في مسألة إنفاذ عقود الصبي التي تيقن نفعها وانتفى ضررها أمر وهو الاختبار والابتلاء واختبار الرشد في تصرفات للصبي وذلك بتفويض التصرف إليه من بيع وشراء ليعلم هل يغبن أولا ولأن  العقل لا يمكن الاطلاع عليه . قلنا : يعلم ذلك بآثار وجريان تصرفاته على وفق المصلحة .ويتحقق في ذلك قول الله تعالى:( وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا)  [النساء : 6].