اقتصاديات التيمم طرو(العقود) البيوع وأحكامها الاقتصادية على مسائل التيمم في الفقه الحنفي

حسام عبد الله

اقتصاديات التيمم

طرو(العقود) البيوع وأحكامها الاقتصادية على مسائل التيمم في الفقه الحنفي

اجتهادات وافتراضات فقهية اقتصادية في أبواب الطهارة في ضوء عوامل السعه والمرونة ورفع الحرج والتيسر ورفع المشقة

 

تمهيد

  • ·      وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ  [المؤمنون : 62].

صدق الله العظيم.هذه الآية تنطق بالحق, فأحكام الشريعة الإسلامية تتسم بسمتين  عظيمين هما  من أهم ما تتميز به الشريعة الغراء:

الأولى: هي شريعة ترفع الحرج والمشقة عن الناس وتجلب مقابل ذلك اليسر والمرونة والسعة في الأحكام.

 والثانية: أن أحكام الشريعة أحكام ضرورة مهما بلغ الإنسان من حياة الرفاه وبلغ من أسباب التقانة  والتكنولوجيا لابد أنه سيحتاج لهذه الأحكام على وجه الضرورة يوما ما أو لحظة ما في ظرف ما.

(وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)  [آل عمران ].

إن الشريعة الإسلامية تتوخى دائما رفع الحرج عن الناس وليس في أحكامها ما يجاوز قوى الإنسان الضعيفة  أو يكلفها مالا تطيق إذ أن الله عز وجل لا يريد إعنات الناس بأحكامه وإنما يريد اليسر بهم ويريد خيرهم, وهذا أصل من أصول الدين, ولأجل ذلك وصف النبي صلى الله عليه وسلم الدين بأنه دين الحنيفية السمحة, لا بل جعلت الشريعة الإسلامية التيسير من أهم مقاصدها وما فيه مصلحة العباد في دنياهم وآخرتهم.لا بل وقع الإجماع على عدم وقوع التكليف بالشاق.[1]

ومن هنا جاء قول ابن القيم : [الشريعة رحمة كلها عدل كلها] [2].

 

 

 

 

 

المسألة الفقهية الاقتصادية المطروحة للنقاش

شراء الماء للوضوء من رفيق السفر بثمن المثل أو بغبن فاحش أو يسير

 

صورة المسألة من كتب الفقه الحنفي

 

باب التيمم

 

  • §      جاء في شرح مختصر القدوري المسمى اللباب في شرح الكتاب :

[(وإن كان مع رفيقه ماء طلبه منه قبل أن يتيمم) لعدم المنع غالباً (فإن منعه تيمم وصلى) لتحقق العجز، ولو تيمم قبل الطلب أجزأه عند أبي حنيفة؛ لأنه لا يلزمه الطلب من ملك الغير، وقالا: لا يجزئه؛ لأن الماء مبذول عادة، واختاره في الهداية، ولو أبى أن يعطيه إلا بثمن المثل وعنده ثمنه لا يجزئه التيمم؛ لتحقق القدرة، ولا يلزمه تحمل الغبن الفاحش؛ لأن الضرر مسقط، هداية].[3]

  • §      وجاء في الجوهرة:[وَلَوْ أَبَى أَنْ يُعْطِيَهُ إلَّا بِثَمَنٍ إنْ كَانَ عِنْدَهُ ثَمَنُهُ لَا يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ وَلَا يَلْزَمُهُ تَحَمُّلُ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ وَهُوَ النِّصْفُ ، وَقِيلَ الضِّعْفُ ، وَقِيلَ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ].[4]
  • §      كذلك وردت صورة المسألة  في العناية شرح الهداية: [( وَإِنْ كَانَ مَعَ رَفِيقِهِ مَاءٌ ) ظَاهِرٌ .

وَقَوْلُهُ : ( وَلَوْ تَيَمَّمَ قَبْلَ الطَّلَبِ أَجْزَأَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ) ذَكَرَ الِاخْتِلَافَ فِي الْإِيضَاحِ وَالتَّقْرِيبِ وَشَرْحِ الْأَقْطَعِ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ كَمَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ .

وَقَالَ فِي الْمَبْسُوطِ : وَإِنْ كَانَ مَعَ رَفِيقِهِ مَاءٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَهُ إلَّا عَلَى قَوْلِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ السُّؤَالُ ذُلٌّ وَفِيهِ بَعْضُ الْحَرَجِ ، وَمَا شُرِعَ التَّيَمُّمُ إلَّا لِدَفْعِ الْحَرَجِ .

وَقَوْلُهُ : ( وَلَوْ أَبَى أَنْ يُعْطِيَهُ إلَّا بِثَمَنِ الْمِثْلِ ) هَذِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ .

إمَّا أَنَّ أَعْطَاهُ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ فِي أَقْرَبِ مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَعِزُّ فِيهَا الْمَاءُ ، أَوْ بِالْغَبَنِ الْيَسِيرِ ، أَوْ بِالْغَبَنِ الْفَاحِشِ .

فَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي لَا يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ لِتَحَقُّقِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ : فَإِنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْبَذْلِ قُدْرَةٌ عَلَى الْمَاءِ فَيَمْتَنِعُ جَوَازُ التَّيَمُّمِ ، كَمَا أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى ثَمَنِ الرَّقَبَةِ تَمْنَعُ التَّكْفِيرَ بِالصَّوْمِ .

وَفِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ لِوُجُودِ الضَّرَرِ ، فَإِنَّ حُرْمَةَ مَالِ الْمُسْلِمِ كَحُرْمَةِ نَفْسِهِ ، وَالضَّرَرُ فِي النَّفْسِ مُسْقِطٌ فَكَذَا فِي الْمَالِ .

وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الْغَبَنِ الْفَاحِشِ ، فَفِي النَّوَادِرِ جَعَلَهُ فِي تَضْعِيفِ الثَّمَنِ .

وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ .

وَقَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ : يَلْزَمُهُ الشِّرَاءُ بِجَمِيعِ مَالِهِ إفْرَاطٌ ، كَمَا أَنَّ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ الزِّيَادَةُ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الشِّرَاءِ قَلِيلَةً كَانَتْ أَوْ كَثِيرَةً تَفرِيطٌ نَظَرًا إلَى اعْتِبَارِهِ خَوْفَ التَّلَفِ فِي النَّفْسِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْغَبَنِ الْيَسِيرِ وَالْفَاحِشِ مُقَرَّرٌ فِي الشَّرْعِ فَالْمَصِيرُ إلَيْهِ أَوْلَى] [5].

 

  • §      وجاء في حاشية  رد المحتار قوله:[ (بثمن مثله) أي في ذلك الموضع بدائع.وفي الخانية: في أقرب المواضع من الموضع الذي يعز فيه الماء.قال في الحلية: والظاهر الأول، إلا أن يكون للماء في ذلك الموضع قيمة معلومة كما قالوا في تقويم الصيد.قوله: (ولو ذلك) أي وفي ملكه ذلك الثمن، وقدمنا أنه لو له مال غائب وأمكنه الشراء نسيئة وجب، بخلاف ما لو وجد من يقرضه، لان الأجل لازم ولا مطالبة قبل حلوله، بخلاف القرض.قوله: (وهو ضعف قيمته) هذا ما في النوادر، وعليه اقتصر في البدائع والنهاية، فكان هو الأولى.بحر، لكنه خاص بهذا الباب لما يأتي في شراء الوصي أن الغبن الفاحش ما لا يدخل تحت تقويم المقومين ا ه.قوله: (وأما للعطش) أي هذا الحكم في الشراء للوضوء][6].

 

            الشرح والتعليق

  • §      شرح الصورة وتوضيحها:
  • o    سيناقش الباحث ما ورد في هذه الصورة وفق منهجية مزدوجة تجمع بين المنهجية الفقهية والمنهجية الاقتصادية فيناقش القضية الفقهية أولاً ويعرضها كصورة فقهية ثم يناقشها اقتصادياً من جهة أخرى مبرزاً العناصر الاقتصادية المتخللة في ثنايا الصورة الفقهية .
  • o    تتحدث الصورة الفقهية عن حالة من حالات الضرورة في الشرع الإسلامي وهي حالة المسافر حال فقده للماء وما يتعلق بذلك من أحكام  من حيث جواز التيمم من عدمه, وملابسات الحالة التي تلبس فيها المكلف فهل يجب عليه طلب الماء من رفيقه في السفر حال وجود ماء معه ؟ وهل يجب على رفيقه بذله بلا ثمن أم بيعه؟ والبيع له حالات قد يكون بغبن فاحش أو يسير وقد يكون بثمن المثل, فكل هذه الملابسات الاقتصادية هي جوانب مالية متخللة للحكم الفقهي فيجب مراعاتها ودراستها اقتصادياً .
  • o    ولعل طُرو هذه الجزئيات الاقتصادية على الصورة الفقهية باعتقادي هو تطهير معنوي وحسي  من نوع خاص لحالة المبتلى – المكلف- واستقصاء أكبر قدر من الحيطة للخروج من العهدة أمام الله والتحقق من قيام حالة العذر على أكمل وجه مادياً(اقتصادياً) كان  أو طهورياً. وباعتقادي أن ورود جانب الشراء والبيع في هذه الصور الفقهية ليس الغرض منه إبراز معاني اقتصادية بحته واستنباط قواعد وضوابط تخص جوانب المعاملات, فالقاعدة في المذهب الحنفي أن الحكم لا يأخذ إلا من بابه. أي لو وردت مسائل البيوع في الطهارة فلا يمكن اعتبارها أحكامها على أنها هي الاجتهاد الأصح بل حكم المسائل المالية والمعاملاتية تؤخذ من أبوب المعاملات وليس في باب وردت فيه عرضاً أو بشكل عابر. وهذا ضرب من ضروب الجدة والاحتياط في الاجتهاد الحنفي. بل إن ورودها هنا – أي المسائل الاقتصادية – الهدف منه أيضاً استكمال الحالة الفقهية ودراستها من كل النواحي التي قد تعتريها. والاجتهاد الحنفي بارع في مزج الافتراضات وتركيب وتفريع وتخريج المسائل وإيجاد حلول لها ولو كانت تلك المسائل مزيجاً فقهياً اقتصادياً فهنا تكن عظمة التراث الفقهي.

 

 

 

  • o    كذلك من ناحية أخرى بمقارنة الصورة الفقهية- وما ورد عليها من مسائل اقتصادية على ما سيأتي شرحه- بتعريف الاقتصاد الإسلامي كما ورد عند العلماء [7], وقياس مدى ما تحققه هذه البيوع  الواردة في الصورة الفقهية من معاني اقتصادية نكاد نجزم أن الفائدة والهدف من ورودها هنا ليس الخلوص إلى معاني اقتصادية بحته بل إن هناك عدة مغازٍ من وراء ذلك منها: إثبات أن الفقه تشريع واحد لا ينفك الاقتصادي منه عن الطهوري أو الشخصي (الأحوال الشخصية) أو غيره. وأن الحالة الفقهية كعبادة أو طاعة قد يعتريها ويتخللها شوائب المسائل الاقتصادية لعدة حكم منها كما في كثير من مسائل المذهب الحنفي إما لضبط المسألة بإيراد مسائل أخرى وتركيبها عليها أو تفريعها عليها ليظهر الفرق بين صورة وأخرى, أو لافتراض ما تحتاجه الصورة الفقهية في ظرف من الظروف من مسائل مكملة  كما في حالة المكلف في السفر وجواز التيمم وحاجته لشراء الماء إن وجد. فالشراء والبيع عقود ليس محلها أبواب الطهارة عادة لكن الظرف الذي صوره الاجتهاد الحنفي للمكلف حال تلبسه به اقتضى البحث عن الماء وطلبه ضمن دائرة معينه ليتحقق العجز الحقيقي بفقده فتكون وظيفة المسألة الاقتصادية إكمال جانب فقهي من جوانب الصورة وبذلك يحصل اليقين بفقد الماء وتتحقق الطمأنينة الفقهية بجواز التيمم للمكلف لأنه اجتهد في طلب الماء لا بل بلغ أوسع ما يطيق في البحث عنه فلم يجده لا بثمن يسير ولا بثمن المثل. فعندها يكون قد أدى الجانب الاقتصادي في المسألة دوره على أكمل وجه وتحقق إغناء التراث الفقهي الافتراضي بمسائل نشعر اليوم بنضج افتراضها ونحس بأنه آن الأوان لنستظل بظل تشريعاتها في زمانا هذا زمن النوازل والمستجدات.
  • o    ولعل النقولات الفقهية السابقة في مراجع الفقه الحنفي تشير إلى أن مسألة الطلب – طلب الماء- في المكان الذي فقد فيه إنما الهدف هو استقصاء أوسع جهد للتحقق من فقده والعجز عن الحصول عليه وبالتالي عندها يجيز الشرع للمكلف التيمم وهذا أمر يقتضيه ويفرضه حسب رأيي الباحث مبدأ قطع الشك باليقين فعندما يزول الشك بوجوده ويتحقق اليقين بفقده عندها يتحقق العجز الحقيقي كما هو منطوق النصوص إذ فقد الماء شرط أساسي لجواز التيمم وبه يتحقق العجز الحقيقي[8].
  • o    وينبغي الإشارة إلى أن الاجتهاد الحنفي ليس له موقف جازم من مسألة وجوب الطلب نفسها, كما في قوله في اللباب: (ولو تيمم قبل الطلب أجزأه عند أبي حنيفة؛ لأنه لا يلزمه الطلب من ملك الغير، وقالا: لا يجزئه؛ لأن الماء مبذول عادة، واختاره في الهداية).فمنهم من منع الطلب من ملك الغير حتى وإن كان لإقامة الفريضة (الصلاة) ويجزئه التيمم, لأن ملك الغير معصوم مصون لا يحق لأحد استباحته بدون إذن. وعلى قَوْلِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ:( السُّؤَالُ ذُلٌّ وَفِيهِ بَعْضُ الْحَرَجِ ، وَمَا شُرِعَ التَّيَمُّمُ إلَّا لِدَفْعِ الْحَرَجِ) .ومنهم من أجاز الطلب أو أوجبه بحجة أن الماء مبذول عادة والناس شركاء فيه. وهنا تعرض للمكلف حالة أخرى من حالات الضرورة وهي أن رفيق السفر ربما يكون لديه ماء أو ربما لا يكون لديه.فإن كان لديه ماء فهذا له حالتان:

 إما أن يكون الماء الذي معه محتاجاً إليه للشرب وعندها يصبح الماء بمنزلة العدم, إذ الحاجة التي تتعلق بها حياة النفس عند الضرورة ملحقة بالعدم.

 أو أن رفيقه لدية ماء فاضل عن حاجته وهنا يطرأ الجانب المالي والاقتصادي على الصورة الفقهية - بيوع وشراء وعقود - .

  • o    ولعل الفقه الحنفي إذ ذاك عندما افترض وجود هذه المسائل ووضع لها إجابات تنبع من روح واجتهاد الفقه الحنفي فهذا لا يعني أن مسائل ذلك الزمان وافتراضاتها لا يمكن أن تقع في عصرنا هذا بوجه من الوجوه بل العكس تماما . بل الواقع يشهد بعكس ذلك, فما أن يفقد الماء أو يُعدَمَهُ المكلف في سفر أو غيره إلا وسرعان ما يتجه للتراث الفقهي يلتمس منه الرخص والبدائل – فالوضوء أصل والتيمم بدل عنه عند فقد الماء-[9].
  • §      الشراء بالثمن وحالاته:

تفترض الصورة الفقهية في أحد الحالات أن مع رفيق السفر ماء لكنه يأبى أن يبذله لرفيقه إلا بثمن. ففي هذه الحال المكلف أمام أحد ثلاث خيارات كما نص عليها الاجتهاد الحنفي :

الأول: إمَّا أَنَّ يبيعه بثمن المثل- بِمِثْلِ قِيمَتِهِ فِي أَقْرَبِ مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَعِزُّ فِيهَا الْمَاءُ-.

الثاني: أن يبيعه بغبن يسير.

الثالث: : أن يبيعه بغبن فاحش.

ففي الوجه الأول: (إمكانية الشراء بثمن المثل مع مقدرة المكلف على دفع ثمن الماء بالسعر الذي يباع فيه في ذلك الموضع). والوجه الثاني: حالة الشراء بغبن يسير. ففي كلا الوجهين ليس للمكلف رخصة بالتيمم ولا يجزئه لأن القدرة على الماء متحققة والغبن اليسير لايضر.

أما في الوجه الثالث: الشراء بغبن فاحش فيه ضرر بالغ بالمكلف وتكليف بما لا يطيق والشريعة لا توقع الناس في العَنَت فلذلك أجاز الاجتهاد الحنفي للمكلف التَّيَمُّمُ لِوُجُودِ الضَّرَرِ ، فَإِنَّ حُرْمَةَ مَالِ الْمُسْلِمِ كَحُرْمَةِ نَفْسِهِ ، وَالضَّرَرُ فِي النَّفْسِ مُسْقِطٌ فَكَذَا فِي الْمَالِ  هذا وجه قولهم.

لكن أمام هذه التعليلات الفقهية في الأوجه الثلاث لابد للباحث من توضيح معنى الغبن ومتى يكون مانعا للمكلف في مثل هذه الحالة عن التيمم ومتى يكون مبيحا.وهنا نتقل لدراسة الجانب المعاملاتي الاقتصادي في المسألة.

  • §      أحكام الغبن في الاجتهاد الحنفي:

تباينت وجوه الرأي والأقوال في الاجتهاد الحنفي حول توصيف دقيق للغبن

وذلك وفق اتجاهين[10]:

  • ·      الاتجاه الأول:تحديد الغبن الفاحش بنسبة معينه من القيمة واليسير بما كان اقل منها.
  • ·      الاتجاه الثاني:ترك مقدار تحديد الغبن اليسير والفاحش للعرف وأهل الخبرة.

فالاتجاه الأول ذهب إليه الإمام محمد بن الحسن الشيباني إذ اعتبر أن الغبن الفاحش ما جاوز نصف عشر القيمة الحقيقية للسلعة, والغبن اليسير ما كان نصف العشر فأقل.[11]

جاء في مجلة الأحكام العدلية:[ الغبن الفاحش في العروض نصف عشر القيمة, وفي الحيوانات العشر, وفي العقار الخمس].[12]

أما الاتجاه الآخر: وهو ترك تحديد مقدار الغبن اليسير والفاحش للعرف وأهل الخبرة وهو مالا يدخل تحت تقويم المقومين- وهم أهل الخبرة وأصحاب الشأن في السلعة المبيعة- وهذا هو الصحيح في المذهب [13].

قال ابن عابدين:[ قوله: (هو ما لا يدخل تحت تقويم المقومين) هو الصحيح كما في البحر، وذلك كما لو وقع البيع بعشرة مثلا، ثم إن بعض المقومين يقول إنه يساوي خمسة، وبعضهم ستة وبعضهم سبعة فهذا غبن فاحش، لأنه لم يدخل تحت تقويم أحد، بخلاف ما إذا قال بعضهم: ثمانية وبعضهم تسعة وبعضهم عشرة فهذا غبن يسير][14].

يلحظ في أقوال المجتهدين الأحناف أنهم راعو مسألة قيمة الماء في الموضع الذي يحتاج فيه المكلف  إلى الماء. وفي هذا المكان بالضبط دارت اجتهاداتهم حول الثمن الذي يجوز أو لا يجوز شراء الماء فيه للوضوء أو البقاء على جواز التيمم لفقد الماء. وانطلاقا من ذلك جاء في كتبهم القول التالي: (إمَّا أَنَّ أَعْطَاهُ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ فِي أَقْرَبِ مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَعِزُّ فِيهَا الْمَاءُ ، أَوْ بِالْغَبَنِ الْيَسِيرِ ، أَوْ بِالْغَبَنِ الْفَاحِشِ .) فقد عهد في فقه الحنفية مراعاتهم لظرف الزمان والمكان في أي مسألة فقهية وهذا من تمام الحيطة والاستيعاب في المذهب . ومن خلال هذه النظرة كانت آرائهم مستوعبة ومستفيضة في تحديد مفهوم الغبن ضمن الظرف الذي وقع فيه المكلف. ومن هنا نجد أن من قواعد فقه الحنفية على سبيل المثال أنهم يتركون الحكم في بعض المسائل لرأي المبتلى (المكلف).

 ولذلك نجد أن فقهاء الحنفية ضبطوا الغبن في مسألة  شراء الماء  عند حاجته للوضوء من رفيق السفر بقولهم :[حَدُّ الْفَاحِشِ فِي الْعُرُوضِ نِصْفُ عُشْرِ الْقِيمَةِ ، وَفِي الْحَيَوَانِ عُشْرُ الْقِيمَةِ ، وَفِي الْعَقَارِ خُمُسُ الْقِيمَةِ ، وَفِي الدَّرَاهِمِ رُبُعُ عُشْرِ الْقِيمَةِ ؛ لأِنَّ الْغَبْنَ يَحْصُل بِقِلَّةِ الْمُمَارَسَةِ فِي التَّصَرُّفِ ، وَالصَّحِيحُ الأْوَّل .هَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ سِعْرُهُ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بَيْنَ النَّاسِ وَيَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ مَعْرُوفًا كَالْخُبْزِ وَاللَّحْمِ وَالْمَوْزِ لاَ يُعْفَى فِيهِ الْغَبْنُ وَإِنْ قَل وَإِنْ كَانَ فَلْسًا] [15].

فقولهم (هَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ سِعْرُهُ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بَيْنَ النَّاسِ وَيَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ ) يشمل شراء الماء عندما يكون  المكلف في مفازة –صحراء-  وبحاجة إليه وهو في ذلك الموضع ولا يمكن الوقوف على سعر الماء وثمنه بدقة. ومن هنا تلج مسائل الغبن في الثمن .

فما كان من التقويم لسعر الماء داخلاً تحت تقويم المقومين في ذلك الموضع فليس فيه غبن ويجوز شرائه عندئذ و لا يجوز معه التيمم للمكلف إذا كان مالكاً لثمنه ومثله ثمن المثل. أما مالا يدخل تحت تقويم المقومين في ذلك الموضع فهو غبن على رأي من قال بهذا الرأي في الاجتهاد الحنفي. ولذلك نجدهم في موضع آخر يقولون كما في حاشية ابن عابدين: ( (بثمن مثله) أي في ذلك الموضع بدائع.وفي الخانية: في أقرب المواضع من الموضع الذي يعز فيه الماء.قال في الحلية: والظاهر الأول، إلا أن يكون للماء في ذلك الموضع قيمة معلومة).

 فالملاحظ هنا في هذا النقل أن ظرف المكان معتبر في حالة التقويم. فإن لم يكن بالإمكان تقدير القيمة في ذلك الموضع – المفازة- فليكن إذاً في أقرب موضع إليها يمكن من خلاله معرفة ثمن المثل أو مقدار الغبن إن حصل في الشراء.

ولم يفت فقهاء الحنفية ولم يغب عن ذهنهم افتراض حالة أخرى من حالات العقود المتفرعة عن الصورة الفقهية السابقة وهي أنه قد يكون للمكلف مالٌ غائب يمكن أن يشتري به الماء المطلوب لتحصيل الطهارة فكيف سُيكيف الحكم إن حصل هذا؟ وهذا مبلغ في الاحتياط للأحكام كبير: كما في قولهم : [وقدمنا أنه لو له مال غائب وأمكنه الشراء نسيئة وجب، بخلاف ما لو وجد من يقرضه، لان الأجل لازم ولا مطالبة قبل حلوله، بخلاف القرض.بحر][16].

والجواب عندهم عن هذه الافتراضات أنه عند القدرة على الشراء نسيئة- بأجل- وجب الشراء لتحقق القدرة على الماء بالثمن وعندها ينتفي شرط التيمم الأساسي وهو فقد الماء.لكن الأمر مختلف فيما لو استقرض المكلف المال لشراء الماء وَوُجِدَ من يقرضه فلا يجب عليه الشراء بالاستدانة لأن الشراء نسيئة بأجل لا يحل فيها للبائع المطالبة بالثمن إلا عند حلول الأجل المضروب بالعقد لأنه لازم ولا مطالبة قبل حلوله, أما في القرض فله المطالبة قبل حلول الأجل ويقع المكلف عندها بحرج والشرع جاء ليرفع عن المكلف الحرج فلا يجب عليه عندها شراء الماء بالاستقراض فظهر الفرق بين الوجهين.

 

 

 

 

 

 



[1] الضرورة في الشريعة أحكامها وتطبيقاتها ص55

[2] إعلام الموقعين عن رب العالمين - (3 / 2)

 

[3] اللباب في شرح الكتاب - (1 / 19)

 

[4] الجوهرة النيرة - (1 / 94)

[5] العناية شرح الهداية - (1 / 221)

 

[6]حاشية رد المحتار - (1 / 271)

[7] تعريف الاقتصاد الإسلامي: هو مجموعة الأصول العامة التي نستخرجها من القران والسنة لبناء الاقتصاد الذي نقيمه على أساس تلك الأصول حسب بيئة كل عصر. د رحماني سناء- د دليمي فتيحه- جامعة بوضياف- الجزائر ,مبادئالاقتصادالإسلاميوخصائصه, ص /18/.

[8] جاء في حاشية ابن عابدين  (1 / 257):(وقولهم: أو تتيمم بشرطه، أرادوا به التيمم الكامل المبيح لصلاة الفرائض، وهو ما يكون عند العجز عن استعمال الماء.

 

[9] يقول الكاساني :وَأَمَّا الْخِلَافُ الذي مع أَصْحَابِنَا في كَيْفِيَّةِ الْبَدَلِيَّةِ فَهُوَ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا في أَنَّ التُّرَابَ بَدَلٌ عن الْمَاءِ عِنْدَ عَدَمِهِ وَالْبَدَلِيَّةُ بين التُّرَابِ وَبَيْنَ الْمَاءِ أو التَّيَمُّمُ بَدَلٌ عن الْوُضُوءِ عِنْدَ عَدَمِهِ وَالْبَدَلِيَّةُ بين التَّيَمُّمِ وَبَيْنَ الْوُضُوءِ فقال أبو حَنِيفَةَ وأبو يُوسُفَ إنَّ التُّرَابَ بَدَلٌ عن الْمَاءِ عِنْدَ عَدَمِهِ وَالْبَدَلِيَّةُ بين التُّرَابِ وَالْمَاءِ

وقال مُحَمَّدٌ التَّيَمُّمُ بَدَلٌ عن الْوُضُوءِ عِنْدَ عَدَمِهِ وَالْبَدَلِيَّةُ بين التَّيَمُّمِ وَبَيْنَ الْوُضُوءِ. بدائع الصنائع - (1 / 56).

[10] حكم الغبن واثره على العقد – بحث في مجلة العدل- العدد/22/- رجب 1425هجرية, ص/84/.

[11] بدائع الصنائع – الكاساني 7/ 3469, والبحر الرائق- ابن نجيم. 7/169

[12] مجلة الأحكام العدلية- الماده/16/.

[13] البحر الرائق – ابن نجيم 7/169

[14] حاشية رد المحتار - (5 / 267)

 

[15] تبيين الحقائق - (4 / 272)

 

[16]حاشية رد المحتار - (1 / 270)