هل نكتفي بأنظمة الحوكمة فقط ؟

د. عبد القادر ورسمه غالب

 

 

في العديد من الدول والشركات الكبيرة نجد أنظمة حوكمة الشركات المتطورة التي تم وضعها وفق آخر المعايير المهنية حتى يتم تقديم كل الضمانات القانونية والإدارية للدرجة المطلوبة لتوفير مبادئ الحوكمة. وفي الاطار العام لهذه الدول والشركات الكبيرة، ونظرًا لهذا الوضع، يتوفر الشعور العام بالمسؤولية والاطمئنان؛ لأن أنظمة الحوكمة الموجودة توفر كل ما هو مفترض أن يتوفر وللدرجة الكافية.وهذا هو المطلوب وما يسعى الجميع لتحقيقه.

ولكن بالرغم من هذا الوضع الهلامي إلا أن هناك أسئلةً مهمة تدور في الأذهان، في مجملها، هل وجود الأنظمة والقوانين الضابطة للحوكمة يكفي لوحده أم أن هناك متطلبات أخرى يشترط توفرها أيضًا جنبًا إلى جنب مع الأنظمة والقوانين حتى تكتمل الصورة ونصل للهدف المنشود من مساعي الحوكمة.

مثل هذه الأسئلة المشروعة تطرأ كثيرًا في الأذهان خاصة عندما يتم الكشف، وبكل ذهول، عن ممارسات يقوم بها من هو في قمة جهاز القيادة، وهي ممارسات غير سليمة ومنافية للأخلاق المهنية وتتعارض بل تضرب بعرض الحائط كل القيم والمثل الإنسانية، وقبل كل هذا فهي لا تنسجم مع سياسات تطبيق مبادئ الحوكمة التي يتشدقون بها جهارًا نهارًا.

وهذه الأمور، بكل أسف، تتم في دول تم إصدار كل تشريعات الحوكمة فيها، وتتم في شركات كبيرة تغطي أذرعها كل العالم وكل مستنداتها ووثائقها تنص صراحة على أنها أصدرت كل الأنظمة المطلوبة لمبادئ الحوكمة وعلى أرقى المستويات. فكيف ولماذا يحدث هذا ؟

إذا رجعنا لأضابير القضاء نجد أحكامًا كثيرةً، صدرت في الآونة الأخيرة، ضد العديد من الشركات العملاقة والبنوك العالمية والبيوتات التجارية وكذلك ضد رؤساء وأعضاء مجالس الإدارات، وضد من هم علي قمة الإدارات التنفيذية والقيادية في هذه المواقع.

ومن مجمل الأحكام القضائية يتضح لنا جليًا وجود ممارسات شخصية ذاتية غير قانونية وغير مقبولة وهي تتم في الخفاء والظلام وذلك بالرغم من وجود أنظمة الحوكمة الممهورة بتوقيعهم من أجل “الإدارة الرشيدة” الأمينة.فكيف هذا ولماذا؟ وأين الخلل؟

الخلل في مثل هذه الحالات موجود في الإنسان، وفي النفس البشرية الأمارة بالسوء، وفي العقل الباطن المملوء بسوء الخلق وعدم النزاهة والنية السوداء والروح الأنانية الجبانة… وغيره. وإذا كان على القمة مثل هؤلاء فان القوانين والأنظمة وكل ضوابط الدنيا لا تكفي ولا تقدم أو تأخر بل تكون  "شماعة" إعلامية في الواجهة لا تعكس ما يحدث في الداخل؛ لأنه شيء آخر لا علاقة له بالخارج بل يناقضه تمامًا.ولهذا، يوجد الخلل الذي تمخض عن الفضائح المؤسسية والتي قادت إلى ملء السجون بمن كانوا في مناصب رؤساء مجالس إدارات أو كانوا زعامات تنفيذية كبيرة الشأن. والأمثلة كثيرة ومعروفة للجميع، فهل نستفيد مما حدث لتلافي الأخطاء وتجاوز الأزمات ثم العودة للإدارة الرشيدة والحوكمة.

إن النجاح في إعداد وإصدار الأنظمة والقوانين، الخاصة بمبادئ الحوكمة، أمر محمود ومطلوب بشدة لتستقيم الأمور في الشركات والمؤسسات العامة للحصول على أفضل المنتجات وأمثل الخدمات بالصورة التي تلبي متطلبات الحوكمة لصالح جميع الأطراف. ولكن علينا في نفس الوقت، إعداد وتهيئة النفوس البشرية وفق أعلى المتطلبات من المثل والأخلاق العالية وحتى تقوم هذه النفوس بمد يدها في الاتجاه الصحيح للوصول بالحوكمة للمبتغى.

وإذا جهزنا قطار الحوكمة يجب كذلك تجهيز السائق الماهر الذي يقود هذا القطار ويصل به بسلام لنهاية رحلة الحوكمة؛ لأن القطار دون هذا السائق لا يفي بالغرض بل يكون  "صورة" جميلة على رصيف المحطة.

انطلاقًا من هذا المفهوم، ظهرت الحاجة الماسة لوضع ضوابط "حوكمة الأفراد" لتسير جنبًا إلى جنب مع "حوكمة الشركات" والحوكمة الادارية للقطاع العام. وربما يكون من المعضلات أن التعامل مع النفس البشرية أمر صعب ومحفوف بكل المخاطر من كل الاتجاهات. هذا لأن الإنسان الذي قام بحمل "الأمانة" التي أبتها السماوات والأرض والجبال، أكيد يحمل في دواخله عوالم صعبة المراس ومتعددة الاتجاهات.. 

ولهذا من الصعوبة بمكان السيطرة عليه أو وضعه داخل إطار محكم يحد من أفكاره وتطلعاته؛ لأن طبيعة تركيبه تأبى هذا الإطار. ولكن هذا هو الواقع، وهذا هو الانسان ويجب العمل على ترويضه قدر المستطاع وللدرجة التي تمكن من السيطرة على معظم تصرفاته ليعمل وفق الإطار المحدد.

حوكمة الأفراد أصبحت من الأمور المهمة، التي يجب تداركها حتى لا نحرث في البحر، لأن الفرد هو من يتحسس حوكمة الشركات والمؤسسات العامة وهو من يطبقها وهو من يحدد في أي اتجاه يقودها، ولهذا لا بد من العمل على ضمان أنه يسير في الاتجاه الصحيح.

والبداية، يجب أن تكون من أول لحظة من لحظة التوظيف ولحظة التعيين أو التكليفوهنا لنتخير أخيار الأخيار ولنعمل على وضعهم في الإطار المناسب وفق إمكانياتهم وميولهم مع الحرص على تدريبهم ومساعدتهم وتغذيتهم بمبادئ الحوكمة النبيلة، مع ضرورة الحرص علي متابعتهم بالمراقبة والتوجيهات ذاتها من أجل المجموعة ولصالح المجموعة قبل صالحها الشخصي.

من مثل هذه المحاولات المطلوبة يتم تحقيق التوازن المنشود بين الأنظمة والنفس البشرية وذلك للدرجة التي تقود لانصهارهما في بوتقة واحدة ذات روح واحدة وتوجهات واحدة. حوكمة الأفراد هي المكمل لحوكمة الشركات وغيرها حتي نصل للغاية؛ لأن الإنسان هو حجر الأساس في هذا المسعى النبيل ولا بد من برمجته لتتم الفائدة...