محاولات تعريف حوكمة الشركات

د. عبد القادر ورسمه غالب

 

هناك محاولات متتابعة وجادة لتعريف مبادئ حوكمة الشركات للوصول إلى صيغة يستوعبها الجميع ويحرص على العمل على تبنيها ثم تطبيقها. ومن ضمن التعريفات المستحدثة في إنجلترا، ذلك التعريف الذي أصدرته «لجنة كادبوري» وهي اللجنة التي تم تشكيلها بواسطة جهات عديدة هي مجلس التقارير المالية وشركة سوق لندن للأوراق المالية والنقابة المهنية للمحاسبين وذلك من أجل تفعيل ووضع المبادئ المهنية لحوكمة الشركات. ولجنة كادبوري تعرف حوكمة الشركات، بأنها ذلك النظام أو الأنظمة التي يتم بموجبها حسن إدارة الشركة وأسس مراقبة تلك الإدارة.

قبل فترة من السنين، ظهرت للسطح بعض المؤشرات الدالة على وجود ضعف أو خلل ما في إدارة بعض الشركات الشهيرة. وكمثال في إنجلترا نشير إلى ما ظهر في شركات «روبرت ماكسويل» بعد وفاته المفاجئة عندما كان يتنزه على شواطئ الكناري آيلندس في1990.

وكانت بعض شركات روبرت ماكسويل قد تعرضت في منتصف الثمانينات لهزة مالية كبرى ولتراكم الديون بعد الدخول في شراكات وتملك شركات أخرى تم تمويل عملياتها بتحويل موارد ومبالغ كبيرة من رصيد صناديق التقاعد التابعة لشركاته.

وبعد الوفاة تبين وجود ممارسات غير سليمة في ما يتعلق بتقييم أصول بعض الشركات وتضخيم هذه الأصول للحصول على مكاسب مادية وتمويلات كبيرة، وكذلك تبين اختفاء مبالغ كبيرة من حساب صناديق التقاعد مما يدلل على وجود التلاعب وإخفاء المعلومات وعدم الأمانة. وبسبب هذه الممارسات غير السليمة قامت شركات «روبرت ماكسويل» لاحقا بتقديم إجراءات إفلاس للحماية في كل من إنجلترا وأمريكا.

ولقد ساد شعور عام وامتعاض في الشارع الإنجليزي أن السلطات الرقابية الإشرافية المختصة لم تقم بدورها على الوجه الكامل مما أدى لحدوث مثل هذه التجاوزات في شركات ذات سمعة رنانة في الوسط المالي ويشار لها بالبنان.

و يا للصدفة الغريبة، وكما يقولون المصائب لا تأتي فرادى، في نفس هذا الوقت تقريبا ظهرت في لندن قضية بنك البي سي سي آي (بنك الاعتماد والتجارة الدولي) حيث تعرض هذا البنك، بالرغم من شهرته وتداول اسمه في كل مكان، لهزة مالية كبرى وفجائية استدعت طوابير المودعين الطويلة للمطالبة بأموالهم التي سلموها للبنك عن ثقة تامة، مما استدعى التدخل الفوري لبنك إنجلترا المركزي والأمر بقفل البنك. وما زال المودعون والمساهمون والموظفون، في هذا البنك سيئ الحظ، يلاحقون مطالباتهم وحقوقهم ومستحقاتهم المالية حتى الآن وإلى الغد.

وتوالت الأخبار السيئة في إنجلترا، في تلك الفترة، حيث أعلنت عدة شركات منها «شركة بولي بيك» أن نتائجها المالية المدققة سليمة مائة بالمائة وأن موقفها المالي سليم ومتين ولا تخترقه المخترقات، ولكن بعد الإعلان بأشهر قليلة تعلن هذه الشركة إفلاسها، يا للعار والشنار. وهناك بعيدا على الضفة الأخرى، عبر الأطلنطي، ظهرت فضيحة انهيار شركة انرون للطاقة الأمريكية حيث كان كبار المديرين التنفيذيين وأعضاء مجلس الإدارة يقدمون أرقاما مبالغا فيها تزيد عن أرباح الشركة الحقيقية وثبت جليا أن كبار مسؤولي إنرون قاموا بعمليات مشاركة وهمية ساعدتهم في إخفاء خسائر وديون شركة إنرون الفعلية، وبكل أسف، شاركت شركة آرثر أندرسون لتدقيق الحسابات في هذه الفضيحة المشينة المجلجلة حيث تم إخفاء المعلومات وقامت بتمزيق المستندات والبيانات بصورة مخالفة للعمل وأخلاق المهنة. فكيف يحدث هذا في بلد تتشدق بالمؤسسية النزيهة المتجذرة في الأعماق.

كل هذه الصدمات العنيفة المتتالية قادت إلى إحداث صدمة في نفوس الجميع، على المستويين معا في القطاع العام والقطاع الخاص، خاصة بعد انكشاف المستور وإزاحة الغطاء عما كانت تقوم به شركات تعتبر من الكبار العظام في العمل المؤسسي والتجاري والإداري.. لهذا كان لا بد من التدخل السريع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وحفظ ماء الوجه. إذا كان هناك بقية.

وتم تشكيل لجنة في انجلترا برئاسة «السير ادريان كادبوري» كانت من مهامها الأساسية التحقيق في ودراسة وضع حوكمة الشركات البريطانية ثم تقديم المقترحات لتصحيح الأوضاع لإعادة الطمأنينة للمستثمرين في أن الشركات الإنجليزية بخير وستعود لها سيرتها الأولى وأمجادها الغابرة. وإعادة الطمأنينة واسترجاع الثقة من أصعب الأمور عند اهتزاز الوضع أو تبدله أو نكوصه للوراء..

وقامت هذه اللجنة بأعداد تقريرها الشهير وتقديمه للجهات المختصة في عام 1992 والذي تضمن التعريف أعلاه لمبادئ حوكمة الشركات. ولاحقا قام السير كادبوري بوضع لمسات إضافية لتعريفه لتشمل أن حوكمة الشركات تشمل أيضا القيام بعمل الموازنة التامة بين الأهداف الاقتصادية والاجتماعية وبين أهداف الأفراد والأهداف المجتمعية.

ولاكتمال تعريف مبادئ حوكمة الشركات يجب وجود ما يضمن تشجيع الاستخدام الأمثل للموارد وفي نفس الوقت توفر ما يضمن محاسبة من يقود إدارة الموارد. والهدف الأساسي من كل هذا هو محاولة عمل التداخل السليم بين كل أطراف العلاقة، وإلى أقصى حد ممكن، وللدرجة التي تحفظ حقوق الأفراد والشركات والمجتمع قاطبة.

هذه التعريفات الإضافية تتضمن معايير جديدة يجب التمسك بها والعمل على الالتزام بها حتى يتم الوصول بالشركات لبر الأمان عبر تطبيق مبادئ حوكمة الشركات التي أصبحت واقعا وأمرا لا بد من السير في نهجه.