حوكمة مخاطر الشركات عبر"نفخ الصافرة"

د. عبد القادر ورسمه غالب

تبين جليا أن الشركات التجارية وغيرها من المؤسسات العامة ذات المهام المختلفة العديدة، والتي التزمت بانتهاج مبادئ الحوكمة وتطبيقها بصورة سليمة، قد استطاعت تحقيق انتاجية أعلي وخدمة أفضل مقارنة مع تلك الشركات والمؤسسات التي لم تنتهج تطبيق مبادئ الحوكمة ولم تلتزم بها. وهذا يعود بكل بساطة، لأن انتهاج تطبيق مبادئ الحوكمة يتيح لكل الأطراف العاملة في الشركة أو المؤسسة فرصة العمل وفق مبادئ علمية سليمة ومدروسة العواقب ومبرمجة وفق الضوابط القانونية. وهذه الأطراف العاملة تبدأ من قمة الهرم في الشركة، من رئيس وأعضاء مجلس الادارة وامتدادا منهم الي قمة الادارة التنفيذية وعبرهم الي الادارات المختلفة في الشركة ومنهم الي كل من يعمل في الشركة من صغيرهم لكبيرهم. ونجاح كل طرف من هذه الأطراف في تنفيذ واجباته بالطريقة المثلي، والتي تتمثل أساسا في انتهاج مبادئ الحوكمة، تعود بالنفع مباشرة علي ملاك الشركة من المساهمين وعلي كل من يرتبط بأعمال هذه الشركة في كل فئات المجتمع.

وفي سبيل تنفيذ وتطبيق مبادئ حوكمة الشركات، فانه يجب علي الشركات والمؤسسات العامة وضع أهداف ومرامي معينة نصب أعينهم. وأول هذه الأهداف يتمثل في وضع خط الموجهات العامة، هذا بالإضافة للخطوات التنفيذية المطلوبة، التي ستقوم الشركة بمباشرتها بغية السيطرة علي أو لمقابلة ومجابهة كل المخاطر التي تحف بأعمال الشركة أو المؤسسة. وهذا يجب أن يشمل كل أنواع المخاطر المحتملة من مخاطر تشغيلية أو فنية أو ادارية أو قانونية أو خلافه... وللوصول الأمثل لتحقيق المبتغى في شأن مجابهة المخاطر، يجب علي الشركة وضع الموجهات العامة للسيطرة علي المخاطر المحتملة ودمجها أو (خلطها) مع مسار تنفيذ خطوات التخطيط الاستراتيجي للشركة أو المؤسسة. وهذا ما يسمي بعملية مزج التكامل بين شهية مواجهة المخاطر والسيطرة عليها مع منهج التخطيط الاستراتيجي للشركة، حتي يكونان معا موقفا واحدا يجعل السيطرة علي المخاطر المحتملة  جزءا لا يتجزأ من هيكل استراتيجية الشركة.

وهنا لا بد من ربط هذا التصور مع الميكانيكية المطلوبة لتدقيق ومراجعة ما يتم، أي العمل علي ضرورة توفير البدائل المطلوبة لتدقيق ما يتم بهدف الاطمئنان علي أنه يسير وفق المطلوب والنهج الصحيح. ووجود التدقيق لمراقبة ما يتم في الشركة يشكل بدوره توفير الفاعلية الضرورية لتحفيز الجميع للقيام بمهامهم علي الوجه الأمثل والا فان المراقب أو المدقق سيطعن في أعمالهم وربما يهدمها أو يرفضها لأي سبب يراه.

ومن ضمن ميكانيكية التدقيق والمراقبة المطلوبة في الشركة أو المؤسسة العامة، هناك نظام "نفخ الصافرة" أو "نفخ بوق الانذار" وهناك الحق في ممارسة هذا النظام، كما تتطلبه مبادئ حوكمة الشركات، وهو مكفول لكل من يعمل في الشركة أو المؤسسة. وهذا الحق يجب أن تتم ممارسته بكل حسن نية وبعيدا عن المآرب الشخصية الذاتية، كما يجب أن يكون هذا الحق مكفولا للجميع بدون فرز أو تفرقة أو تحديد، خاصة وأنه يعتبر من أهم الركائز والوسائل الحديثة للمراقبة الداخلية في الشركة أو المؤسسة.  وحتي يؤتي هذا النظام أكله، يجب علي الشركات تشجيع الجميع لاستخدامه واللجوء اليه كلما دعت الحاجة للإبلاغ عن أي ممارسات خاطئة أو مخالفة للقانون أو تجاوزات مضرة لكافة أعمال الشركة أو الجهات المرتبطة بها من عملاء ومستهلكين ومستفيدين.  وكل هذا، يتطلب من الشركات وضع برنامج شامل لشرح هذا الموضوع الحيوي وأهدافه ومراميه وكيفية تحقيق الاستفادة القصوي منه حتي يعود بالنفع علي الجميع تحقيقا لأرقي مبادئ الحوكمة وتوفير ضوابط حسن الادارة للارتقاء بالعمل لمصلحة الجميع، وليس المصلحة الشخصية لأي شخص.

ويجب أن يشعر كل من يستخدم نظام "نافخ الصافرة" أو "نفخ بوق الانذار"، سواء كان من داخل الشركة أو من خارجها، بالاطمئنان التام الي أنه لن يتعرض لأي ضغوط أو محاسبة أو أي نوع من المسائلة بسبب استخدامه لهذا النظام الانذاري الذي يهدف في اساسه للإصلاح قبل أن يهدف لتحقيق مرامي ذاتية أو شخصية لأي طرف كان. ووجود الأمان وتوفير الاطمئنان بالطبع سيمكن الجميع من استخدام النظام من دون خوف أو وجل من أي طرف لأنه يستخدم نظام مقنن ووفق ضوابط الحوكمة. وعلي الشركات توفير كافة البدائل التي يمكن عبرها تقديم الانذار المبكر أو نفخ البوق للفت النظر عما يحدث أو قد يحدث ويسبب أضرارا للأعمال بشتي أنواعها خاصة وأن هذا النظام يؤخذ كمؤشر استباقي لما قد يحدث في المستقبل المنظور. ومن البدائل مثلا، المقابلة الشخصية مع المختصين أو ارسال رسائل  بصورة مباشرة أو سرية أو غيره من الطرق الممكنة.

ولتحقيق الفائدة المرجوة من نظام "نافخ الصافرة" فلا بد من التفريق بينه وبين "الشكاوي" ذات الصبغة الشخصية التي يتقدم بها من يعمل في الشركة. ومن ضمن الوسائل التي يجوز استخدامها لتحقيق هذه التفرقة نذكر، مثلا، أن نظام "نافخ الصافرة" يكون مرتبطا بشيء يتعلق بالآخرين مثل الزبائن أو المستهلكين أو فئات المجتمع.. بينما الشكوى دائما تكون مرتبطة بصورة مباشرة بمقدمها. ونافخ الصافرة، لا يكون متضررا في حد ذاته ولكن الضرر يمتد ليشمل غيره أو الكل، ولذا فانه لا ينتظر تحقيق فائدة مباشرة له بينما يترقب مقدم الشكوى حدوث الفائدة المباشرة له كترقيته مثلا أو انصافه في العمل.. ومن هذا فان مقدم الشكوى يجب عليه العمل علي اثبات ما ورد فيها حتي يحصل علي الفائدة، بينما هذا الوضع لا ينطبق علي "نافخ الصافرة" الذي يقوم بتقديم الانذار للمصلحة العامة حتي يتم التحوط مما يحدث.

لقد أثبت نظام الانذار عبر "نافخ الصافرة" فوائدا عديدة في العديد من الحالات التي تم استخدامه فيها بصورة سليمة تنظر للمصلحة العامة ولخير الآخرين بل الجميع. وهو في هذا يضع اسسا سليمة كمعيار لضمان تطبيق مبادئ الحوكمة السليمة في الشركات والمؤسسات العامة. ولنستفيد من هذا المنفذ الرقابي الحضاري واستخدامه لصالح الجميع بعيدا عن الضغائن والأحقاد والمصالح الذاتية. وبتطبيق بدائل الحوكمة المتعددة نرتقي بشركاتنا ومؤسساتنا لأعلي الدرجات.