حوكمة الشركات وتحديد المرتبات والأجور

د. عبد القادر ورسمه غالب

الأجور والمرتبات والفوائد المرتبطة بها، بالنسبة للعاملين في القطاع العام الحكومي، محددة ومعروفة حسب قوانين ولوائح الخدمة المدنية. وبموجب هذا فان كل وظيفة عامة لها درجة خاصة تسكن فيها ولهذه الدرجة ما يرتبط بها من راتب وامتيازات أخري خاصة بالوظيفة، وكل موظف عام يعرف حقوق وامتيازات درجته الوظيفية ومن هذه الشفافية المجدولة فانه يكون علي دراية كافية وهذا ينطبق علي جميع موظفي الدولة، والجميع يعرف كل تفاصيل "الفصل الأول - جابتر ون" من الموازنة العامة للدولة.

وبالرجوع للقطاع الخاص والشركات العاملة فيه، نجد أن الوضع مختلفا نوعا ما وخاصة في ما يتعلق بالرواتب والامتيازات حيث لا توجد قوانين ولوائح تتضمن الأجور بصورة واحدة معروفة للتطبيق علي كل شركات القطاع الخاص. ولذا، فلكل شركة نظامها ورؤيتها حول رواتب وامتيازات العاملين وهذا الأمر، في العادة، يتم بالاتفاق بين الأطراف ويضمن في عقد العمل. 

من واقع ما يجري، فان الشركات الخاصة تحدد الرواتب ولذا فالموضوع وبالرغم من حساسيته الا انه يعود لتقدير الشركة. وهناك الشركات "الكريمة" التي تعطي وتبذل في العطاء وهناك الشركات "البخيلة" التي تبخل وتبذل في البخل علي عامليها وتضيق عليهم في رواتبهم وبالتالي في حياتهم وكل أمورهم. ولمعالجة هذا الوضع غير السليم، ومن أجل تحقيق العدالة بين الأطراف خاصة الطبقة العاملة، برزت مبادئ حوكمة الشركات لضبط العلاقة بين الشركة من جهة والعاملين فيها من الجهة الأخرى وذلك لتستقيم الأمور لتحقيق الادارة الرشيدة.

ومن ضمن مبادئ حوكمة الشركات ضرورة أن  يتولى ادراة الشركة مجلس ادارة مقتدر وكفء ويعمل لضمان حسن ادار الشركة. ومجلس الادارة، تحقيقا لهذا الأمر، عليه انشاء لجان خاصة لمساعدته في حسن ادارة الشركة وتحمل المسؤولية التامة معه. ومن هذه اللجان "لجنة المكافآت والامتيازات"، ومن اختصاصات اللجنة تحديد الرواتب والامتيازات لكل العاملين في الشركة بدئا من أعضاء مجلس الادارة والادارة التنفيذية العليا وكذلك وضع الاطار العام للرواتب والمكافآت الخاصة بكل من يعمل في الشركة علي مختلف درجاتهم ومؤهلاتهم.

ان ما ترمي له، مبادئ الحوكمة، أن يكون في الشركة نظاما مبرمجا ومعروفا يشمل كل من يعمل في الشركة لإبعاد هذا الموضوع الحساس من الأمزجة والنظرة الشخصية والخلافات الذاتية بل يتم ويبرمج علي حسب الوظيفة وحسب حاجة الشركة لهذه الوظيفة آخذين في الاعتبار الاطار القومي للرواتب وأثره علي الاقتصاد الوطني، ومن هذه البرمجة يتوفر الحد الأدنى من العدالة العامة عند تحديد الرواتب والمكافآت والامتيازات. وانصياعا لمبادئ الحوكمة، علي كل الشركات الالتزام وتكوين هذه اللجنة الهامة ومنحها الصلاحيات والثقة المطلوبة للوصول لأفضل وأمثل الأوضاع بما يعود بالخير علي الشركة وكل من يعمل فيها ولكل البلد.

نستحضر هذا الكلام، ويجول بخاطرنا الجدل الحاد الدائر هذه الأيام في فرنسا وسبب الجدل هو الراتب الذي يتقاضاه "كارلوس غصن" المدير التنفيذي لشركة "رينو" الفرنسية للسيارات. وهذا الجدل مستمر لسنوات وتجدد الآن بعد أن وافق مجلس ادارة الشركة علي منح كارلوس مبلغ يتجاوز 7 مليون يورو كراتب وامتيازات لعام 2015 أي دون تخفيض لما حصل عليه في عام 2014. وكارلوس غصن لبناني الأصل ويحمل الجنسية البرازيلية والفرنسية في نفس الوقت وهو أيضا يشغل منصب المدير التنفيذي لشركة "نيسان" للسيارات اليابانية وكذلك يحتل نفس المنصب في شركة سيارات روسية.

الجدل حول الراتب والامتيازات كان محتدما وعنيفا في اجتماع الجمعية العامة للمساهمين حيث تم رفض الراتب الذي اقترحه مجلس الادارة عند تقديم الموازنة، وعلي قائمة المعارضين الحكومة الفرنسية بصفتها من كبار المساهمين في الشركة حيث تملك فرنسا حوالي 20% من أسهم شركة "رينو". وأصر مجلس الإدارة علي الراتب الذي اقترحه ورفض الموافقة علي اقتراح الجمعية العامة للمساهمين بتخفيض الراتب، ولم يهتم برأي الحكومة الفرنسية "الاشتراكية" التي تعاني ضغوطا اقتصادية ومشاكل عويصة بخصوص علاقات العمل والعمال.

وهذا الوضع بالطبع شاذ ويعرض الشركة للمشاكل الصعبة بسبب الخلاف بين مجلس الادارة والمساهمين بقيادة الحكومة الفرنسية التي هدد وزير اقتصادها بأنهم في وضع حرج وتطرق الي امكانية اللجوء للقانون والمحاكم للفصل في هذا الموضوع الحساس. و كارلوس غصن ربما أيضا يكون له رأي خاصة وأنه يري أنه من أنقذ شركة رينو من الهلاك كما سبق أن أنقذ شركة نيسان اليابانية حيث يحصل علي أعلي راتب لمدراء الشركات في كل اليابان، وأكثر من أقرانه اليابانيين بكثير.

ولا ندري ما هو السر أو "السحر" الذي يتميز به كارلوس مما يجعله علي رأس ثلاثة شركات عالمية كبيرة في وقت واحد يتجول بينها بمكوكية ويحقق الأرباح الخيالية والمعجزات الادارية والخروقات العجيبة في الصناعة. وأكيد اذا ترك شركة رينو الفرنسية فهناك شركات السيارات العالمية الكبيرة التي تتمني وتتطلع لجلوسه علي رأس قيادتها لتقديم معجزاته السحرية للتحليق بهم.

وكل هذا يدعو لضرورة الاحتكام والانصياع لمبادئ الحوكمة وتشكيل مجالس ادارة قوية تعمل بمؤسسية تعدها اللجان المقتدرة ومن ضمنها اللجنة الخاصة بالامتيازات والمكافآت، خاصة وأن هذه اللجنة ستضع معايير عامة متجردة وموضوعية تتقيد بها الشركات وكل من يعمل فيها. وبالعدم فان مسلسل رواتب التنفيذيين سيستمر الي ما لا نهاية ولهذا عواقبه الوخيمة الضارة.