حوكمة الشركات العائلية

د. عبد القادر غالب ورسمه

تم النشر اليوم الخميس 29 مايو 2014 جريدة عمان الملحق الاقتصادي ص 8

حوكمة الشركات العائلية

بدعوة كريمة تشرفت بالمشاركة والحديث في ملتقي حوكمة الشركات العائلية الذي تم   مؤخرا في مدينة جدة ولقد كان مؤتمرا جامعا للكثير من الشركات العائلية السعودية وللكثير من المهتمين من دول الخليج بأمور هذه النوعية من الشركات. وفي الحقيقة، لقد لمست اهتماما بالغا بدور الشركات العائلية وما يعترضها من مشاكل متعددة وكيفية مجابهة هذه المشاكل أو الخروج منها، عند الضرورة، بأقل الخسائر.

إن الدور العظيم والمتعاظم الذي ظلت تمارسه الشركات العائلية في السعودية والخليج، وغيرهما، لا يخفي علي أحد خاصة وأن نسبة مساهمة هذه الشركات في الاقتصاد الوطني عالية جدا ومؤثرة إضافة إلي الكميات الهائلة من الأيادي الوطنية العاملة في مختلف المواقع. ومن هذا الواقع طرأت الأسئلة الخاصة بكيفية تكوين هذه الشركات؟ والمعضلات التي تعترض طريقها؟ وكيفية مجابهتها من أجل البقاء؟ أو البحث عن بدائل أخري، كالتحول مثلا إلي شركات مساهمة، قبل الفناء.

أوضحنا أهمية بل ضرورة بقاء الشركات العائلية واستمرارها لحاجة الاقتصاد لها خاصة وأن هناك أنواعا من النشاطات والخدمات يفضل تقديمها عبر الشركات العائلية وذلك بنفس القدر الذي نحتاج فيه في حالات معينة مثلا إلي شركات المساهمة، فالاقتصاد يحتاج إلي تشكيلة مزدوجة من هذه الأنواع المتعددة التي تكمل بعضها البعض. وإذا عدنا للشركات العائلية تحديدا، ففي حقيقة الأمر نلحظ، بان بعض من هذه الشركات تبدأ وفي داخلها تحمل بذرة الفناء السريع لأن مؤسس الشركة أو الشخص "الرائد" فيها منغلق الأفكار ومحدود التجربة والطموح ولا يسمح لأحد بتقديم المساعدة أو الأفكار، ومثل هذا النوع تنطفئ شعلته مع وفاة أو عدم مقدرة المؤسس في الاستمرار لأي سبب كان.

في الطرف الآخر، نجد بعض الشركات العائلية التي بدأت بمؤسس ذو "كاريزما" عالية وأفكار مبدعة وتجارب خلاقة وأفق واسع وقيادة حكيمة تمكن "النوخذة" من قيادة دفة الشركة العائلية في الاتجاه السليم للوصول لبر الأمان ومعه الطاقم الماهر من أفراد الأسرة الذين يتمتعون أيضا بروح عالية من المسئولية وحب العائلة وكل ما يرتبط بها والكل يقدم ما عنده ويقوم بدوره علي أفضل وجه لخدمة الشركة أولا والعائلة أولا أيضا. ومن هذا يتم وضع "بصمة" العائلة و"الجينات العائلية" في العمل والتعامل المرتبط بالشركة العائلية.

في واقع الأمر، إذا توفرت العزيمة الصادقة، هناك فرصة متاحة للشركات العائلية للبقاء والاستمرار في العطاء لعدة أجيال وأجيال، والأمثلة كثيرة وفي أماكن عديدة، ولكن كل هذا يتطلب انتهاج سياسة مؤسسية سليمة وصارمة في الشركة منذ البداية علي أن يتبناها بل يلتزم بها الجميع وهذا ما يقع ضمن نطاق ما يعرف حاليا بحوكمة الشركات العائلية. فما هو المطلوب إذن لتحقيق هذه الحوكمة من أجل بقاء واستمرار الشركة العائلية لأجيال وأجيال متتابعة تفتخر وتتفاخر باسم عائلتها و"البصمة الخاصة" التي وضعتها في التجارة وفي خدمة بلدها ومجتمعها؟

إن إدارة الشركة العائلية بنظرة "مؤسسية" أمر بالغ الأهمية ويجب علي الجميع الإصرار علي إدارة الشركة بالطريقة المؤسسية وليس كأمر "عائلي" ينظر له فقط من الناحية الشخصية العاطفية. والمؤسسية تتطلب، منذ البداية، تشكيل مجلس "عائلة" لإدارة الشركة بصلاحيات محددة يسأل عنها في أي وقت. إن مبدأ "المسائلة" من المبادئ المؤسسية الهامة في الحوكمة والتي يجب مراعاتها لضمان استمرار الشركة العائلية. وهذا المجلس يتم اختياره من أفراد العائلة من الجنسين، ولا ننسي دور الأم "الوالدة" والأخوات فالكثير منهن متعهن الله بالحكمة والرؤية السليمة ومن تعطيلهن قد نفقد هذه الميزات، بل قد نبدأ بعفوية في وضع المشكلات دون أن نشعر. ولنستفيد من تجارب عديدة أولها تجربة "أمنا" السيدة خديجة بنت خويلد.

وهناك ضرورة لوضع خطط للعمل في كافة مناحيه، والاتفاق علي ميثاق أو دستور للعائلة يتضمن إطار الأسس التي تجتمع عليها العائلة بصفة مبدئية ودائمة في إدارة الشركة، وتحديد متى تتم الاستعانة بالخبرات من خارج العائلة وحدود هذه الخبرات "الأجنبية"، وتحديد نشاطات الشركة والمشاريع التي تعمل فيها، وكيفية تسلسل القرارات في الإدارة، وكيفية تخويل أو تفويض الصلاحيات بين أفراد الأسرة، وأسس الشفافية والإفصاح التام في كل الأمور الخاصة بالشركة، وكيفية الإحلال والتوارث في الإدارة من القمة إلي آخر أفراد العائلة، وكيفية الفصل التام بين الملكية والإدارة و"الجيب الواحد" مع تحديد الالتزامات المالية وحسابات الشركة وكيفية ضبطها ومراجعتها وتحديد من يقوم بهذه الأدوار وكيفية قيامه، وتحديد العلاقة بين المجلس وأفراد الأسرة والاجتماعات التي تتم ونتائجها ومردود هذه الاجتماعات من النواحي الايجابية أو السلبية، ومراعاة حقوق كل أفراد الأسرة من الحضور أو الغياب وتمثيلهم، وتحديد أسس تسوية الخلافات والمنازعات التي تطرأ بسبب أعمال الشركة أو لأي سبب آخر وأسس تشخيص هذه المشاكل... الخ.

تحقيق هذه النقاط سيؤهل الشركة لانتهاج المؤسسية والحوكمة، وهذا سيتيح للشركة العائلية الاستمرار التوارثي من جيل إلي جيل لأن هناك فواصل بين العائلة والشركة، وفواصل بين العاطفة والعمل المؤسسي، وفواصل بين الذات "الأنا" والمجموعة، وفواصل بين الملكية والإدارة... وغير هذا وذاك من الفواصل التي تشكل نوعا من الضمان لاستمرار الشركة العائلية في جو عمل مؤسسي بعيد عن الشخصيات "الشخصنة" يتساوي فيه الجميع باحترام تام ويقوم الجميع بأدوارهم المحددة وفق خطط الشركة المتفق عليها وكل من يتقاعس يتعرض للمسائلة وفق أسس مؤسسية... ومن هذا يكون البقاء للمؤسسية وليس للأفراد.

أوضحنا مدي أثر الحوكمة في رفد الشركات العائلية بالمؤسسية التي تضخ دماء جديدة في حياة الشركة وبقائها علي قيد الحياة، ولكن في جميع الأحوال يجب أن ترتبط الحوكمة المؤسسية بالحوكمة الشخصية التي تنبع من داخل قلوب وأفكار ونبضات مؤسس الشركة العائلية وطاقمه من كل أفراد الأسرة. إن هذه القناعة الشخصية والدافع الداخلي يشكلان "الروح" للشركة وستظل هذه الروح متألقة بسبب هذه القناعة الشخصية التي تمد الشركة بالحياة. علينا ألا نقول من أول مشكلة، هناك صعوبة في الاستمرار وألا نتأثر بقول الآخرين أن الشركات العائلية تخبو سريعا، ولنكسر هذه القاعدة ونقول علينا البقاء. ولتحقيق هذا فليتكاتف أفراد الأسرة لتقديم قواهم الخارجية والداخلية لدفع شركتهم التي ستستمر في البقاء طالما هناك قوة دفع "عصامية" من خلفها.

ويا سبحان الله، بالرغم من كل هذه الحوكمة بشقيها المؤسسي والشخصي قد لا تستمر الشركة العائلية لأي سبب وهذا أمر جائز ولكنه قد يحدث أيضا لكل الشركات، وكما يقولون يحدث في أرقي العائلات، وبالمثل فان شركات المساهمة غير معصومة لأنها قد تنهار في أي وقت، والأمثلة كثيرة والتجارب مؤلمة. ولهذا نقول، ليس بالضرورة أن يكون الحل في تحول الشركة العائلية لشركة مساهمة، بل قد يكون الحل من داخل الشركة نفسها وبيد مؤسسيها والأسرة ذات العزيمة في البقاء، والبقاء للأصلح.

لنرتب أوضاعنا الداخلية ومن هذا يكون عندنا شركات عائلية متماسكة ذات "طعم خاص" و"نكهة خاصة" بأسماء خاصة تعمل في إخلاص لدفع الاقتصاد الوطني إلي الأمام وتقف مع الشركات المساهمة جنبا إلي جنب في خدمة الوطن، والكل يعمل في مجاله وتخصصه لصالح المجتمع وتقدمه، والكل يعمل"فيما خلق له". ولننظر في كل أطراف العالم حيث نجد الشركات العائلية شامخة والجميع يعرفها وكلنا نعرفها، وكلها تعرضت لهزات قوية ولكنها صمدت بروح العائلة والحوكمة المؤسسية.  

وفي جميع الأحوال، نقول أن تطبيق الحوكمة في الشركات العائلية سيكون مفيدا بل خطوة ضرورية تساعد كثيرا حتى لو تقرر في أي وقت تحويل الشركة إلي شركة مساهمة. وعند دراستنا لتحويل بعض الشركات العائلية لشركات مساهمة اتضح أن الأمر كان سهلا بالنسبة للشركات التي انتهجت "الحوكمة" لأنها وفرت سلاسة تامة وسهولة فيما يتعلق بالتحويل لشركة مساهمة نظرا لطريقة الإدارة المؤسسية "المحوكمة" وما وفرته من الشفافية والإفصاح والمسائلة إضافة للبدائل المنهجية الأخرى في الإدارة، وكل هذا وضع الأرضية السليمة وسهل عملية التحول للمساهمة.

وكذلك الحوكمة وبما توفره من خلق وضع مؤسسي شفاف ومسئول فإنها تساعد في الإدراج في أسواق المال خاصة وأن أسواق المال بدأت ووضعت أسسا خاصة لإدراج الشركات العائلية، وهذا سيساعد علي تقوية عود الشركات العائلية ويؤهلها للحصول علي القروض والدعم المالي للنمو والتوسع في المشاريع. ومن كل هذا يتضح أهمية "الحوكمة" للشركات العائلية والتي سيستفاد منها في المستقبل المنظور في اليوم الأبيض وكذلك الأسود. ولنفكر جديا في حوكمة الشركات العائلية ومن هذا التفكير "الجاد" تبدأ الخطوة الأولي في طريق الحوكمة، الطريق نحو أبواب النجاح والمستقبل الواعد للأجيال القادمة. ولنبدأ...

د. عبد القادر ورسمه غالب

المستشار القانوني ورئيس دائرة الشؤون القانونية لبنك البحرين و الكويت

وأستاذ قوانين الأعمال والتجارة بالجامعة الأمريكية بالبحرين

Email: awghalib@hotmail.com

Twitter:@1awg