تقرير "جادبري" والحوكمة المالية

د. عبد القادر ورسمه غالب

تقرير "السير ادريان جادبري" والمتعلق بحوكمة المسائل المالية في الشركات، والمعروف اختصارا ب "تقرير جادبري"، تم اعداده بواسطة لجنة برئاسته. وتم تشكيل اللجنة لضرورة ملحة بناء علي طلب العديد من الجهات الرسمية والمهنية من ضمنها سوق لندن للأوراق المالية وجمعية مهنة تدقيق الحسابات.

والتقرير الصادر من اللجنة يتضمن، في مجمله، توصيات معينة تتعلق بكيفية إدارة مجلس ادارة الشركة وكيفية ادارة الجوانب المالية للشركة ليتم تدارك أو تخفيف آثار المخاطر الخاصة بالمسائل المالية وتجاوز عوامل الفشل المرتبطة بها. تقرير "جادبري" تم اعتماده في أواخر 1992، ولأهميته تمت الاستفادة منه والاستعانة به في تطوير أحكام مبادئ الحوكمة الصادرة من منظمة الوحدة الأوربية، وكذلك تمت الاستفادة منه في التجربة الأمريكية والبنك الدولي وغيرهما.

كفذلكة تاريخية فان اللجوء الي انتهاج واستحداث مبادئ حوكمة الشركات في الولايات المتحدة الأمريكية، كما نعلم، تم كرد فعل قوي بعد حدوث فضيحة "شركة انرون للطاقة" في أمريكا، والتي طفحت بعد الأعمال عديمة الأخلاق خاصة التي قامت بها شركة آرثر أندرسون للتدقيق في اخفاء المعلومات وتمزيق مستندات البيانات الحسابية بغرض التضليل لإخفاء الحقيقة النتنة والممارسات غير الأخلاقية.

وبسبب هذه الفضيحة الفاضحة هاجت و ماجت كل الدوائر وكل الجهات المختصة في أمريكا مما استدعي العمل علي انتهاج واستحداث مبادئ حوكمة الشركات ليتم ضمان نزاهة وحسن سير الأعمال في الشركات والقطاع المؤسسي حتي لا تتكرر مثل هذه الفضائح، أو علي الأقل، عمل كابح للتقليل من حدوثها. ومن الناحية الثانية، في المملكة المتحدة تم تكوين لجنة لدراسة المسائل المالية من وجهة نظر تحقيق حوكمة الشركات، واصدرت اللجنة "تقرير جادبري" وهذا في الحقيقة تم كرد فعل لبعض الفضائح التي حدثت للعديد من الشركات العملاقة ذات السمعة الكبيرة والتي كانت تملأ الأسماع ويشار لها بالبنان. وخير مثال تلك الفضيحة التي حدثت بصورة مفاجأة بعد غرق "روبرت ماكسويل" المليونير الانجليزي في عام 1990 عندما كان في نزهة ابحار في يخته في جزر الكناري.

وبعد وفاته في ظروف مريبة (أو ربما انتحاره) اتضح أن شركاته ذات السمعة الكبيرة في الأسواق تعاني من مسائل مالية حادة بسبب الديون المتراكمة التي تم الحصول عليها بالتدليس والخداع الكاذب. و فقط بعد الاختفاء المريب لماكسويل، والذي تم في ظروف غامضة، وقبل حدوث الغرق (أو الانتحار) تبين حدوث أخطاء أو وجود تجاوزات كبيرة والتدليس في تقديم المعلومات عن شركاته المقترضة حتي أذنيها اضافة لاختفاء مئات الملايين من الاسترليني من حساب صندوق التقاعد الخاص بشركاته.

ومن الواضح أن بعض الشركات العابرة الأخطبوطية كانت تعمل بطرق ملتوية وأن الجهات الرقابية الرسمية في المملكة المتحدة وأمريكا وغيرها كانت "نائمة" وفي عالم آخر. وبالتالي لم تتمكن من اتخاذ المحاذير أو الاجراءات المطلوبة ضد ماكسويل أو شركاته أو ممتلكاته بالرغم من وجود العديد من المخالفات الكبيرة والجسيمة. وبعد أن امتلأت خزائنها بالقروض وأموال المودعين، وبعد استنزاف هذه الموارد لمصالحهم الجشعة، وفي فترة لاحقة تقدمت هذه الشركات بإعلان الافلاس كخطوة لحماية نفسها في المملكة المتحدة وأمريكا.

هذا، وفي نفس الوقت الذي ظهرت فيه فضائح روبرت ماكسويل وشركاته، ظهرت أيضا مشكلة افلاس بنك الاعتماد والتجارة الدولي (بي سي سي آي) في لندن وكذلك مشكلة شركة بولي بيك... وكل هذه الشركات في الظاهر كانت في أوضاع مالية تبدو سلمية ومتعافية وكانت هذه الشركات "عملاقة في نظر الجميع" وكانت مثلا يحتذي في البزنس وقطاع الأموال، ولكن فجأة وبدون مقدمات يحصل الانهيار والتساقط والافلاس الكبير الذي يعرض كل القطاع الاقتصادي والتجاري للكوارث. ولهذا طرأت فكرة تكوين لجنة "جادبري" لعمل اللازم من أجل حوكمة المسائل المالية في جميع الشركات في المملكة المتحدة. وهذا التصرف كان وسيكون أضعف الايمان لتصحيح الأوضاع وتنظيف الأجواء للعمل المؤسسي السليم.

تضمن تقرير "جادبري" توصيات هامة ساهمت في تعبيد الطريق نحو الوصول لحوكمة الشركات، ومن أهم هذه التوصيات، استحداث وثيقة الممارسات السليمة التي تلزم جميع المهنيين المختصين بانتهاج اتباع أفضل وأسلم وأنجع الممارسات أثناء تنفيذهم لواجباتهم المؤسسية ومن لا ينصاع لأحكام هذه الممارسات السليمة عليه تحمل كافة المسؤوليات.

ومن التوصيات العمل علي رفع كفاءة مجلس الادارة والأعضاء غير التنفيذيين ودورهم، اضافة لحقوق كل الأعضاء في التدريب والحصول علي الدعم الفني والاستشارات الفنية الضرورية لأعمالهم. وفي ما يتعلق بالمسائل المالية هناك توصيات خاصة بالتقارير المالية والمحاسبية وكيفية الاعداد والمتابعة لتفادي الممارسات غير السليمة والتجاوزات بسوء قصد، ودور مدققي الحسابات ومسؤولياتهم المهنية والقانونية في كل الاحتمالات وكل الحالات،

وتوصيات بخصوص العلاقة والارتباط في ما بين المساهمين صغارهم وكبارهم مع مجلس الادارة ومسؤوليات كل طرف ومدي نفوذ دور المساهمين في المتابعة والمراقبة خاصة في المسائل المالية والمحاسبية لضمان سلامة التنفيذ وتضييق الفرص للممارسات غير السليمة والمخالفة للقانون والأعراف والأخلاق المهنية وفق اللوائح والضوابط السارية...

هذه بعض التوصيات الأساسية التي تضمنها تقرير جادبري لحوكمة كافة الأمور المرتبطة بالمسائل المالية في الشركات، وذلك سعيا لتحقيق أفضل السبل للإدارة الرشيدة والممارسة السليمة وحتي يتم توفير الحد الأدنى من الرقابة والمتابعة المستمرة لما يجري في "حسابات" هذه الشركات قبل أن يقع الفأس في الرأس... ومن  توصيات تقرير "جادبري" تم وضع بعض اللبنات الهامة في طريق الحوكمة "المالية" للشركات..