الحوكمة وتضارب المصالح

د. عبد القادر ورسمه غالب

العمل في اي مكان له قواعد ثابتة وأسس عميقة ومبادئ عامة لا بد من الحرص عليها والتمسك بها ومراعاة تطبيقها مع الامتثال لأبعادها في حدودها الأدنى، على الأقل، وذلك حتى تتحقق النتائج المرجوة من العمل وتعود الفوائد الجمة على الجميع وفي مقدمتهم من قام بالعمل نفسه.
وتحقيق الامتثال لهذه المبادئ الأساسية المرتبطة بالعمل أمر له أهمية قصوى من النواحي المادية والنفسية لكنه يحتاج لنكران الذات والنزاهة والأمانة وقبل كل هذا الولاء للعمل.
إن الولاء للعمل يظهر جليا عبر عدة منافذ يمارسها العامل خلال تأديته لمهام عمله طيلة فترة العمل، بل في كل الأوقات.
والولاء «لويلاتي» له آثار عظيمة وبعيدة المدى في تقدم العمل ودفعه بصورة مطردة للأمام، وهو من الأمور المطلوبة بشدة من الجميع بالرغم من اختلاف درجته من عامل لآخر وكذلك من وقت لآخر.
ولكن هذا «الولاء» واجب ويعتبر من الأمور ذات الضرورة القصوى في جميع الأعمال وفي جميع الأحوال.
ولك أن تتخيل كيف تسير الأمور عندما تتم ممارسة العمل من دون توفر الولاء المطلوب، بل كيف يستطيع الشخص أن يعمل في مكان لا يربطه به حبل الولاء الذي يغذي الشعور بالحب والارتباط بين العامل والعمل.
وهذا هو الفرق بين الانسان والآلة الصماء، ولذا تم التركيز علي الولاء في المبادئ العامة لحوكمة الشركات التي تهدف أساسا للارتقاء بالعمل المؤسسي عبر توفر ثالوث «الصدق والاهتمام والولاء» للعمل.
وغالبية الشركات والمؤسسات التي تتطلع للمؤسسية تنادي بالوفاء للعمل والاخلاص التام له حتي يضمن العامل البقاء المستمر في العمل، والوفاء الدائم والاخلاص المجرد لا يتم الا بتوفر الولاء للشركة والعمل الذي يباشره العامل في هذه الشركة.
والأمر هنا ينطبق على الجميع وفي مقدمتهم مجلس ادارة الشركة والادارة التنفيذية العليا لأن الولاء للعمل يجب أن يربط الجميع في صورة متكاملة متراصة من القمة الى قاع الهرم كالجسد الواحد.
ان تعهد «الولاء» والالتزام به يتطلب توفر وتنفيذ عدة معايير من أهمها، وفق مبادئ الحوكمة، الحرص على عدم تضارب المصالح بين العامل والعمل، وبين مجلس الادارة والشركة.
وعدم تضارب المصالح والحرص عليه يجب أن يكون من أهم أولويات مجلس الادارة، والقوانين ومبادئ حوكمة الشركات والممارسات المؤسسية السليمة كلها تنادي بالحرص علي عدم تضارب المصالح «كونفلكت أوف انترست» أو تفضيل الذات والمصلحة الخاصة مع الحرص علي تغليب مصلحة العمل والشركة على كل المصالح الخاصة وفي مثل هذا الايثار عمل أخلاقي كبير ينبع عنه قمة التعبير عن نكران الذات لصالح تلك المجموعة التي تعمل لها ومعها لصالح الجميع، وهنا قمة الانضباط المؤسسي الذي يخلق شركات بمواصفات ومعايير خاصة تخدم من أجل مصلحة الجميع.
وكقاعدة عملية، لا بد من التزام الجميع بالإفصاح التام عن أي نشاط أو فعل قد يؤدي الى «تضارب المصالح» مع الشركة أو العمل أو قد يكون وجوده أو ارتكابه غير عادل للشركة أو توابعها.
وهذا الإفصاح يجب أن يتم في الوقت المناسب والزمان الصحيح حتى يأتي مفعوله.
كما يجب أن يقدم الإفصاح للجهة الصحيحة ذات القرار وصاحبة الرأي الملائم حيال ما تم الافصاح عنه.
وعلى أي من أعضاء مجلس الادارة اخطار المجلس بأي حالة قد تقود الى «تضارب المصالح» أو التأثير على هذه المصالح أو عدم توفر العدالة الكافية لصالح الشركة من أي أمر يقومون به أو يرغبون في القيام به لصالحهم، والأمر هنا يعود لتقدير مجلس الادارة ورأيه النهائي فيما عرض عليه من أمر وذلك من دون تدخل أو مشاركة من العضو (أو الأعضاء) صاحب المصلحة المحتملة.
وتحقيقا للولاء، وبصفة عامة، يجب على أعضاء مجلس الادارة ممارسة دورهم بأمانة مطلقة والحرص الواضح على تفضيل مصلحة العمل والشركة، وعليهم في جميع الأوقات عدم استغلال المنصب لتحقيق امتيازات أو أفضلية ذاتية شخصية.
وتحقيقا للولاء كذلك، لا بد من الحرص على السرية التامة في كل ما يتعلق بالعمل والأعمال وهذه السرية من أول أولويات الولاء للشركة والعمل.
وإفشاء الأسرار يدل علي عدم الولاء وعدم الأخلاق وعدم المهنية، مما يهدم الحوكمة والمؤسسية.
تحرص الشركات الآن بل ووفق مبادئ حوكمة الشركات المتبعة في كل العالم على انتهاج سياسات واضحة بشأن تعارض المصالح والعمل على تجنبها، ويجب على كل شركة أن تقوم بإعداد ضوابط ولوائح لتعريف المصالح ومتي يتم التعارض وكيفية الالتزام بعدم تعارض المصالح، مع وضع سياسات واضحة الأهداف في هذا الخصوص تكون ملزمة لجميع من يعمل في الشركة، وفي هذا حفظ لحقوق الشركة وكل الجهات المرتبطة بها.
وهناك حالات خاصة تتطلب مراعاة المزيد من الولاء لتحقيق عدم تضارب المصالح، وهذا مثلا عندما تكون الشركة قابضة وتتداخل أعمالها ومصالحها وهذا الوضع الخاص يتطلب وضع معايير واضحة لكيفية انتقال المعلومات وتبادلها بين الأطراف التابعة للشركة القابضة.
وهذا مطلوب لأن تبادل بعض المعلومات السرية وكشفها بين الشركات، سواء عن قصد سليم أو غير ذلك، قد يؤدي الي نوع من تضارب المصالح علي حساب أحد الأطراف وربما لمصلحة الطرف الذي قام بتقديم المعلومة.
وهنا، يجب أن تتضمن لوائح الشركة كيفية التعامل لتحقيق الولاء في مثل هذه الحالات.
ولأهمية الموضوع فهناك برامج كثيرة الآن تقوم بالإعداد والتدريب المطلوب لتوفر «الولاء» والالتزام به كأحد الأعمدة الأساسية في العمل المؤسسي السليم والادارة الرشيدة والحوكمة السديدة التي تتطلع لها الشركات ومن يقف خلفها في الادارة.
ويجب علي الشركات إلزام من يعمل بها لأخذ الكبسولة التدريبية المناسبة التي تمكنه من الالتزام المطلوب بمعايير «الولاء»، وفق الضوابط الصادرة من الشركة، وبما يوفر الحماية للعمل المؤسسي السليم، ويدعم ترسيخ مبادي حوكمة الشركات.
 
awghalib@hotmail.com
Twitter:@1awg