الحوكمة منظومة لتهذيب الوحش في داخلنا

د.عبد الباري مشعل

انتهى التطور المهني المعاصر في مجال العمل المؤسساتي إلى تعزيز الحوكمة. والحوكمة باختصار إطار هادف لتعزيز الشفافية والإفصاح عن المعلومات واستقلالية الإدارة والجهات الرقابية ضماناً للحصول على قرارات إدارية، وآراء رقابية تتسم بالموضوعية والانحياز للمستندات على حساب الأشخاص والنزعات المادية الفردية والنزعات القبلية والعائلية والعصبية.
وقد اتخذت الحوكمة من أصحاب المصلحة محوراً هاماً لتعزيز مبادئها ويقصد بأصحاب المصلحة: المساهمون، مجلس الإدارة، الإدارة، العاملون، أصحاب الحسابات الاستثمارية في البنوك، المحاسب القانوني.
ولتعزيز الاستقلالية اتخذت الحوكمة مبدءًا عريضًا هو عدم تعارض المصالح، ويعرف في فقهنا الشرعي بتضاد المصالح، وبنى الفقهاء أحكام الوكالة على هذا المبدأ فمنهم من لم يجز أن يبيع أو يشتري الوكيل من نفسه لمصلحة موكله لما يترتب على ذلك من تضاد مصالح بصفته وكيلاً يعمل لمصلحة الموكل وأصيلاً يعمل لمصلحة نفسه.
وفي المجمل الحوكمة مبادئ هادفة لتهذيب السلوك ليكون أقرب إلى السلوك الأخلاقي المنضبط بضوابط الشرع، فالقرار الإداري لا يحابي قريبًا ولا شريكاً كما أن الرأي الرقابي لا يحابي قريبًا ولا شريكًا، ولذلك اشترط في متطلبات الحوكمة على مستوى المؤسسات ألا تكون للمحاسب القانوني صفة وظيفية في المؤسسة التي يراقب عليها، أو ألا يكون قد حصل على تسهيلات مالية منها، أو لا يكون له أقارب من الدرجة الأولى وحتى الرابعة في مناصب إدارية في داخل المؤسسة، وكذلك اشترط على أعضاء مجلس الإدارة، وعلى هيئات الرقابة الشرعية، لأن كل هذا يؤثر في استقلالية القرار والرأي وانحيازه للأشخاص على حساب المستندات والوقائع الحقيقية.
وكما تنطبق الحوكمة على المؤسسات تنطيق على الدولة، والأحزاب والجماعات، من باب أولى.
وقد زخر فقهنا الإسلامي في مجال القضاء والفتيا بشروط وقيود تندرج في صلب الحوكمة حرصا على استقلالية رأي القاضي والمفتي.
وعلى الجانب الآخر الحوكمة تعطينا إضاءات حول استقلالية الرأي في علاقاتنا الاجتماعية ... فلا يُنتظرُ من الأب أن يكون منصفاً في رأيه في ولده، ولا من الابن أن يكون منصفًا في رأيه في والده ولا من الأخ أن يكون منصفًا في رأيه في أخيه.
وعلى الجانب الثالث في تحليلاتنا وآرائنا السياسية وتطورات الأحداث المتلاحقة من حولنا من هنا وهناك. لا تتوقع ممن يخاف على الدور والضياع والأموال رأيًا منصفًا وموضوعيًا فيما يراه من مظالم وهدر للأنفس والحقوق. بل إن الواقع أثبت اصطفاف كثير من النخبة حول مصالحهم.
عندما تدرك قضايا الحوكمة ندرك أنها منظومة متكاملة لتهذيب السلوك البشري ليبدو أكثر اتزانا وموضوعية، وبدل أن نبدو وحوشًا في غابة تعلي الحوكمة من شأن القيم والمثل والأخلاق للحفاظ على إنسانيتنا.