الأخلاق المؤسسية وشركة فودافون للاتصالات

د. عبد القادر ورسمه غالب

تم النشر اليوم الخميس 12 يونيو 2014 الملحق الاقتصادي ص 8

الأخلاق المؤسسية وشركة فودافون للاتصالات

ما زالت آثار الصدمة التي تلت تصريحات "سنودن"، بخصوص تجسس أمريكا علي الاتصالات والانترنت، باقية ومؤلمة لأنها كشفت للصغار البعض من كذب "الكبار"، وتلا ذلك الكشف عن تجسس أمريكا وتصنتها علي تلفونات رؤساء الدول الصديقة الحليفة وعرف الجميع أين يقفون ومدي قيمة الصداقة التي تجمعهم وهم يتلصصون علي بعض ويتلذذون بما يعرفونه من أسرار وخصوصيات. وبفعلته الجريئة دخل "سنودن" التاريخ المعاصر، وفعلا هناك من يسمي عصرنا بعصر "السنودونية الويكيليكسية".

واستمر زلزال "سنودن التوسنامي" يضرب في كافة المحيطات، وفي هذا الخضم، فجأة قامت شركة فودافون للاتصالات، وهي من أكبر شركات الاتصالات البريطانية وكذلك في العالم، بفتح خزائن أسرارها بالغة السرية وأعلنت للملأ في تقرير مفاجئ وغير مسبوق في الخطورة، أن بعض الحكومات وأجهزتها الاستخباراتية تقوم بالدخول في شبكتها لمراقبة الاتصالات والمحادثات التي يجريها الزبائن وكل الزبائن علي الإطلاق. هذا كلام خطير ويزلزل العلاقة القانونية التعاقدية الخاصة بين فودافون وزبائنها لأن فودافون تسمح بالتجسس علي اتصالات الزبون وهو، يا حسرة، آخر من يعلم.

قالت فودافون أنه ومن واقع عملها المنتشر في العديد من الدول تبين لها أن القانون في بعض الدول يأمر بأن تتمكن الحكومة وأجهزتها من الوصول مباشرة إلي شبكة التشغيل التي تملكها شركة الاتصالات وذلك بوضع توصيلات خاصة بهم في داخل الشبكة أو إمكانية الوصول بشكل دائم عن طريق وسائلهم الخاصة بهم أو بأمر شركة الاتصالات بمساعدتهم في التصنت كلما طلبوا ذلك. والسؤال لماذا هذا التصريح الخطير الآن ؟ تقول فودافون أنها كانت مجبرة علي الالتزام بقوانين الدول التي تعمل بها وعليها الانصياع حتى لا يسحب الترخيص منها وأيضا لحماية موظفيها من المتابعات القضائية الجزائية في حالة امتناعهم عن تنفيذ الأوامر الحكومية. وتقول فودافون أيضا أنها نشرت هذا الغسيل الآن لتحقيق التوازن بين مسئولياتها كشركة واحترام حقوق زبائنها في الحياة الخاصة وسرية معلوماتهم من جهة وواجباتهم كشركة في الالتزام بتطبيق القوانين في البلدان التي يعملوا فيها مع واجبهم نحو حماية موظفيها من الجهة الأخرى.

كما نقول "أن تأتي متأخرا خير من أن لا تأتي" وما قامت به شركة فودافون يمثل شجاعة فائقة لا تأتي إلا من شركة تتمتع بأخلاق مؤسسية عالية لدرجة نكران الذات. ومن الواضح إن تصريح الشركة، الذي أشارت فيه إلي أنها تسعي للتوازن بين واجباتها وحقوق زبائنها، فيه اعتراف ضمني بأنها ارتكبت خطأ "جوهري" تجاه زبائنها وضمنيا كذلك تطلب منهم الرحمة والمغفرة. والاعتراف بالخطأ قمة الشجاعة والجسارة، لأن الشركة تعرض نفسها للملاحقات القضائية الباهظة التي قد تعرضها للفناء وكبار التنفيذيين للمسائلة القانونية. إن ما قامت به فودافون يمثل خطوة جريئة في طريق الالتزام التام بالحوكمة التي تقوم ركائزها علي الإفصاح والشفافية مع تحمل المساءلة والمسئولية مهما كانت النتائج حتى تسليم العنق. وهذه الخطوة "الفودافونية" الشجاعة يجب أن تؤخذ كمثال نادر في الأخلاق المؤسسية الرفيعة التي تعترف بالخطأ وتتحمل نتائجه مهما كانت. ونتحدى الشركات الأخرى، في شتي القطاعات، أن تعمل مثل فودافون ولكن سيطول الانتظار لقدوم "جودو". 

كما نعلم فان العيب ليس في ارتكاب الخطأ ولكن العيب في استمرار الخطأ ومداراته، "وخير الخطائين التوابون" (الحديث). والشجاعة والأمانة المؤسسية أمر مطلوب وعلي الجميع الالتزام به سواء في الشركات الكبيرة والعائلية والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة بل وفي كل الأعمال لأن الشجاعة والأمانة يجب أن تكون تاج علي رؤوس أعمالنا  و"... خير من استأجرت القوي الأمين" (الآية). ولنخطو للأمام لنرضي أنفسنا ونحوز علي قبول خالقنا جل وعلا، ولنأخذ العبرة من فودافون التي حزمت أمرها وأخرجت ما في صدرها احتراما للمؤسسية التي تجمعها مع الزبائن والمستهلكين وتقديرا لأصحاب المصالح المرتبطة والمجتمعات التي تعمل فيها. نعم فودافون قطعا أخطأت، من الناحية القانونية، عندما لم تفصح عن هذا الأمر الهام للزبائن وقت التعاقد هذا إضافة لكسرها لالتزاماتها الأخلاقية والمهنية، ولكنها الآن "صحت" من غفوتها وباحت بالسر الخفي وقطعت شرايين الحبل السري الواصل بين شبكاتها وشبكات حكومات الدول التي تعمل فيها.

السؤال، وهنا مربط الفرس، هل تتمتع شركاتنا الأخرى بهذه الشجاعة وتعترف بأخطائها الدفينة وتتحمل النتائج. وحتى لو كانت تفقد الشجاعة، فهل يتحرك ضميرها بعد الزلزال الفودافوني المعترف بالخطأ ؟ نأمل ذلك، خاصة وأن كل التجارب اليومية الجميلة ما هي إلا عصارة أخطاء تم ارتكابها في وقت ما، في زمن ما، في مكان ما، بواسطة شخص ما،... ولو لا الأخطاء لما عرفنا الصاح، والشاطر من يستفيد من تجارب وأخطاء الآخرين.

الآن وقد تعرت الحقيقة وظهرت وجوه الحكومات في التعامل مع حق الخصوصية الشخصية، ماذا نفعل ؟ وأنت ماذا تفعل وأنت تعلم أنك عندما تتصل مع زوجتك مثلا فهناك آذان أخري تسمع وتدون وتسجل وتخزن وتأرشف للتاريخ وربما ضدك وضدها... والي أين تهرب من هذه الأرض بخصوصيتك الخاصة، وهل تستطيع الهروب منها "إلا بسلطان" الحكومات... وهكذا الحكومات مع أجهزتها وفيما بين يوم وليلة قلبت النعمة إلي نغمة، وكان بإمكانها أن تتفادى هذا الموقف وتحرص علي الحقوق الدستورية وقواعد العدالة الطبيعية وكفالتها لمواطنيها في كل خصوصياتهم خاصة وأنها يجب أن تكون "أم" الجميع وملجأ الصغير والكبير. ولكن عرفنا حقيقة الأمر مما قالته فودافون. ويا بأس ما قالت.

فودافون شركة بريطانية، وهي بلد القانون والدستور غير المكتوب والمطبوع في الأفئدة، وبلد ثقافة "الوست منستر" و"الماجنا كارتا". ولا أعرف هل يعيد التاريخ نفسه ويعمل لنا أهل بريطانيا "ماجنا كارتا" جديدة أمام نهر التايمز ويتقدم المستهلكون لساحة العدالة ولمجلس اللوردات للمطالبة بحقوقهم الدستورية في الخصوصية المتغول عليها من الحكومات، وكذلك مطالبة فودافون بإبطال العقود للتدليس وإخفاء المعلومات الجوهرية وغيره من الشروط الأساسية في العقود المبرمة إضافة للوائح الاشتراطات المهنية والأخلاقية، مع المطالبة بكافة التعويضات المترتبة علي الإخلال بالعقود والعهود وهتك "العروض"...

أعتقد أن شركة فودافون وبتصرفها الشجاع وضعت الجميع أمام محك صعب. فهل سيحدث قبول وصمت أو رفض وتحرك ضد الشركة ومن يقف خلفها. والتحرك في الاتجاهين أيضا يحتاج للشجاعة، وأنا شخصيا أتطلع بشدة لرؤية فودافون أمام المحاكم لأننا نحتاج إلي أحكام مفصلية وسوابق قضائية غير مسبوقة تضع لنا الفواصل الفاصلة بين الحقوق الخاصة للمستهلك والحقوق العامة التي تنادي بها الدولة. نحتاج لمثل هذه الأحكام لنري "ماجنا كارتا" جديدة تعيد لمبادئ حقوق الإنسان حقوقها وكرامتها. ونتطلع إلي "ماستر أوف ذا رولز" جديد يعيد روح "لورد ديننق" ويعيد للقانون هيبته وللإنسان حقوقه الشخصية ويضع الأمور في نصابها الصحيح، ولا يصح إلا الصحيح...

وليأخذ القانون مجراه إذا حدث تحرك ضد فودافون ولم تتم التسويات الجانبية، وأعتقد أن فودافون حاولت استباق الزمن في وجه أي صراعات قانونية محتملة، ولكن الدرس الحقيقي مما حدث أن شركة فودافون قلبت المواعين فوق رؤوس الأشهاد وتصرفت بشجاعة مؤسسية لم يسبق لها مثيل. وبهذا أكدت للجميع أن الالتزام بحوكمة الشركات وتطبيق الشفافية والإفصاح أمر له مدلولات بعيدة يمكن الاستفادة منها سواء كانت النتيجة ايجابية أو سلبية. وفودافون تعلم أن القانون لن يرحمها ولكنها لملمت أطرافها وجراحها الداخلية واعترفت بما اقترفته ولسان حالها يقول بصوت منخفض "آسفين"، وأنها مستعدة لوضع سلاح المحارب وتحمل نتائج الحكم... وهنا قمة المسئولية المؤسسية، ولنحذو حذوها في كل شركاتنا المساهمة والعائلية وفي كل مؤسساتنا الصغيرة والمتوسطة، وديدننا أن الأمانة تريح الضمير و"الصدق منجاة". وسيسطر التاريخ هذه اللحظات، وعليك أنت... ونحن... بل أنت من واقع مسئوليتك، أن تتشجع وتغتنم هذه الفرصة التاريخية لتكون جزءا منها بأفعالك المماثلة لشجاعة فودافون. وهم ليسوا بأشجع منك، وهذه لحظتك للإفصاح والشفافية وتحمل المسئولية المؤسسية... واللحظات تخلق التاريخ للمستقبل... ولتكن جزء من التاريخ كفودافون...

د. عبد القادر ورسمه غالب

المستشار القانوني ورئيس دائرة الشؤون القانون لمجموعة بنك البحرين والكويت

وأستاذ قوانين الأعمال والتجارة بالجامعة الأمريكية بالبحرين

Email: awghalib@hotmail.com

Twitter:@1awg