في حوار بين التجار والمالية

المغالاة في فرض الضرائب يعرقل الحياة الاقتصادية ودورة الإنتاج

 

الدكتور سامر مظهر قنطقجي

نشرت في الاقتصادية العدد التاسع 19/8/2001

 

الضرائب مورد من موارد الدولة في العصر الحديث ، ووسيلة مالية لتدخل الدولة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية. فهي عبارة عن اقتطاع جزء من دخل المكلفين لتمويل بعض أعباء الحياة العامة. لكن المغالاة في تحديد هذا الجزء يؤدي غالبا إلى عرقلة الحياة الإقتصادية ويشكل عقبة أمام دورة الإنتاج. فكما يقال في المثل : كي لا يفنى الغنم ، فالتوازن مطلوب وطغيان طرف على آخر سيؤدي إلى خلل يصعب إصلاحه ، وُيخل بقصد المشرّع من فرضه للضرائب. فمن يربح 800.000 ل.س فأكثر يخضع لشريحة ال 45% ثم يضاف عليه 30% مجهود حربي و10% إدارة محلية وغالبا هناك 10% غرامات وفوائد تأخير ، مما يعني أن المكلف يسدد 69.3 % من دخله ، وهذا لا يطاق في أي مهنة ولا يساعد في تحقيق أية توسعات في الأعمال. فالتطوير والتنمية لا يقومان إلا بتوافر مشاريع كبيرة تستلزم رؤوس أموال كبيرة ، وهذا لا يمكن تحقيقه في ظل نظام ضريبي كالذي تخضع له المشاريع والأعمال في أيامنا هذه.

وأمام هذا الواقع ، وبسبب الضرر الذي يلحق بالتجار خاصة أولئك الذين يخضعون لضريبة الأرباح الحقيقة، فقد دعت غرفة تجارة وصناعة حماة مديرية مالية حماة لعقد اجتماع بغية مناقشة مواضيع تتعلق بضريبة الأرباح الحقيقية أملا في الخروج بتوصيات تكون أساسا في تعديلات مفيدة للتشريعات المالية والضريبية المرتقبة.

تلخصت خطة عمل مديرية مالية حماة  حسب كلمة السيد المدير بما يلي :

·        إن أبواب مديرية مالية حماة مفتوحة لأي مراجع.

·   التعامل يتم بشفافية بموجب القوانين والأنظمة ولا يوجد تكليف إلا وعليه توقيع خبير المهنة وأي تكليف قابل للمناقشة في حماة أو في دمشق.

·   كما دعى السيد مدير المالية لعقد إجتماعات دورية مع غرفة تجارة وصناعة حماة كما هو الحال مع باقي النقابات والجمعيات المهنية الأخرى وذلك لتقريب وجهات النظر فالاستفسار والسؤال يؤديان إلى التوضيح والابتعاد عن الأخطاء والإشكالات.

·        تبحث مديرية المالية عن التعاون مع المكلف وصولا للحقيقة.

 

أما الأسئلة والاستفسارات الموجهة فكانت كالتالي :

- لماذا تكلف غرفة تجارة وصناعة حماة بالضرائب ؟ لماذا تكلف الأراضي الزراعية بالضرائب ؟ أليست هي معفاة منها ؟

- لماذا ترجع مالية حماة على ورثة المتوفى بضريبة التركات ل 4-6 سنوات مضت والقانون لا يسمح إلا بسنة واحدة؟

- لماذا تخضع بيوت السكن في بعض المناطق للضرائب بينما هي معفاة منها ؟

- لماذا يجبر القطاع العام على الشراء من شركة التجزئة الأمر الذي يؤدي إلى الشراء من تجار دمشق وحرمان تجار حماة من المنافسة وتقديم البديل الأفضل ؟

- ما الفرق بين الربح الحقيقي والربح الصافي ؟

- هل هناك قانون يلزم مديريات المالية بتطبيق نسبة على التجار أي ما يسمى بسياسة الإنجاز  ؟ ، وبأي آلية أو موضوعية يتم تحديد الربح من قبل المالية دون رأي المكلف ؟ وعليه فلا عبرة لأية مصاريف أو اهتلاكات أو ديون مشكوك بها أو معدومة وكذلك لا عبرة لأي من مصاريف المياه والكهرباء والنظافة ....إلخ .

- هل يقوم خبراء المهنة المحلفين - الذين لا يتم اختيارهم مالم ترض عنهم مديرية المالية – بأداء عملهم بشكل فعلي فيتم مراعاة حالة كل مكلف على حدة وبشكل واقعي وحقيقي ؟

- هل هناك قانون يعترف بالربح ولا يعترف بالخسارة ؟ وهل هناك سياسة لدى مديريات المالية لقياس تبدل الأرباح والخسائر حسب الزمان والمكان ؟

- لماذا يجبر المكلف على تقديم بيانه ضمن مهلة محددة ويتعرض للغرامات والجزاءات في حال التأخر ، ولايوجد ما يجبر مراقبي المالية في إصدار التكليف ضمن فترة محددة حتى لا يتعرض المكلف لغرامات وفوائد تأخير ؟

- لماذا يجبر المكلف على تقديم دفاتر ممهورة ، ويغّرم في حال عدم مهرها ؟ بينما مراقب المالية يعمل بها أو يتركها حسب ما يحلو له دون ضابط ؟

- لماذا  ُيبلّغ مكلفي تجارة الأغنام بأنه لا ضريبة عليهم ثم وبعد مضي سبع سنوات يفاجأون بتكليف لما مضى من السنين ؟ وطبعا التكليف حسب سياسة الإنجاز دون النظر لأي تكلفة محققة كتكاليف الشحن والنفوق والمرض والعلاج ومصاريف الحجر الصحي وما إلى ذلك من تكاليف. مما يعني الظلم الأكيد للبعض !

- لماذا لا يلغى رسم طابع عقد تأسيس شركات الاستثمار المرخصة بموجب قاتون الاستثمار رقم 10 ؟ علما بأن كثيرا من المستثمرين يحجمون عن تأسيس مشاريعهم بسبب هذا الرسم الذي يبلغ 1.5% من رأس المال فالمشروع الذي يبلغ رأس ماله 100 مليون سيسدد مليون ونصف ليرة سورية كرسم طابع عقد ، وهذا عامل نبذ لا عامل جذب للاستثمارات ، فالقانون المذكور أعفى المشاريع من 5-7 سنوات فما المانع من إعفاء هذه الشركات من رسم طابع العقد علما أن مصر مثلا تعفي الشركات 15 سنة من ضريبة الدخل.

- هناك حالات ازدواج ضريبي يخضع لها المكلف ، فمثلا إن المكلف الذي يبيع مادة ما كالمكيفات مثلا ويخضع لضريبة الأرباح الحقيقية حسب الأصول ، إذا قدم عرضا أو أجرى عقدا على بيع عددا من المكيفات لجهة ما ، فإن المالية تكلفه بالعقد على أساس التعهدات بشكل مستقل على الرغم من أنه يسدد على نفس النشاط ضريبة أرباح حقيقية بشكل سنوي. فالمكلف لم يمارس نشاطا غير نشاطه ومع ذلك فقد تم تكليفه بضريبتين نوعيتين على نفس النشاط.

 

في الحقيقة إن العلاقة بين المكلف ومديريات المالية يشوبها الكثير من عدم الوضوح الذي يؤدي بالنتيجة إلى غبن المكلف في الغالب. والتعاون الذي تطلبه المالية لا يمكن أن يتحقق طالما أن مراقبيها يلمّون جيدا بالقوانين وتفسيراتها بينما لا يدري المكلف عنها شيء. كما أن لجوء مديريات المالية إلى توقيع بعض المكلفين على صك تكليف أبيض فيه غبن واجحاف ولا يجوز شرعا و لاقانونا. فالمكلف بمثابة المسترسل والمالية بمثابة القاضي والخصم. كما أن الاجتماعات الدورية لن تفي بالغرض طالما أن توجهات وزارة المالية وقوانينها تتطلع لتحقيق زيادة في المتحصلات بنسب متصاعدة سنويا بناء على ما قبلها من سنوات دون النظر لحالة الأسواق ولحالة المكلفين الأمر الذي يؤدي إلى إفلاس أو شبه إفلاس لفئة من المكلفين أو على الأقل عزوفهم عن مهنهم. فلا أدري ما هو موقف الحكومة فيما لو أحجم تجار الماشية عن عملهم وأدى ذلك إلى زعزعة الاستقرار الغذائي في البلد ؟ فلا المطلوب  إعفاؤهم من الضرائب ولا امتصاص كامل أرباحهم ، فلا أحد يعمل مجانا. وهذا ما ينطبق على تجار ومصدري الخضار والفواكه.

لقد تكرر في الاجتماع عبارة "حسب القوانين والأنظمة" أكثر من ثلاثين مرة من قبل السيدين مدير مالية حماة ومدير شركة التجزئة "عضو غرفة تجارة وصناعة حماة عن القطاع العام" أكثر من ثلاثين مرة ، وكأن مديرية المالية ملتزمة وحدها بالقوانين والأنظمة ! إن القانون يلزم كلا من مديرية مالية حماة والمكلفين على تحقيق الأرباح بموجب دفاتر محاسبية أصولية ممهورة من قبل ديوان مالية حماة أو محكمة البداية المدنية. وتنظم الحسابات وتشاهد من قبل محاسب قانوني ، ويمثل التجار مندوب أو خبير المهنة لمعرفته بأحوال السوق وبأحوال التجار الشخصية والمهنية ، وبذلك يصبح التكليف أقرب ما يكون إلى الحقيقة. لكن توجه مديريات المالية نحو تحقيق تكاليفها على أساس سياسة الإنجاز ألغى العمل بالنظام الذي أوضحناه طبقا للقانون ، علما أن هذه السياسة قد ارتأتها وزارة المالية لانجاز سنوات التراكم التي وجدت بشكل طارئ إلا أن الوزارة استسهلت العمل بهذه السياسة. ومما يعيب هذه السياسة أن موضوعيتها تتبع مزاج من يضع التكليف ونسبة الإنجاز وتحديد الربح المحقق ، فأصبحت بذلك سيفا مسلطا على المكلفين مما جعلهم يشعرون بالمحاباة وبالظلم الشديد ، حتى أن أحد الحضور اتهم المالية بأنها تكيل بمكيالين وطالب بكشف تكاليف متماثلة لبيان ذلك.

إن تطبيق العمل بالدفاتر المحاسبية يعكس حالة الأسواق بشكل عام ، ويظهر حالة كل مكلف على حدة بشكل خاص. فليس لجميع المكلفين نفس طريقة العمل ونفس الأسلوب ، فزيادة التكاليف أو تذبذب الأسعار تؤثر على الأرباح وينعكس ذلك جليا في الدفاتر. كما أن تصديق المحاسب القانوني على الدفاتر والحسابات يساعد في ضبط إظهار الأرباح وإخضاعها للضريبة بشكل عادل على الأقل من الوجهة القانونية. أما عن تهمة المكلف بأنه غير صادق أو أنه يتهرب بأساليب متعددة ، فهذا لا يعفي من تطبيق القانون فإن تخطئ في العفو أفضل من أن تظلم. ففي جميع دول العالم المكلف صادق رغم امكانية عكس ذلك فعلى المدى الطويل وعلى مر الأجيال لابد أن تستقيم الأمور. كما أن الذكاء والحرص مشهود به للمكلف وللمراقب ولا بأس من لعبة الأذكياء كما تفعل دوائر المالية في الدول المتقدمة مع مكلفيها ، فلا بأس أن تقدم مديرية المالية جوائز بالسحب على أرقام فواتير المستهلكين مما يشجع المستهلكين على طلب الفاتورة والاحتفاظ بها ، وتكون هذه الفواتير بمثابة دليل على رقم أعمال التجار . كما أن التحول من الضرائب المباشرة إلى غير المباشرة أو بالعكس حسب كل صناعة أو تجارة أمر مفيد. ومن الضروري ملاحظة أن ما يدفعه التاجر من ضرائب يعكسها على تكاليفه فيستردها بشكل أو بآخر والنتيجة أن المستهلك هو الذي يسدد الضرائب.

وتجدر الإشارة إلى ضرورة محاربة جهل المكلفين بالقوانين والتشريعات المالية ، كأن تنشر وزارة المالية كل مايتعلق بالتشريعات الناظمة للضرائب في كتاب واحد وأن تعممه غرف التجارة والصناعة على أعضائها. كما يترتب على غرف التجارة والصناعة أن تسعى لجلب خبراء ماليين لإلقاء محاضرات تثقيفية وتعليمية في هذا المجال على أعضائها فالغرف مقصرة في هذه النواحي العلمية ولدي تجربة طويلة مع غرفة تجارة وصناعة حماة فلا أذن صاغية في هذا المجال.

كما أن إعطاء القضاء دوره في القضايا التي تتعلق بدعاوى المالية في كل محافظة على حدة أمر مفيد لكلا الجانبين سواء المكلف أومديرية المالية ، وكل من يشعر  بأنه مغبون فليلجأ إلى القضاء للوصول إلى حقه الذي يظن أنه له.

ولابد من الإشارة إلى تعميم وزارة الإدارة المحلية رقم 16/63/د تاريخ 14/12/2000 المتضمن إتاحة فرص المنافسة للقطاعين الخاص والعام لتقديم السلعة والخدمة الأفضل بالسعر الأمثل لما في ذلك من تحقيق المصلحة العامة ومصلحة الجهة المعنية حين الإعلان على مشاريع العقود ووضع دفاتر شروطها وكشوفها التقديرية. لذلك يجب وقف دور شركة التجزئة كشركة وسيطة تحصل على أرباح وهمية ناجمة عن إكراه بعض أطراف القطاع العام على الشراء منها علما بأن تلك العمليات تتم في الخفاء وبشروط مجحفة للقطاع العام مما يرفع تكاليف القطاع العام ويحرجه في الظهور بوضع خاسر بشكل مستمر ، فضلا عن تنشيط الدورة التجارية والانتاجية في كل بلد على حدة.

 

سامر مظهر قنطقجي