مجزرة الوعد الملزم

د. رفيق المصري

مجزرة الوعد الملزم

د. رفيق المصري

ليسمح لي أخي الدكتور ( محمد أنس بن مصطفى الزرقا ) أن أستعير منه تعبيره، لكي نرى سويًا أين المجزرة؟

في بداية الأمر لجأ بعض الأساتذة والباحثين إلى الوعد على أن يكون غير ملزم. ثم تجرأ بعضهم أكثر، فطالبوا بأن يكون الوعد ملزمًا، لأن هذا هو ( الأحفظ لمصلحة التعامل واستقرار المعاملات، وفيه مراعاة لمصلحة المصرف والعميل ). وما درى هؤلاء العلماء أن مثل هذا الكلام يمكن أن يؤدي بهم بسهولة، في حقيقة الأمر، إلى أن ( الفائدة ) تحقق لهم هذا الغرض! فهذه بعض حجج أنصار الفائدة أنفسهم مصوغة بعبارات لئن كانت مختلفة في ظاهرها إلا أنها في باطنها تؤدي المعنى نفسه. لم يدر هؤلاء أن هذا الطريق سيرجعهم القهقرى إلى الفائدة التي زعموا أنهم منعوها في أول الأمر!

عرّفت مرة عضو الهيئة الشرعية بأنه هو الذي يحرّم الفائدة أولاً ثم يعود عن التحريم ثانيًا، هو الذي يحرّم الفائدة قولاً ثم يرجع عن التحريم عملاً، هو الذي يحرّم الفائدة أولاً ثم يلتف على التحريم ثانيًا! هذا هو التعريف الصحيح لعضو الهيئة الشرعية! ومن يخلّ بأحد طرفي هذه المقولة فإنه لا يقبل في العضوية، وإذا قبل في البداية طرد منها في النهاية!

شارك في ( مجزرة الوعد الملزم ) من العلماء : مصطفى الزرقا، ويوسف القرضاوي، ومحمد  المختار السلامي، ومحمد تقي العثماني، وعبد الستار أبوغدة، وعلي القره داغي، وحسن الشاذلي، وكل من يأخذ أجرًا على الفتوى!

منهم من طبق الوعد ( الملزم ) في المرابحة، ومنهم من طبقه في الصرف، ومنهم من طبقه في مجالات أخرى. فعقد بيع ما ليس عنده غير جائز، قالوا : نجعل العقد وعدًا، إلى هنا والمشكلة غير خطيرة، ثم قالوا : نجعل الوعد ملزمًا! أعوذ بالله!

أثرت هذا الموضوع وانتقدته بقوة، فعرضه المجمع في إحدى دوراته، ولكني أصارحكم بأن الذين كتبوا فيه خافوا من زعماء الوعد الملزم، فتحدثوا إما عن الوعد في التبرعات، وإما أنهم أجازوا ما أجازه زعماؤهم، وإما أنهم تجاهلوا الموضوع بطريقة أو بأخرى.

فالعقد إذا كان حرامًا جعلوه وعدًا ملزمًا! فيلين لهم ما كان مستعصيًا. وبهذا صار الوعد الملزم آخر الفقه، فكما أن آخر الطب الكيّ، فإن آخر الفقه الوعد الملزم، يستحلّون به كل ما شاؤوا استحلاله من المحرمات! يستخدمون سلطتهم في السن أو في الشهرة أو في الإعلام أو في المنابر أو يستمدّونها من بعض التجار، فيخاف الناس من مواجهتهم، حتى صارت لهم صناعة ثقيلة، أو مسلخ أو مجزرة حديثة، اسمها الوعد الملزم.

قمت بحملة ضد الوعد الملزم، فكسبت هذه الحملة أنصارًا كثيرين من طلبة العلم الذين لم يتلوثوا بهذه الصناعات الدموية، ولكن القائلين بالوعد الملزم أحرج بعضهم وتجاهل آخرون، فمنهم من حصل على جوائز علمية ذات مبالغ سخية عن الوعد الملزم، فكيف يريق ماء وجهه الآن ويعود عن قوله السابق؟ وإن كنت أعلم أن الجائزة قد تعلن لجواز الوعد الملزم فتجد من يسعى إليها ويجيز الوعد الملزم، وقد تعلن جائزة بعدها لمنع الوعد الملزم فيعود من أباحوا الوعد الملزم بالأمس ليمنعوا الوعد الملزم اليوم، على طريقتهم في الإنشاء والاستدراك والكرّ والفرّ واللف والدوران والإمساك بالعصا من منتصفها.

بهذا الوعد الملزم أخذت المصارف الإسلامية تقترب شيئًا فشيئًا حتى التحمت المركبتان معًا : مركبة المصارف الإسلامية ومركبة المصارف التقليدية!

أنا أرجو من القرضاوي وغيره أن يسارعوا إلى الرجوع علنًا عن هذه الفتاوى التحايلية، قبل أن يضطر أتباعهم وأحبابهم للقول : رجع شيخنا عن فتواه وهو يغرغر!

فأين المجزرة يا دكتور أنس؟ هل هي في هذا الجانب أم في ذاك الجانب؟ هل هي في هذا الفريق أم في ذاك الفريق؟ أرجو أن لا تشغلك الأمور الشخصية عن الأمور الموضوعية وعن الأحكام الشرعية الصحيحة، وألا تشغلك المنافع المادية عن حقوق الناس وحقائق الدين والعلم. لا يجوز لنا أن نخدع الجمهور لكي نقبض قرشين من رب العمل.

وجّه كلامك إلى القرضاوي وأبو غدة وأمثالهما من زعماء التيار السائد، إن كنت تستطيع. فمن أجاز الوعد الملزم، أو أيده بالكلام أو بالسكوت، هو الذي ارتكب المجزرة، وليس خصمه!