مؤشر الأساس التسعيري "ليبور

ناصر الزيادات

مؤشر الأساس التسعيري "ليبور"
- ناصر الزيادات - 27/04/1429هـ
nziyadat@gmail.com
قبل سنة تقريباً تهجم أحدهم على المؤسسات المالية الإسلامية في كتابه "خدعة الـ 300 بليون دولار". وكان أبرز محاور هجومه افتقار المؤسسات المالية الإسلامية إلى مؤشر أساس تسعيري خاص بها بعيداً عن مؤشر الأساس التسعيري الذي تستخدمه البنوك التقليدية (ليبور، أو جايبور ، أو كايبور أو ما إلى ذلك). ولسنا هنا بصدد الرد على ذلك الرجل لأن سعر كتابه على موقع أمازون الإلكتروني لم يتجاوز عشرة دولارات للنسخة نتيجة لقلة الطلب وهناك نسخ مستخدمة معروضة للبيع بستة دولارات، كما أن تصنيف القراء لذلك الكتاب لم يتجاوز 2 من 5. ولكننا بصدد التطرق إلى أمر خلافي مهم بين النظرية والتطبيق حول استخدام مؤشر الأساس التسعيري المستند إلى الفائدة في عمليات التمويل الإسلامي.
ربما لا يخفى على المختصين أن (ليبور أو ما يكافئه) هو أداة سوق نقدي قصيرة الأجل تستخدم لتداول السيولة بين البنوك في بلد ما، وهو أيضاً سوق تداول السيولة فيما بين البنوك. وفي تلك السوق تقوم البنوك التي لديها سيولة فائضة بعرضها للبنوك التي لديها نقص في السيولة على أساس إقراض قصير الأجل مقابل فائدة. ويحدد سعر الفائدة على تلك العمليات بشكل دوري من قبل مجموعة من البنوك الضخمة التي تعد بمثابة صانعة لتلك السوق (أي تشتري عندما يبيع الآخرون وتبيع عندما يطلب الآخرون). ومن هنا فإن سعر فائدة (ليبور) هو تكلفة الأموال على تلك البنوك وهو الحد الأدنى الذي تطلبه البنوك مقابل عمليات التمويل ومن ثم تضاف إليه علاوات أخرى تختلف من عملية تمويل لأخرى. كما أن هذا الأساس التسعيري يمثل تكلفة الفرصة البديلة لأموال البنوك – أي أنها ستحصل على معدل فائدة (ليبور) على أموالها فيما لو أنها لم تستثمر أموالها في أي عملية كانت باستثناء التعامل في سوق ما بين البنوك.
فما علاقة المؤسسات المالية الإسلامية بهذا المؤشر المستند إلى الفائدة؟ وما إمكانية عدم اعتمادها عليه؟ وهل هناك إمكانية لإيجاد مؤشر أساس تسعيري بديل متوافق مع الشريعة؟
من المعلوم للجميع أن المؤسسات المالية الإسلامية تعمل في نظم مالية واقتصاديات تقليدية وهذا ما أوضحناه في الحلقة الأولى من هذه السلسلة. وهذه الحقيقة تفرض عليها أن تتعامل مع معطيات تلك النظم التقليدية وتحاول أن تتكيف معها بما يتوافق مع الشريعة. ومن هنا أجاز علماء الشريعة الاستناد إلى مؤشر (ليبور) كأساس تسعيري لعمليات المؤسسات المالية الإسلامية طبعا مع عدم جواز التعامل بآلياته – أي الاقتراض والإقراض مقابل فائدة.
ولتوضيح الأمر دعونا نتأمل موقفاً فيه أحد البنوك الإسلامية لديه عملاء مودعون ينتظرون أرباحاً على ودائعهم.. ولديه مساهمون يننظرون تعظيماً لثرواتهم... ولديه فوائض مالية بملايين الدولارات على المديات القصيرة... ماذا ستفعل الإدارة القائمة على ذلك البنك؟ إن لم تتم إدارة تلك السيولة على المدى القصير وتدويرها حتماً سينخفض العائد على إجمالي موجودات البنك والعائد على حقوق المساهمين والعائد على أموال المودعين, وهذا كله سيؤدي إلى تضعضع موقف البنك في السوق الذي يتنافس فيه مع بنوك تقليدية... ولتجنب ذلك سيعمل البنك الإسلامي على الدخول في سوق تداول السيولة وفقاً للنموذج التقليدي ولكن بما يتوافق مع الشريعة, الأمر الذي سيؤدي حتماً إلى تعامله بأدوات متوافقة مع الشريعة لإدارة السيولة ضمن النظام التقليدي الذي يعمل فيه.. وهنا سيفرض عليه حتماً التعامل بالاستناد إلى مؤشر التسعير المستند إلى الفائدة على اعتبار أنه السعر السائد في السوق... وهذه باختصار - وبشكل عام- وجهة نظر الممارسين لإدارة السيولة في البنوك الإسلامية ومن واقع عملي تطبيقي... وفيما يبدو، هم راضون عن ذلك انطلاقا من مبدأ "ليس بالإمكان أفضل مما كان".
وفي الطرف الآخر، هناك صيحات ونداءات بضرورة إيجاد مؤشر أساس تسعيري إسلامي مغاير لـ (ليبور) يعكس هوية الصناعة المالية الإسلامية.. ولكن مع الأسف على الرغم من إخلاص نواياها إلا أنها لم تسفر عن شيء حتى الآن. فهل بالإمكان إيجاد ذلك المؤشر البديل؟ وما الجهات المسؤولة عن ذلك؟
مما لا شك فيه أن الأطراف المؤسسية ذات العلاقة بالصناعة المالية الإسلامية تتحمل مسؤولية هذا الأمر.. فبعد أكثر من ثلاثة عقود على نشوء أول بنك إسلامي لم تتمكن الصناعة حتى الآن من إيجاد ذلك المؤشر الإسلامي البديل. وعلى الرغم من وجود بعض المحاولات الفردية من قبل عدد من الباحثين هنا وهناك، إلا أن هذا الأمر يتطلب تضافر الجهود على مستوى مؤسسي تسهم فيه السلطات الإشرافية والمؤسسات المالية الإسلامية ومؤسسات البنية التحتية للصناعة المالية الإسلامية والمؤسسات العلمية والبحثية كل من جهتها.
فالمؤشر البديل - من وجهة نظري- لا يقوم فقط على إيجاد العملية الحسابية التي يتم على أساسها احتساب الأساس التسعيري، بل يتطلب وجود سوق إسلامية لتداول السيولة – لأن البنوك الإسلامية تعمل وفق نظام مالي تقليدي – ووجود مؤسسات ضخمة صانعة لتلك السوق، إضافة إلى وجود أدوات مالية إسلامية يتم تداولها في تلك السوق وفقاً لمؤشر التسعير الإسلامي.. وهذا كله أيضاً يتطلب أن يكون المؤشر الإسلامي البديل قريبا رقمياً من مؤشر الفائدة لأنه لو كان أعلى منه سيفقد القيمة التنافسية.. ولو كان أقل منه سيؤدي إلى حدوث عمليات مراجحة Arbitrage حتى يتم التوازن بين المؤشر الإسلامي ومؤشر سعر الفائدة... والأهم من ذلك كله، أن المؤشر الإسلامي البديل يتطلب حملة توعوية للعملاء والمستثمرين الذين أول شيء يسألون عنه عند الدخول في عمليات تمويلية أو استثمارية: كم عدد النقاط الأساسية فوق (ليبور) على عملياتهم؟
باحث في التمويل الإسلامي، جامعة درم – المملكة المتح