على رسلكم..فھذا التورّق أشد حرمة من أنشطة البنوك

عبد الله ناصر الفوزان

على رسلكم..فھذا التورّق أشد حرمة من أنشطة
البنوك
دار جدل كبیر حول مشروعیة ھذا النوع من "التورق" الذي تستخدمه مصارفنا الإسلامیة في عملیاتھا التمويلیة
الكبرى، ونتیجة لذلك بحثه مجمع الفقه الإسلامي واتخذ فیه قراره المتضمن تحريم ھذا النوع من التورق
علق بعض الإخوة مشكورين على مقالي السابق (احترموا عقولنا يا مشايخ الصیرفة الإسلامیة) بكثیر من الحدة،
خاصة من بعض قراء موقع أرقام، وھاجموني واعتبروني (مھِّوي) و (ما عنده سالفة)، لأني فقط انتقدت أسلوب
بیع البضائع الصوري الذي تستخدمه مصارفنا الإسلامیة لیكون (كبري) يعبر به من (الحرام) إلى (الحلال) وھو
(التورق المصرفي المنظم)، وكذلك لأني استغربت كیف يمكن الاقتناع بأن ھذا الأسلوب (الحیلة) يمكن أن يجعل
الحرام حلالاً، وقد فعلوا ذلك لأنھم ظنوا أني بھذا أدافع عن (الحرام) وأنتقد (الحلال)، ولكونھم اعتبروا أسالیب
صیرفتنا الإسلامیة (طاھرة مطھرة) و (حلال بلال) دون أن يخامرھم أدنى شك في ذلك، ولھذا وضعوا رؤوسھم
بین أيديھم واستھولوا واستعظموا ما قلت، وأظنھم (حوقلوا) مئة مرة قبل أن يكتبوا تعلیقاتھم.
وأقول لھؤلاء الإخوة الكرام على رسلكم، فأسالیب الصیرفة بنوعیھا البنكیة والإسلامیة يدور حولھا جدل كبیر، ولا
يعنیني الآن الجدل الذي يدور حول أسالیب البنوك، ولكن يعنیني الجدل الكبیر الذي يدور حول أسالیب الصیرفة
الإسلامیة التي لم يخامركم أدنى شك في حِلِّھا واعتبرتموھا مثل العسل المصفى، وأقول إن بعض ھذه
الأسالیب الخاصة بالصیرفة الإسلامیة التي نستخدمھا الآن والتي ظننتموھا أبیض من الحلیب لیس فقط يدور
حولھا الجدل، بل صدرت قرارات مجمعات الفقه الإسلامي بتحريمھا، واعتبرھا بعض المشايخ العلیمین ببواطن
أمور تلك الصیرفة لیست فقط ربا وحراما بل أشد حرمة من أنشطة البنوك.
راجعوا قوائم مصارفنا الإسلامیة وستجدون أن أغلب أنشطتھا التحويلیة تتم بأسلوب "التورق: الذي يعني بیع
المصرف على المستورق بضائع بالآجل، لیتم بعد ذلك بیع تلك البضائع بثمن حال يقبضه المستورق، وھذا التورق
ثلاثة أنواع.. النوع الأول التورق الفقھي القديم الذي يتم سابقاً في (الجفرة) بالمقیبرة والذي يشتري فیه
المستورق بعض أكیاس الأرز والسكر بالآجل، ويستلمھا من البائع، ثم يبیعھا ھو بمعرفته على شخص آخر غیر
البائع الأول، ويقبض الثمن، وھذا النوع أجازه الفقھاء. ولا شك أن ھذا النوع قد يحصل أحیاناً في مصارفنا الحالیة
مع الأفراد الذين تكون حاجتھم التمويلیة بسیطة ومحدودة، أما الشركات ورجال الأعمال الكبار والمصارف التي
تقترض من بعضھا بھذا الأسلوب فلأن المبالغ التمويلیة التي يحتاجونھا كبیرة جداً ربما عشرات أو مئات الملايین
فإنه يتعذر أن تتم بھذا التورق الفقھي القديم لتعذر شراء بضائع بھذه المبالغ يمكن تسلیمھا للمستورق لیبیعھا
ھو بمعرفته ويقبض ثمنھا من المشتري، بل ولأنه لا توجد بضائع حقیقیة تغطي كل ھذه العملیات الكبیرة، ولذلك
تتم ھذه الحالات بطريقة النوع الثاني من التورق وھو (التورق المنظم) والذي يستخدم (السلع الدولیة) عن طريق
وسطاء دولیین يخولھم المصرف والعمیل بالبیع والشراء، وتتم العملیات عن طريق المراسلات السريعة.
وقد دار جدل كبیر حول مشروعیة ھذا النوع من "التورق" الذي تستخدمه مصارفنا الإسلامیة في عملیاتھا
التمويلیة الكبرى، ونتیجة لذلك بحثه مجمع الفقه الإسلامي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي في جلسته
المنعقدة في الفترة من 1 إلى 5 جمادى الأولى 1430 في الشارقة واتخذ فیه قراره رقم 179 المتضمن تحريم
ھذا النوع من التورق واعتباره ربا وفیه تحايل... وقد عرّف القرار التورق بنوعیه المنظم والعكسي كما يلي:
1) التورق المنظم في الاصطلاح المعاصر: ھو شراء سلعة من الأسواق المحلیة أو الدولیة أو ما شابھھا بثمن
مؤجل يتولى البائع (الممول) ترتیب بیعھا إما بنفسه أو بتوكیل غیره أو بتواطؤ المستورق مع البائع على ذلك،
وذلك بثمن حال أقل غالباً.
2) التورق العكسي: ھو صورة التورق المنظم نفسھا مع كون المستورق ھو المؤسسة والممول ھو العمیل.
ثم جاء في ثانیاً من القرار (لا يجوز التورقان (المنظم والعكسي)، وذلك لأن فیھما تواطؤا بین الممول والمستورق،
صراحة أو ضمناً أو عرفاً، تحايلاً لتحصیل النقد الحاضر بأكثر منه في الذمة وھو ربا).
إذن من الواضح أن مجمع الفقه يدرك أن مصارفنا الإسلامیة تستخدم في عملیاتھا التمويلیة الكبیرة ذلك (التورق
المنظم) بدلالة أنه سماه "التورق المصرفي المنظم" وقال عنه "التورق المنظم في الاصطلاح المعاصر" وقد حرمه
واعتبره ربا، كما أن الشیخ صالح الحصین وھو الخبیر ببواطن مصارفنا الإسلامیة لكونه كان من أوائل المشايخ
الذين أشرفوا على ھیئاتھا الشرعیة لم يكتف بتحريم ھذا النوع من النشاط المصرفي لمصارفنا الإسلامیة بل
اعتبره أشد حرمة من أنشطة البنوك لما اشتمل علیه من التحايل.
فیا إخواني، يا من ھاجمتموني وخطأتموني وسفھتم ما قلت، خاصة (بعض قراء موقع أرقام) أرجوكم راجعوا قوائم
مصارفنا الإسلامیة للربع الثالث من ھذا العام وستجدون أن عملیاتھا التمويلیة بعشرات الملیارات، أي أن بھا مبالغ
كبیرة ھي في الغالب لتمويل شركات ورجال أعمال كبار لبنوك ومصارف مماثلة، وھذه كلھا تتم عن طريق شراء
الوطن أون لاین http://www.alwatan.com.sa/Articles/Detail.aspx?ArticleID=3679
1 03 من 2 /01/2011 م 04:38
السلع الدولیة بواسطة مكاتب خارجیة متخصصة تنفذ العملیات بأسلوب ورقي عن طريق المراسلات السريعة،
أي بطريقة ذلك (التورق المصرفي المنظم) الذي حرمه مجمع الفقه الإسلام، ولا يمكن أن تتم بطريقة التورق
الفقھي القديم الذي يحدث كما قلت سابقاً في (الجفرة) في المقیبرة عن طريق شراء وبیع بضائع حقیقیة
واستلامھا وتسلیمھا بشكل حقیقي، لأنه بالإضافة لتعذر الاستلام والتسلم لھذه البضائع الكثیرة المتفرقة في
أماكن مختلفة من العالم فإنه لو أريد حیازة بضائع حقیقیة بتلك المبالغ الضخمة التي تجريھا المصارف يومیاً فإنه
قد يتعذر العثور على بضائع حقیقیة تغطي كل ھذه العملیات.
لقد ھاجمتموني أيھا الإخوة لأني طلبت من مشايخ صیرفتنا الإسلامیة احترام عقولنا وعدم محاولة إقناعنا بأن
ھذه البیوع الصورية (التورق المصرفي المنظم) يمكن أن تجعلنا نقتنع بأنھا تجعل الحرام حلالاً، ولكن ھاأنتم ترون
الآن أن مجمع الفقه الإسلامي لم يكتف بما طلبته بل تجاوز ذلك إلى الانتقاد الشديد لھذه البیوع الصورية
وتحريمھا واعتبارھا ربا يقوم على التحايل، ولذلك فإن حقي علیكم الآن أن تتكرموا بإعفائي من انتقاداتكم وتوجھوا
ھجومكم إما إلى مجمع الفقه الإسلامي، إذا كنتم غیر مقتنعین بقراره، أو إلى مصارفنا الإسلامیة إذا اقتنعتم أن
ما تقدمه لیس ذلك العسل المصفى. وأخیراً فإن مجمع الفقه طلب في قراره من مصارفنا العدول عن التورق إلى
الأنواع الأخرى من أسالیب الصیرفة الإسلامیة كالمشاركة والسلم، ومع ذلك لم تفعل المصارف ذلك واستمرت
في نھجھا، أتدرون لماذا؟ لأن الأنواع الأخرى يصعب أو ربما يتعذر الأخذ بھا، فمن ھو ذلك المصرف الإسلامي
الذي سیغامر بأموال مودعیه ويدخل شريكاً مع رجال الأعمال في مشاريعھم تحت احتمال الربح والخسارة؟
وحتى لو قبل ذلك فإن مؤسسة النقد لن تسمح له بأن يغامر بأموال مودعیه بھذا الشكل، وأترك لكم استنتاج ما
ترونه من ذلك، وقد أعود إلیه في مقال آخر، شاكراً لكم اھتمامكم وتعلیقاتكم التي أسعدتني على الرغم من
حدتھا.
2010-12-22 5:08 AM عبدالله ناصر الفوزان
http://www.alwatan.com.sa/Articles/Detail.aspx?ArticleID=3679
الوطن أون لاین http://www.alwatan.com.sa/Articles/Detail.aspx?ArticleID=3679
2 03 من 2 /01/2011 م 04:38