صيغ التعاقد في المرابحة للآمر بالشراء - كأحد التطبيقات المصرفية للمرابحة

الدكتور عطية فياض

صيغ التعاقد في المرابحة للآمر بالشراء
(كأحد التطبيقات المصرفية للمرابحة )
الدكتور عطية فياض
 
يتم التعاقد مع المورد بأحد الصيغ الآتية ، و ذلك حسب نوع السلعة و مكان شرائها 
 
إصدار أمر توريد ثم ورود الفاتورة من المورد ، وهذ1 الأسلوب يتم في الشراء المحلي .
ــ فتح الاعتماد المستندي ، وورد مستندات الشحن التي يتسلمها الشاحن وكيلا عن المصرف ، ويتم هذا في المشتريات الخارجية .
ــ إبرام عقد شراء بين المصرف و المورد ، وهذه الصورة واضحة بخلاف الصورتين الأولين فتحتاجان إلى شئ من التوضيح .
 
أولا : إصدار أمر التوريد من المصرف :
 
وهذا يعد بمثابة الإيجاب الذي هو أحد عنصري الصيغة ، وورود الفاتورة من المورد بمثابة القبول و يلزم أن يوافق القبول الإيجابي في جميع العناصر من حيث صفة المبيع و قدر الثمن وغير ذلك .
 
و يثير هذا الأسلوب مسألتين :
 
الأولي : البيع بلفظ الاستدعاء (( صيغة الأمر )) ، كأن يقول المشتري (( بعنا كذا )) .
الثانية : التعاقد بالمراسلة .
 
المسألة الأولي : البيع بلفظ الاستدعاء :
 
ذهب الحنفية إلى أن العقد لا ينعقد بصيغة الاستقبال ، وهي صيغة الأمر ما لم يقل المشتري بعد ذلك اشتر يت .
 
يقول الكاساني : (( و هل ينعقد بصيغة الاستقبال وهي صيغة الأمر بأن يقول المشتري للبائع : بع عبدك هذا مني بكذا ، فبقول البائع : بعت ، قال أصحابنا – رحمهم الله – لا ينعقد ما لم يقل المشتري اشتريت ، وكذا إذا قال البائع للمشتري اشتر مني الشيء بكذا ، فقال : اشتريت ، لا ينعقد ما لم يكن البائع : بعت )) .
 
و ذهب الجمهور من المالكية و الشافعية و الحنابلة إلى انعقاد البيع به .
 
قال الدردير في الشرح الكبير (( و إن حصل الرضا بقول المشتري للبائع بعني و نحوه بصيغة الأمر ابتداء فيقول له البائع بعت ونحوه ، و إذا انعقد فيما إذا كان القبول بصيغة الأمر متقدمة علي الإيجاب فأولي إذا كان الإيجاب بصيغة الأمر وهو مقدم بأن يقول البائع اشتر السلعة مني أو خذها بكذا و نحوه )) .
 
وقال المحلي في شرح المناهج : (( ولو قال : بعني ، فقال بعتك انعقد البيع في الأظهر لدلالة بعني علي الرضا ، و الثاني : لا ينعقد لاحتمال يعني لاستبانه الرغبة ، ولو قال : اشتر مني فقال اشتريت فكما لو قال بعني فقال بعتك )) .
 
وقال ابن قدامة : ( وان تقدم بلفظ الطلب فقال : بعني ، فقال بعتك صح ، وعنه لا يصح ) .
 
ووجه قول الحنفية : أن قوله : (( بع أو اشتر )) ، طلب الإيجاب و القبول ، و طلب الإيجاب و القبول لا يكون إيجابا و قبولا فلم يوجد إلا أحد الشطرين فلا يتم الركن .
 
ووجه قول الجمهور : أن هذه الصيغة تصلح شطر العقد في الجملة ، وهي تصلح في عقد النكاح فأولي أن تصلح في عقد البيع لأن الركن في كل واحد منهما هو الإيجاب و القبول و لأن أساس العقد هو التراضي و لفظ الإجابة و القبول وجد منهما علي وجه تحصل منها الدلالة علي تراضيهما له عرفا .
 
و الراجح ما ذهب إليه الجمهور من أن العقد ينعقد لكل ما يدل علي مقصوده فإذا تبين من صيغة الأمر أنها إيجاب و ليس طلبا فانه ينعقد بها العقد .
 
المسألة الثانية : تعاقد بالمراسلة .
 
في معظم الأحوال لا يقوم قسم المرابحة بالمصرف بالذهاب إلى أماكن وجود السلعة للتعاقد مع البائعين ، بل يتم ذلك عن طريق المكاتبات أو إرسال الفاكسات .
 
و قد أجاز الفقهاء التعاقد بهذه الطريقة لأنها تؤدي نفس الغرض الذي تؤدي إليه الصيغة القولية المباشرة بقول الكاساني (( لأن خطاب الغائب كتابه ، و كأنه حضر بنفسه . و خاطب بالايجاب و قبل الآخر في المجلس )) .
 
و يقول الإمام النووي (( و الثاني هو الأصح انه يصح البيع و نحوه بالمكاتبة لحصول التراضي لاسيما ، و قد قدمنا إن الراجح انعقاده بالمعاطاة )) .
 
و يقول ابن قدامة : (( و لأن الإيجاب و القبول إنما يرادان للدلالة علي التراضي فإذا وجد ما يدل عليه من المساومة و التعاطي قام مقامهما وأجزأ عنهما لعدم التعبد فيه )) .
 
ثانيا : فتح الاعتماد المستندي للمرابحات الخارجية :
 
الاعتماد المستندي هو: تعهد صادر من مصرف بناء علي طلب العميل لصالح الغير يلتزم المصرف بمقتضاه بدفع أو قبول الكمبيالات مسحوبة عليه من هذا المستفيد ، بشروط معينة واردة في هذا التعهد ، و مضمون برهن حيازي علي المستندات الممثلة للبضائع المصدرة .
 
فإذا أراد تاجر أن يستورد سلعا من الخارج فانه يدفع ثمنها في المصرف علي أن يقوم المصرف عن طريق مراسليه في الخارج بتحويل هذا المبلغ إلى بلد المصدر بعد الاستيثاق من المستندات و الكمبيالات المسحوبة علي هذا المستورد ، و يتقاضى المصرف في مقابل ذلك عمولة و أجرا.
 
لكن في حالة المرابحة المصرفية لا يفتح المصرف اعتمادا لأحد فهو نفسه المستورد الذي يشتري السلع ، و في هذه الحالة تجتمع في المصرف ثلاث صفات من خلال نظام الاعتمادات المستندية في التجارة الدولية و التعامل بأسلوب البيع و المرابحة للأمر بالشراء ، و هذه الصفات هي :
 
1 - فاتح الاعتماد المستندي .
2 – المشتري للبضاعة و المالك لها .
3 – البائع للبضاعة للأمر بالشراء .
 
فالمصرف هنا يرسل إلى المورد الأجنبي للسلعة عن طريق فرعه أو مراسله الأجنبي خطابا يخطره فيه بفتح الاعتماد و قيمته ومدته و شروطه ، و يقوم الفرع أو المراسل من مراجعة الوثائق و المستندات و يتم البيع ، وهذه صورة جائزة شرعا إذا استكملت العملية باقي عناصر المشروعية .
 
هذه المادة هى جزء من كتاب "التطبيقات المصرفية لبيع المرابحة فى ضوء الفقه الإسلامى " بتصريح من الناشر