سر الخلاف في التورّق - تعقيب

خالد إبراهيم

عزيزي الدكتور/ سمير
لقد تابعت ردود الأخوان في المجموعة على ما تفضل به الدكتور رفيق في ورقته "سر الخلاف في التورّق" فلم أجد منها ما يطرح بديل أو يناقش المسألة بموضوعية بل أغلبها إنفعالية و 4. فأنا أحترم فقهاء الأمة و كذلك جميع الآراء التي ذكرت بغض النظر عن خبرة أصحابها في الموضوع المطروح للمناقشة.
وأبدأ مداخلتي بالإشارة إلى الهدف من نشأة المصرفية الإسلامية ثم أتطرق إلى التطبيقات المصرفية الإسلامية و ما قادها إلى التورق المصرفي. 
أولاً: إن الهدف من المصرفية الإسلامية هو إيجاد نموذج شرعي بديل للبنوك التقليدية الربوية يتوافق مع مبادئ و أحكام الشريعة الإسلامية في كل من إطاره التنظيمي و أسلوب عمله و تطبيقاته المصرفية و علاقاته مع الأطراف ذات العلاقة (من إدارة و موارد بشرية و عملاء و مستشارين و جهات رقابية و تشريعية بالإضافة للمصارف الأخرى). وبالتالي فإن أي خروج عن الأحكام الشرعية في أي جزئية من هذه العلاقات المتشابكة يؤدي إلى إختلاف التصور أو النظرية أو التوقعات لهذا النموذج عن التطبيقات على أرض الواقع. و للوقوف على أسباب هذا الإختلاف لا بد من إجراء دراسة متعمقة للوصول إلى موطن أو مواطن الخلل في النموذج و العمل على إصلاحها (إذا كان ذلك في حدود المستطاع).
ثانياً: جاءت التطبيقات المصرفية كإنعكاس للنموذج المطبق و ليس للنموذج المتوقع أو الذهني أو النظري. و لا شك أن الشريعة الإسلامية عامرة بالعديد من الصيغ الإسلامية من بيوع و إجارة و مشاركات إلا إنه عند التعامل مع هذه الصيغ كان لا بد من إدخال التعديلات اللازمة عليها لتتوافق مع متطلبات شبكة العلاقات التي سبق ذكرها في أولاً. و بالتالي تم تعديل صيغة المرابحة البسيطة لتصبح المرابحة للآمر بالشراء و صيغة الإجارة لتصبح الإجارة المنتهية بالتمليك أو الإجارة مع الوعد بالتمليك و صيغة المشاركة لتصبح المشاركة المتناقصة و المشاركة المتغيرة إلخ... و تجدر الإشارة هنا أن بعض التعديلات لهذه الصيغ جاء لمقابلة إحتياجات العملاء و التي خلقت العديد من التحديات للمصرفيين و للهيئات الشرعية على حد السواء مثال ذلك الإجارة مع الوعد بالتمليك بسعر متغير يتعلق بمؤشر منضبط و آلية التورق المصرفي المنظم.
و قد يتساءل البعض عن سبب عدم منح المصارف قروض حسنة للعملاء الذين يحتاجون إلى النقد لمقابلة إحتياجاتهم الطارئة أو الدخول معهم في مشاركات بدلاً من الإستمرار في عمليات التورق المنظم. و الإجابة على هذا السؤال هي أن المصرف هو مؤسسة ربحية و ليس مؤسسة خيرية فأموال المصارف ليست تبرعات من العملاء و لكنها قروض يلتزم المصرف بردها للعملاء أو أموال مضاربة يضارب بها لتحقيق أرباح مشتركة له و لأرباب هذه الأموال و بالتالي فلا يمكن تصور دخول المصارف في معاملات لا تهدف إلى تحقيق ربح إلا إذا كان هذه المعاملات تحقق مطلب من العملاء. فعلى سبيل المثال يمكن للمصرف، بناء على رغبة عملاءه، تأسيس صندوق لتمويل المؤسسات الصغيرة بقروض حسنة، إذا كانت موارد هذا الصندوق من تبرعات و مساهمات هؤلاء العملاء. كما أن المصارف لا تقدم على الدخول في مشاركات إلا إذا كانت نوعية النشاط متدنية المخاطر و تدر عوائد مجزية و أصحاب هذا النشاط يتمتعون بالخبرة اللازمة و المصداقية العالية، إلا أن الكثير من العملاء الذين تنطبق عليهم هذه الشروط لا يرغبون في الدخول في مشاركات مع المصرف نظراً لإرتفاع تكلفة المشاركة متمثلة في حصة المصرف من الأرباح مقارنة مع تكلفة القروض أو صيغ البيوع الآجلة. و نظراً لأن صيغة المرابحة كانت قاصرة عن تلبية الإحتياجات النقدية للعملاء مما أدى للجؤ العديد من العملاء إلى التورق من خلال البحث عن مشتري يقبل بشراء السلعة التي سبق أن إشتراها العميل من المصرف مرابحة مع ما قد يتعرض له العميل من خسارة كبيرة في السعر، نشأت الحاجة لإيجاد آلية توفر النقد للعميل و تقلل خسائر تسييل السلع. و قد وجد المصرفيون ضالتهم في التورق إلا إن آليته كانت تحتاج إلى إعادة تصميم و تنظيم دور الأطراف ذات العلاقة ليتلاءم كمنتج مع الغرض الذي طور من أجله و هو توفير النقد للعميل.
و أحب الإشارة هنا إلى أن التورق المصرفي قد أخذ الحظ الوافر من النقد على الرغم من أن جميع الصيغ المعدلة التي ذكرتها أعلاه تعتريها أيضاً بعض الإشكاليات التطبيقية و التي تنتظر تضافر الجهود من جميع العاملين في هذه المصرفية و المهتمين بهذه الصناعة لوضع حلول لها حتى يتطابق النموذج مع توقعاتنا و إلا نعمل على إيجاد النموذج البديل.
 و ختاماً لما سبق أود التنويه إلى أنه ليس من العدل الإكتفاء بإنتقاد من ساهم في تطبيق هذا النموذج من مصرفيين و علماء شرعيين و إصدارالأحكام المبنية على المشاهدات، حتى و إن رأى بعضنا أنه قد جانبهم الصواب فيما ذهبوا إليه، دون النزول إلى أرض الملعب و مواجهة ما واجهوه و محاولة طرح بدائل شرعية قابلة للتنفيذ دون اللجؤ إلى الحيل. و أعتقد أن ذلك ما نصبو إليه جميعاً من مصرفيين و شرعيين و عملاء، فليست الأفكار البناءة و المبتكرة حكر على فئة دون أخرى.
أسأل الله أن يوفقني و إياكم إلى ما فيه خير هذه الأمة.
 
خالد إبراهيم
مصرفي ممارس