سرّ الخلاف في التورّق

رفيق يونس المصري

هناك مصطلحان فقهيان : العِينة والتورّق. العِينة من العَيْن، وهو النقد، وتعني طلب النقد ( النقود ). وهي حيلة ربوية معروفة في كتب الفقه الإسلامي. فمن أراد أن يقرض بالربا قد لا يلجأ إلى القرض الربوي الصريح، في بيئة إسلامية ملتزمة بحرمة الربا. ماذا يفعل؟ يلجأ إلى البيع، لأن البيع حلال والربا حرام بنص القرآن. ولكن البيع الذي يلجأ إليه هو بيع ربوي حرام أيضًا، يتوصل به إلى القرض الربوي بطريق غير مباشر. يبيعك سلعة ( أو خرقة ) بـ 120 لأجَل ليشتريَها منك بالنقد بـ 100، فتصير مقترضًا بـ 100 على أن تردها 120، والسلعة لغو لأنها تدخل ثم تخرج! هذه هي العِينة، أما التورّق فهو أن تشتري السلعة لأجَل بـ 120 لتبيعها إلى شخص آخر بـ 100، فتحصل على الـ 100 معجلة لتسدد 120 مؤجلة. فالفرق بين العِينة والتورّق أنك في العِينة تعيد البيع إلى البائع نفسه، وفي التورّق تعيد البيع إلى شخص آخر غير البائع.

 

بعض العلماء، كالحنابلة، يفرّقون بين العِينة والتورّق، وجمهور العلماء يرون التورّق صورة من صور العِينة. أما العلماء المعاصرون فيرى بعضهم أن التورّق، ولا سيما المصرفي منه، غير جائز، ويرى آخرون أنه جائز، وأنه مخرج من المخارج الشرعية العظيمة التي لولاها لسدّ طريق الدين! وأطلق البعض على التورّق المصرفي أنه تورّق منظم، بمعنى أن التورّق الفقهي ( المنقول في كتب الفقه ) حتى لو كان جائزًا عند البعض، إلا أن التورّق المصرفي المنظم غير جائز، لأن المتورّق ( طالب الورق أي طالب النقود ) في التورّق الفقهي يعيد بيع السلعة إلى شخص آخر، وقد لا يُعرف قصده من العملية أنه يريد النقود، ولا يريد البيع ولا الشراء. أما التورّق المصرفي فإن المصرف فيه هو الذي يقوم بالبيع والشراء لصالح المتورّق، فيُعرف مقصود المتورّق. ولعل هذا ما يردّ التورق عِينة.

 

والتورّق لم يجر الخلاف فيه بين علماء الهيئات الشرعية وغيرهم من العلماء من خارج هذه الهيئات فحسب، بل جرى فيه الخلاف بينهم أيضًا، فمنهم من يحرّمه ومنهم من يتحمّس له حماسة منقطعة النظير، كالشيخ عبد الله المنيع، بعد أن كان يمنعه قبل أن يصبح عضوًا في الهيئات الشرعية!

 

ولعل الخلاف بين الهيئات الشرعية في التورّق هو أن بعض أعضائها شعروا أن الناس لم تعد تتحمل مزيدًا من الحيل، بعد المرابحة والوعد الملزم والقروض المتبادلة وإجارة العَين لمن باعها ( بيع الوفاء )... فقرروا عدم جوازه للحدّ من مسلسل الحيل الفاضحة. وربما رأى القليل منهم عدم جوازه عن قناعة.

 

فبعض العلماء كالشيخ محمد المختار السلامي وإن كان يرى حرمة التورّق، إلا أنه يرى جواز حيل أخرى، كالوعد الملزم. وأنا أظن أن المسألة ليس مسألة تورّق فحسب، بل هي أعمّ من ذلك بكثير. المسألة الأساسية : هل نعتمد الحيل منهجًا في العمل المصرفي الإسلامي أم لا؟ هذه هي المسألة. أما الاختلاف بين علماء الهيئات في التورّق فلعله من باب الشعور بضرورة الحدّ من الحيل، وربما تكون بعض الحيل أكثر انكشافًا أو انفضاحًا من بعض. فلعل التورّق هو القشة التي قصمت ظهر البعير!

 

جدة في 27/1/1432هـ

        02/1/2011م

                                                                رفيق يونس المصري