دراسات في البطاقات البنگية الاقتراضية (الائتمانية) والسحب من الرصيد

إعداد: معالي الشيخ عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان

دراسات في البطاقات البنگية الاقتراضية (الائتمانية) والسحب من الرصيد
بطاقات الائتمان..
هل هي في حقيقتها بطاقة إقراض ؟
هذه البطاقات مقدمة لاختفاء النقود وسحب البساط من تحتها
الحگم الشرعي في البطاقات ليس على إطلاقه فمنها المباح المشروع ومنها المحرم الممنوع
أصبح الحصول على هذه البطاقات - اليوم - شائعا وضرورة على المستوى العالمي وإن گان البعض يعدها مظهرا اجتماعيا للتميز والتفاخر
البنوك أذگياء.. يستخدمون عبارات لاتوقظ جانب الحذر
إعداد: معالي الشيخ
عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان
مع التطور السريع الذي يشهده العالم في كافة مجالات الحياة تقريبا، يبرز استعمال البطاقات البنكية كضرورة يصعب تجاهله. والشريعة الإسلامية الصالحة لكل زمان ومكان وضعت الضوابط اللازمة لمثل هذا الاستعمال بما لا يتعارض مع القيم الدينية والأخلاقية. في الدراسة التالية التي أعدها معالي الدكتور عبدالوهاب إبراهيم أبو سليمان - عضو هيئة كبار العلماء - سيجد القارئ المسلم التفاصيل اللازمة التي تحدد متى وكيف يلجأ إلى استخدام هذه البطاقات دون أن يخالف الشريعة، لأن ليست كل البطاقات البنكية حلالا كما تقول الدراسة.
عقود المعاملات الحديثة
(البطاقات البنگية أنموذجا)
وضع الشرع الإسلامي للمعاملات المالية قواعد، وضوابط محددة في صيغ متعددة، وأساليب متنوعة، هي أصول، وقواعد يقاس عليها، تجعل المجال مفتوحا لإنشاء عقود جديدة من شأنها أن تسهم في ازدهار المجتمعات على اختلاف أزمنتها، وأماكنها، تصب جميعها في مصلحة الناس، وتحقيق رغباتهم المشروعة من تملك، وتنمية، واستثمار في إطار تلك القواعد.
ملك الغرب في القرون المتأخرة زمام التجارات، وابتكر عقودا من المعاملات ليس للمجتمعات الإنسانية، فضلا عن الأمة الإسلامية بها سابق عهد، لم يكن ثمة خيار إلا السير والمجاراة، والأخذ بمبادئه، وقوانينه، وهو ما عاشه المسلمون عقودا من السنين في القرن الماضي الرابع عشر الهجري، حتى هيأ المولى جل وعلا في الربع الأخير منه نخبة من الاقتصاديين الغيورين من أبناء الأمة الإسلامية فأجدوا البنوك الإسلامية محضنا للمعاملات الإسلامية، وجسرا يعبرون عن طريقها إلى الاقتصاد الحديث، متوخين في حرص المبادئ الشرعية في المعاملات المالية الحديثة، لتتطابق مع مبادئه، وقواعده، ونظمه.
خطت البنوك الإسلامية في هذا المجال خطوات ناجحة، وسعت سعيا حثيثا في ابتكار أدوات إسلامية، وصيغ شرعية تحقق الربح لها وللمستثمرين الذين يتحرون الكسب الحلال، وذلك من خلال الدراسات البحثية، واللجان الشرعية المتخصصة، والمراجعات المستمرة لأعمالها البنكية، بل إن المجامع الفقهية في كل من منظمة المؤتمر الإسلامي، ورابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة أصبحا رافدين مهمين لتفعيل فقه المعاملات في الشريعة الإسلامية، وتوظيفه التوظيف الأمثل لإيجاد أدوات مالية إسلامية تحقق الربحية المشروعة، والاستثمار الحلال، فظهرت القرارات، والتوصيات المجمعية نتيجة دراسات موسعة، واجتهاد جماعي مبني على التصور الاقتصادي من متخصصين في الاقتصاد الوضعي والإسلامي مع فقهاء بارزين متمرسين.
وبفضل من الله جل وعلا أصبحت المؤسسات المالية الإسلامية عامل جذب للمال الإسلامي، وللبنوك التقليدية الوضعية في شتى أنحاء العالم، والأخذ بالطرق الشرعية الصحيحة التي تضمن المحافظة على أموالهم؛ (كي لا يعود سعيهم في مصالحهم الخاصة بإبطال ما أسس لهم من تحصيل مصالحهم العامة، إبطالا عن غفلة، أو عن استزلال هوى، وباطل شهوة...)
ليس صعبا على الفقيه المتمرس المؤهل علميا، العارف بالمقاصد الشرعية، والقواعد الفقهية العامة أن يتوصل إلى الأحكام المناسبة للنوازل العصرية، وفي مقدمتها المعاملات الحديثة على أسس شرعية سليمة؛ فإن من إعجاز الشريعة الإسلامية أنها تتعامل مع كل موضوع فقهي مالي، أو اجتماعي، أو ثقافي، أو سياسي، أو صحي، أو بيئي بما يناسبه من تشريعات.
للوصول إلى فقه إسلامي يواكب النهضة الاقتصادية الحديثة لا بد أن يضع الفقيه نصب عينيه المقاصد الشرعية في بحوثه، ودراساته، فضلا عن فتوى المستفتين.
من المهم أن نتعرف في البداية إلى الآلية التي يتوصل بها إلي الحكم الشرعي في المعاملات المالية، والعقود الحديثة في مجمع منظمة المؤتمر الإسلامي بخاصة، حتى يكون تمام التصور، والمجمع معني في الدرجة الأولى بالعقود الجديدة، لبحثها، وكتابة البحوث العلمية فيها، ومن ثم إصدار القرارات، والتوصيات بخصوصه.
إنه من نافلة القول الحديث عن التأهيل العلمي للفقيه الذي يتصدى للقول والإفتاء في هذه الموضوعات والقضايا، وكفاءته في الدراسات اللغوية، والبلاغية، وإجادته لعلم أصول الفقه وقواعده، إلخ ما هو مدون في علم أصول الفقه.
الحديث هنا فيما يتعلق بعقود المعاملات المالية بخاصة، النظر فيها ينبغي أن يكون مبنيا على الأسس التالية:
أولا: التصور الكامل، والتحليل العلمي الاقتصادي للعقد، ومعرفة جوانبه، وأبعاده؛ بحيث يتم التفهم كاملا لمداخله، ومخارجه، وكافة أموره.
ثانيا: معرفة العلاقة الفقهية (القانونية) بين أطراف العقد، هل هي علاقة بائع ومشتر؟ أم هي علاقة مقرض ومقترض، أم علاقة راهن ومرتهن؟ مودع ومودع عنه؟ وغير ذلك.
إذا اتضحت هذه العلاقات أمكن بجلاء ووضوح التوصل إلى الحكم الشرعي الصحيح، ومن دونها يكون الحكم ضربا من الوهم، والجرأة على شريعة الله جل وعلا بغير علم، ولا بصيرة.
ثالثا: مراعاة المقصد الشرعي بخصوص المعاملة المطروحة للسؤال، أو النقاش إيجابا، أو سلبا، تحريما، أو كراهة، وهو ما ينبغي تحريه في كل مسألة شرعية؛ ذلك أن الحكم من دون مراعاة المقصد الشرعي تفريغ له من أهم عناصره، وأعظم مقوماته، وهذا يقودنا إلى الكلام عن أهمية المقاصد الشرعية بالنسبة إلى قضايا الفقه الإسلامي بعامة، التي هي الأمل في اجتهاد جديد يواكب تطور العصر وتقدمه.
المقاصد الشرعية بمثابة المصباح إلى مراد الشارع الحكيم من تشريعاته، يجد فيها الفقيه العون الأكبر لاستنباط أحكام صحيحة لتوقعيها على المكلفين دون حرج، أو عنت.
معرفة المقاصد الشرعية وتبنيها فقها في جميع القضايا والأحكام يكسب القدرة على الموازنة بين المصالح، والمضار، فيقدم الأهم على المهم، والأكثر مصلحة، والأخف ضررا على ما سواها، يتفادى التعارض فيما لو ظهر له تعارض بين مقصد ومقصد.
هذا عن أهمية المقاصد الشرعية بعامة لبناء الأحكام وتتطلب المناسبة التركيز على:
المقصد الشرعي في الأموال:
المقصد الشرعي في الأموال كلها خمسة أمور:
رواجها، وضوحها، حفظه، اثباتها، العدل فيه.
فالرواج:
دوران المال بين أيدي أكثر من يمكن من الناس بوجه حق، وهو مقصد عظيم شرعي، دل عليه الترغيب في المعاملة بالمال، ومشروعية التوثق في انتقال الأموال من يد إلى أخرى، ومحافظة على مقصد الرواج شرعت عقود المعاملات لنقل الحقوق المالية بمعاوضة، أو تبرع...
وتسهيلا للرواج شرعت عقود مشتملة على شيء من الغرر... ولأجل مقصد الرواج كان الأصل في العقود المالية اللزوم دون التخيير إلا بشرط..
ووضوح الأموال:
وذلك بإبعادها عن الضرر، والتعرض للخصومات بقدر الإمكان، ولذلك شرع الإشهاد، والرهن في الدين..
وأما حفظ الأموال:
فأصله قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29].
وأما إثبات الأموال:
هي تقررها لأصحابها بوجه لا خطر فيه، ولا منازعة... وتقريرا لهذا المقصد قررت الشريعة التملك الذي حصل في زمان الجاهلية بأيدي من صار إليهم منه...
العدل فيها:
يكون بحصولها بوجه غير ظالم، وذلك إما أن تحصل بعمل، وإما بعوض من مالكها، أو تبرع، وإما بإرث. ومن مراعاة العدل حفظ المصالح العامة، ودفع الأضرار، وذلك فيما يكون من الأموال تتعلق بها حاجة طوائف من الأمة لإقامة حياته...) هذه جملة منتخبة، موجزة لأهمية المقاصد الشرعية لإيجاد أحكام شرعية سليمة في قسم المعاملات بخاصة.
رابعا: مطابقة العقد للقواعد والأصول الشرعية.
إذا اعتمدنا البطاقة البنكيةأنموذجا لعقود المعاملات الحديثة فلأمور أهمها:
أولا: أصبح التعامل بها شائعا ذائعا عالميا، تتضاعف أعداد الحاملين لها في بلادنا، خصوصا عندما يبدأ موسم الإجازات، وتنشط معه حركة السياح في جميع أطراف العالم، يتبع هذا انطلاق أنواع من التجارات، والصناعات ذات العلاقة بالتحرك البشري جوا، وبرا، وبحرا على امتداد خريطة الكرة الأرضية.
إنها تأتي بديلا عن استعمال النقود في المبادلات التجارية، فحلت محلها في أصغر الصفقات، وأضخمها، فهي مقدمة لاختفاء النقود وسحب البساط من تحتها، وهذا كما لا يخفى يترتب عليه أمور شرعية عديدة.
ثانيا: إن استعمال البطاقات البنكية في المبادلات المالية يمثل في جوهره صورة جديدة من العقود في الشكل والمضمون، يتمثل فيها أكثر من طرف، وبالتالي فإنها تشكل أكثر من عقد، ولكل عقد أحكامه والتزاماته.
ثالثا: يعد الاعتماد على البطاقة بكافة أنواعها في المبادلات التجارية، وقضاء الحاجات اليومية مرحلة مهمة في تاريخ النقود، بعد أن كان النقدان الذهب والفضة والفلوس هي عصب التبادل التجاري والمالي، ثم استبدل بها أوراق البنكنوت، ثم حل محلها البطاقات اللدائنية.
البطاقات البنكية على اختلاف أنواعها، (فيزا، ماستر كارد، أمريكان إكسبرس، دينرز كارد)، وغيرها التي تسير على منوالها هي سيدة الموقف في التعامل بيعا وشراء، إجارة وتأجيرا، وفي كافة التعاملات المالية في الوقت الحاضر، لا ينكر أحد أهميتها، فقد أصبحت الوسيلة المثلى في الاعتماد عليها في الحضر والسفر والحل والترحال، والتجارات، وربما يرفض ما سواها في الحصول على بعض أمور الحياة الاجتماعية مثل:
الحجز في الفنادق، استئجار وسائل النقل، بل لها الأفضلية في الدفع في الكثير من المحلات التجارية لأسباب أمنية، ومحاسبية، أصبح الحصول على واحدة من هذه البطاقات شائعا، وضرورة على المستوى العالمي، وإن كان البعض يعدها مظهرا اجتماعيا للتميز، والتفاخر.
خامسا: النظر في مآلات الأحكام ونتائج تصرفات المكلفين:
الفقيه الفطن هو الذي ينظر بعين البصيرة إلى النتائج المستقبلية: والاجتماعية، والشرعية التي تترتب على مقالته، أو فتواه في تصرفات المكلفين، فلا بد أن يتحقق من سلامة النتائج، والتأكد ألا تتخذ مقالته، أو فتواه ذريعة إلى باطل، وجسرا إلى ارتكاب المحظور، مراعيا في هذه الحالة الاجتماعية، والدينية بعامة، ملاحظا توجه المكلف صاحب القضية من التزام، أو تفريط.
في ضوء تلك المعايير في التأسيس لأحكام شرعية لعقود المعاملات المالية الحديثة يتم النظر في (البطاقات البنكية: الإقراضية، والسحب المباشر من الرصيد) لمعرفة مدى مطابقتها في العرض التالي:
أولا: التطور الكامل لعقد البطاقة:
أ - الراعي لإصدار البطاقة: فيزا، أمريكان إكسبرس.
ب - البنوك المحلية المخولة بإصدار البطاقة من قبل فيز.
ج - حامل البطاقة.
د. التاجر.
ثانيا: تحقق المقاصد الشرعية في استعمال البطاقات البنكية: لا شك أنها تحقق الكثير من المقاصد الشرعية مثل: حفظ الأموال سواء لحامل البطاقة، أو التاجر، أما بالنسبة إلى الأول، فإنه لا يخشى على ماله من السرقة، والتاجر لا يخشى من سطوة السارقين، كما أن البيع بالبطاقة يحقق الرواج للسلع، ذلك أن التاجر المشترك في عضوية هذه البطاقات يحقق مبيعات أكثر من سواه، فهي في جميع الحالات، ومع كل الأطراف عنصر أداة آمن للمتعامل بها مستهلكا، أو تاجرا، وفي الوقت نفسه، فإن حقوق أطرافها واضحة وثابتة، وقد وضع لاستعمال البطاقة من الضوابط المستندية ما يمنع من الخصومة بين أطرافها، فهي تثبت لكل طرف حقه بوجه لا خطر فيه، ولا منازعة، إلى غير ذلك مما يذكر في فوائدها التي تتفق مع مقاصد شرعية عديدة.
ثالثا: مطابقة عقد البطاقة للقواعد والمبادئ الشرعية:
هذا هو مربط الفرس، ينبغي أن نتذكر دائما أن الإطلاق في الأحكام الشرعية سبيل الخطأ، وينبغي ألا يتصدر الفتاوى والأحكام من ليس كفؤا لها، محققا متطلباتها يقول المولى جل وعلا: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون} [النحل: 116].
ينطبق هذا تماما على البطاقات البنكية، فهي ليست كلها حلالا، وليست كلها حراما، وإنما التفصيل بحسب حالاتها:
فما اتفق مع القواعد الشرعية، ولم يخرق قاعدة متفقا عليها فهو حلال مباح، وما كسر قاعدة شرعية، فهو المحرم. أما بالنسبة إلى البطاقة التي لصاحبها رصيد في البنك، ويتم سحب البنك لمصروفات بطاقته من رصيده، فالعلاقة بين حامل البطاقة والبنك علاقة إيداع، فمهما فرض عليها من عمولة فإنها لا تدخل في حيز المحرم، بل إنها تكون في مقابل الخدمات التي يقدمها البنك لحامل البطاقة. أما إذا لم يكن لحامل البطاقة رصيد، أو له رصيد ولكن لا نسحب مصروفاته من رصيده، وإنما تسدد على أنها دين يدفعها في مقابلها زيادات ربوية (فوائد) فإن كلتا الحالتين قد خرقتا أصلا شرعيا فهما من قبيل القرض بفائدة ربوية، المحرمة بإجماع المسلمين.
الطرف الأخير: التاجر: فإن البنك يتقاضى عليه نسبة من القيمة لدى تصفية استحقاقاته المالية نتيجة قبوله البطاقة والبيع بها، فهي تعد في مقابل تحصيل البنك لحقوقه في ذمة حاملي البطاقة.
بهذا يتبين أن الحكم الشرعي في البطاقات ليس على إطلاقه، فمنها المباح المشروع، ومنها المحرم الممنوع، فالحكم يكون على حسب تكييف أطرافها فقه.
وإذا افترض أن كل الخطوات السابقة سليمة، ومتوافرة بطريقة شرعية صحيحة، فإن الفقيه لا بد أن ينظر ويتأمل مآلات العقد الذي بين يديه والنتائج التي تتسبب عنه، كما يقول العلامة الشاطبي - رحمه الله تعالى -: (وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام، أو الإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل مشروعا لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تدر...).
بهذا يكمل النظر في العقود المالية المستحدثة لتكون منسجمة مع روح الشريعة ومقاصدها الرفيعة دون عنت، أو انغلاق، وتحقق النتائج المرجوة من ازدهار، وتنمية المجتمع.
قال محدثي: ماذا عن موضوع البطاقات التي أقمتم الدنيا عليها، نسمع الآن القول بأنها نعمة، وأنها نقمة، حالتان متناقضتان، متباعدتان.
قلت له: إنه ليس شيء خيرا محضا، أو شرا محضا، هذه حقيقة كونية، وفقهية أيض.
البطاقة الإقراضية، أو التي يحلو للاقتصاديين أن يسموها (ائتمانية) لأسباب ذكرتها في كتاب (البطاقات البنكية الإقراضية والسحب المباشرة من الرصيد) هي أصدق مثال لما أقول: هي خير إذا عرف حاملها حقيقتها، وعلاقته الشرعية مع مصدرها، ومن يتعامل معه، وأحسن التصرف بها، واستعمالها بالأسلوب الشرعي الذي يبتعد به عن الربا أخذا أو عطاء بها، وتصرف بما يتفق والشرع الشريف فهي حلال ونعمة.
وهي شر ونقمة إذا أساء التصرف بها، ولم يعرف حقيقتها، وعلاقته الشرعية، والقانونية مع مصدرها، وإنما حملها وتصرف بها فخرا، واعتزازا، ومباهاة، وإسرافا في المباح، وغير المباح دون تورع ومجانبة للربا والشبهات، فهي في هذه الحالة حرام، ووبال، ونقمة. البطاقة، كأي أداة حديثة من مبتكرات العصر، تكون خيرا ونعمة إذا أحسن استعمالها فيما ينفع الفرد والمجتمع، ولا يتعارض مع الشرع الشريف، ونقمة ووبال إذا سيطر الهوى وعدم المبالاة بأوامر الشرع والقيم الاجتماعية.
البطاقات البنكية على اختلاف أنواعها (فيزا، ماستر كارد، أمريكان إكسبرس، دينرز كارد)، وغيرها الكثير مما ابتكرته المؤسسات الكبيرة العالمية من أدوات مالية هي سيدة الموقف في الوقت الحاضر في التعامل بيعا وشراء، وإجارة وتأجيرا، وفي كافة المعاملات المالية البسيطة، والمركبة.
لا ينكر أحد أهمية البطاقة في الوقت الحاضر حاضرا وسفرا، فقد أصبحت الوسيلة المثالية في الاعتماد عليها بعد الله جل وعلا في معظم الأمور المالية، والمعيشية، والإنفاق اليومي، وفي التهيئة لأمور السفر والإقامة، والرحلات، والتجارة وربما يرفض ما سواها في الحصول على بعض هذه الأمور: كالحجز في الفنادق، واستئجار وسائل النقل، ولها الأفضلية في الدفع في الكثير من المحلات التجارية لأسباب أمنية، ومحاسبية.
أصبح الحصول على واحدة من هذه البطاقات شائعا، وضرورة على المستوى العالمي، وإن كان البعض يعدها مظهرا اجتماعيا للتميز، والتفاخر.
أيا كانت الأسباب والأهداف للحصول عليها، والتعامل بها فإنه من المهم جدا أن يكون العامة، والخاصة من الناس المتعاملين بها على إدراك تام بإيجابياتها، وسلبياتها، بفوائدها، ومخاطر سوء استخدامها، والحسومات المالية الناجمة عن استعماله. بل الأهم من كل ذلك للمسلم الحريص على دينه معرفة الجوانب الشرعية فيها، والمباحة والمحرمة: (فإنه لا يجوز لمؤمن أن يقدم على شيء حتى يعرف حكم الله فيه)، خصوصا عند عدم وجود الحماية الكاملة للمتعامل بها من استغلال البنوك، وعندما يكون لكل بنك قوانينه، وأرباحه، ورسومه التي تختلف عن البنوك الأخرى في البلد الواحد؛ إذ يمثل البنك في العقود المبرمة مع الراغب في الحصول عليها الطرف القوي، فيفرض من الشروط ما يحلو له، ولا يستطيع العميل أن يناقشها، أو يحدث تعديلا لبعض موادها، ويفقد الحماية القانونية لها، بالإضافة إلى فقدان التوعية الشرعية الصحيحة لمعرفة أحكامه.
أقسام البطاقات بشگل عام
القسم الأول: البطاقة الإقراضية (الائتمانية) (غير المغطاة) Credit Card بكافة أنواعها: الفضية، والذهبية، والألماسية، والذكية، وغيرها، وهي من حيث الزيادة الربوية الفائدة) أنواع:
النوع الأول: بطاقة الإقراض بزيادة ربوية، والتسديد على أقساط (Credit Crad).
النوع الثاني: بطاقة الإقراض المؤقت الخالي من الزيادة الربوية ابتداء (Charg Card).
النوع الثالث: بطاقات شراء التجزئية (Retail Card), (Ik Housw Card).
تمنح البنوك المصدرة للبطاقة هذا النوع من البطاقات لمن لا يكون له رصيد في البنك، أو له رصيد ولكن تتجاوز مصاريفه المبالغ المودعة له في البنك، حينئذ تصبح العلاقة بين البنك وحامل البطاقة علاقة مقرض بمقترض، في مثل هاتين الحالتين تفرض البنوك على صاحب هذه البطاقة زيادة ربوية تختلف نسبتها بين بنك وآخر.
حقيقة هذه البطاقة أنها تخول حاملها الاقتراض على أن يتقاضى البنك زيادة ربوية في حدود مبلغ معين لا يتجاوزه العميل، ولو تجاوزه فرضت عليه نسبة أخرى من الزيادة الربوية، التي تسمى في لغة البنوك والمصارف (فوائد).
تفضل البنوك هذا النوع من البطاقات في إصداراتها، وترحب كثيرا بهذا النوع من العملاء، حتى ولو كان حاملها مليئا من ذوي الأرصدة الضخمة؛ حيث إن البنوك تحاول إقناع أصحابها أنها تقدم لهم تسهيلات كبيرة، وذلك بعدم اقتطاع المبالغ جملة واحدة، ولكن على فترات طويلة حتى لا تتأثر أرصدتهم الضخمة، وفي مقابل هذا تضع عمولات وزيادات ربوية بنسبة معينة على قروضهم، وهي ما تسميه بالتسهيلات البنكية، تجني البنوك أرباحا طائلة من وراء أصحاب هذا النوع من البطاقات على اختلاف مستوياتها، ولهذا فإن البنوك تقدم بكل أريحية هذه البطاقات الرفيعة: الذهبية، والألماسية لحامليها مجانا، وتجددها لهم دون مقابل، تشبع بها كبرياءهم، وتميزهم؛ مثل: بطاقات النخبة، بطاقات التميز، وما أشبهها من عبارات.
الزيادات المضافة إلى قروض بطاقات الإقراض والتسديد على أقساط (Credit Card) (الائتمانية).
تحقق هذه البطاقة أرباحا طائلة للبنوك المصدرة لهذا النوع من البطاقات عن طريق:
1- الزيادة الربوية، وهي النسبة المحددة على القرض باسم (فوائد) أو (عمولة) تبلغ نحو 13%، وبالنسبة إلى البلاد الخليجية تزداد بشكل أكبر.
2- الزيادات الربوية على تسديد الدفع للعمليات المالية النقدية؛ إذ تحسب على حامل البطاقة من يوم الشراء.
3- المعاملات التجارية الأخرى للسلع، والخدمات حين يسجل المبلغ في حساب حامل البطاقة (مدين)، إلا في حالة الاتفاق على التسديد للمبلغ كاملا في وقت معين، مثل أمريكان إكسبرس.
4- فرض رسوم دورية على كل معاملة مالية تسدد عن طريق بطاقة الإقراض تحسب على العميل.
5- فرض نسبة معينة عقوبة على تأخير السداد.
6- دفع مبلغ معين عوضا عن فقدان البطاقة.
7- فرض نسبة معينة على حامل البطاقة لدى الشراء بأزيد من المبلغ المسموح به دين.
8- إضافة مبلغ مباشرة على حامل البطاقة لدى السحب النقدي.
إضافة إلى ما تقدم فإن حامل هذا النوع من البطاقات يدفع ربحا مضاعفا على السلع التي يشتريها، المتمثل في ربح التاجر المضاف على السلعة أصلا، ثم ربح القرض الذي يطالبه به البنك، وهي الزيادة الربوية.
العلاقة بين حامل هذا النوع من البطاقات وبين البنك علاقة مقترض (حامل البطاقة) بمقرض (البنك)، ومن هنا يدخل الطرفان في علاقة ربوية محرمة، قلت الزيادات، أو كثرت.
وقد أصدر مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة القرار التالي فيما يتصل بهذا القسم من البطاقات في النص التالي:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قرار رقم: 108 (2/12)
بشأن موضوع : بطاقات الائتمان غير المغطاة.
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الثانية عشرة بالرياض في المملكة العربية السعودية، من 25 جمادى الآخرة 1421هـ إلى غرة رجب 1421هـ الموافق 3 2 - 28 سبتمبر 2000م).
بناء على قرار المجلس رقم 65/1/7 في موضوع الأسواق المالية بخصوص بطاقة الائتمان حيث قرر البت في التكييف الشرعي لهذه البطاقة وحكمها إلى دورة قادمة.
وإشارة إلى قرار المجلس في دورته العاشرة رقم 102/4/10، وبعد إطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع (بطاقات الائتمان غير المغطاة)، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله من الفقهاء والاقتصاديين، ورجوعه إلى تعريف بطاقة الائتمان في قراره رقم 63/1/7 الذي يستفاد منه تعريف بطاقة الائتمان غير المغطاة بأنه: (مستند يعطيه مصدره (البنك المصدر) لشخص طبيعي أو اعتباري (حامل البطاقة) بناء على عقد بينهما يمكنه من شراء السلع، أو الخدمات، ممن يعتمد المستند (التاجر) دون دفع الثمن حالا لتضمنه التزام المصدر بالدفع، ويكون الدفع في حساب المصدر، ثم يعود على حاملها في مواعيد دورية، وبعضها يفرض فوائد ربوية على مجموع الرصيد غير المدفوع بعد فترة محددة من تاريخ المطالبة، وبعضها لا يفرض فوائد).
قرر ما يلي:
أولا: لا يجوز إصدار بطاقة الائتمان غير المغطاة، ولا التعامل بها، إذا كانت مشروطة بزيادة فائدة ربوية، حتى ولو كان طالب البطاقة عازما على السداد ضمن فترة السماح المجاني.
ثانيا: يجوز إصدار البطاقة غير المغطاة إذا لم تتضمن شرط زيادة ربوية على أصل الدين.
ويتفرع على ذلك:
أ - جواز أخذ مصدرها من العميل رسوما مقطوعة عند الإصدار أوالتجديد بصفتها أجرا فعليا على قدر الخدمات المقدمة منه.
ب - جواز أخذ البنك المصدر من التاجر عمولة على مشتريات العميل منه شريطة أن يكون بيع التاجر بالبطاقة بمثل السعر الذي يبيع به النقد.
ثالثا: السحب النقدي من قبل حامل البطاقة اقتراض من مصدرها، ولا حرج فيه شرعا إذا لم يترتب عليه زيادة ربوية، ولا يعد من قبيلها، وكل زيادة على الخدمات الفعلية محرمة لأنها من الربا المحرم شرعا كما نص على ذلك المجمع في قراره رقم 113 (10/2) و13 (1/3).
رابعا: لا يجوز شراء الذهب والفضة وكذا المعاملات النقدية بالبطاقة غير المغطاة.
القسم الثاني: بطاقة السحب المباشر من الرصيد (DEBIT CARD) (المغاطة):
وهي التي يكون لحاملها رصيد بالبنك، ومن ثم تخويل حاملها للبنك صلاحية أن يسحب من رصيده مباشرة قيمة مشترياته، وأجور الخدمات التي يحصل عليها عن طريق استخدام البطاقة، وسحب النقود التي حصل عليها نقد. قيمة الأشياء والخدمات التي يحصل عليها حامل هذا النوع من البطاقات تخصم رأسا من رصيده بالبنك لحساب التاجر، أو المؤسسة التي قد حصل منها على احتياجاته.
يؤدي هذا القسم من البطاقات نفس الوظائف التي يؤديها القسم السابق في الحصول على الاحتياجات من السلع، والخدمات، والحصول على النقد.
العلاقة بين حامل هذه البطاقة والبنك علاقة مودع، ومودع عنده،ولهذا لا مجال للربا بينهما في عموم الحالات، وقد أصدر المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي القرار التالي فيما يخص هذا القسم من البطاقات:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين.
قرار رقم: 139 (5/15)
بشأن بطاقة الائتمان (المغطاة):
إن مجلس الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في دورته الخامسة عشرة بمسقط (سلطنة عمان) من 14 إلى 19 المحرم 1425هـ الموافق 6 - 11 آذار (مارس) 2004م، بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع بطاقات الائتمان، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، وبعد استحضاره ما سبق إصداره عن مجلس المجمع من قرارات بشأن هذا الموضوع، وهي القرار 63 (6/7) المشتمل على تعريف بطاقة الائتمان، وصورها، والقرار 108 (2/12) المشتمل على بيان حكم إصدار البطاقة غير المغطاة والتعامل بها، والرسوم المرتبطة بها، والحسم (العمولة) على التجار ومقدمي الخدمات القابلين للبطاقة، والسحب النقدي، وشراء الذهب أو الفضة أو العملات به.
قرر ما يأتي:
(أ) يجوز إصدار بطاقات الائتمان المغطاة، والتعامل بها، إذا لم تتضمن شروطها دفع الفائدة عند التأخر في السداد.
(ب) ينبطق على البطاقة المغطاة ما جاء في القرار 108 (2/12)، بشأن الرسوم، والحسم على التجار ومقدمي الخدمات، والسحب النقدي بالضوابط المذكورة في القرار.
(ج) يجوز شراء الذهب أو الفضة أو العملات بالبطاقة المغطاة.
(د) لا يجوز منح المؤسسات حامل البطاقة امتيازات محرمة، كالتأمين التجاري أو دخول الأماكن المحظورة شرع. أما منحه امتيازات غير محرمة مثل أولوية الحصول على الخدمات أو التخفيض في الأسعار، فلا مانع من ذلك شرع.
(هـ) على المؤسسات الإسلامية التي تقدم بدائل للبطاقة غير المغطاة أن تلتزم في إصدارها وشروطها بالضوابط الشرعية، وأن تتجنب شبهات الربا أو الذرائع التي تؤدي إليه، كفسخ الدين بالدين. والله أعلم.
هذه معلومات موجزة عن البطاقات البنكية التي تهم مستخدميه.
قلت لمحدثي: أرجو أن أكون قد وفقت في بيان ما يبدو للنظرة السطحية أنه تناقض في الأحكام، والحقيقة أنه لا تناقض.
الرأي الشرعي الصحيح لا يتكئ على العموميات، وإنما هو التفصيل في الحالات، ولا يدركها إلا فقيه متمرس.
موضوع البطاقات يعد أنموذجا لقاعدة عريضة لمثل هذه الموضوعات.
أذكرك - ولست بحاجة إلى تذكير - أن هذا الموضوع تكرر الحديث عنه، وهو جدير بإعادة الحديث فيه، ففي الوقت الراهن تستقبل البنوك موسما كبيرا لجني أرباح البطاقات، فلنكن على وعي تام للجوانب الشرعية التفصيلية، والقانونية، والاقتصادية لدى استخدامها، كي لا نؤخذ على غرة وغفلة، وجهل بنتائج التصرفات المالية التي نجريها بواسطته.
نقاط الخلاف وأسبابه
في البطاقات البنكية
عالجت المجامع والهيئات والمؤسسات الكثير من نوازل العصر المعقدة، وقضاياه الشائكة، فأصبح لا تنزل بالأمة الإسلامية، بل بالمجتمع الإنساني، نازلة في حياتهم اليومية مهما اختلف نوعها إلا كان لها في تلك المجامع رأي شرعي متمخض عن اجتهاد جماعي، يتجلى للأمة موقف الشرع منه.
يأتي في إطار هذا السرد من القضايا المستجدة التعامل بالبطاقات البنكية، فقد أصبح لها رواج واسع في مجتمعنا بخاصة، دون أن تحظى بتعريف لها: نتائجها وآثارها، وإنما يقتصر التعريف بها من البنوك المستفيدة فيها بإظهار الجوانب الإيجابية، والتغطية والتعتيم على المحاذير فيها من النواحي الشرعية والاقتصادية، .
يتركز العرض هنا على عنصرين أساسيين:
الأول: نقاط الخلاف بين الفقهاء في بعض أحكام البطاقات.
الثاني: أسبابه.
نقاط الخلاف
أما نقاط الخلاف وهي الجزء الأول في العنوان:
أولا: هل البطاقة تشتمل على عقد واحد منفرد، أو عقود مركبة، أو عقود متعددة مستقلة؟
ذهب البعض إلى أنها تشتمل على عقد منفرد فحسب:
منهم القائل بأنها تشتمل على عقد كفالة فقط.
ومنهم من قال: إنها عقد حوالة فقط.
ومنهم القائل: بأنها جعالة، أو وكالة.
وذهب آخرون إلى أنها تشتمل على عقدين: كفالة ووكالة، حوالة وكفالة، حوالة وجعالة.
أما القول بأنها مشتملة على عقود مستقلة: إقراض، وكالة، كفالة، حوالة. فهو ما توصل إليه البحث في كتاب (البطاقات البنكية).
ثانيا: رسوم العضوية للحصول على البطاقة:
من قائل بأنها: رسوم مباحة للحصول على التسهيلات ليست من الربا في شيء.
ومن قائل بأنها:
رسوم تعد في باب الربا مرتبطة بما دفعته الشركة المصدرة نيابة عن صاحب البطاقة.
ثالثا: شرط دفع غرامات التأخير عن التسديد:
من قائل: بجواز التوقيع على هذه الشروط والدخول في هذه المعاملة إذا دخل في عقد هذه البطاقة ومن نيته وعزمه أنه لا يؤخر في التسديد، وإنما يؤدي في خلال هذه المدة المحددة.
ومن قائل:
بأنه لا يجوز الدخول في مثل هذا العقد المرتبط بشرط باطل فقد دخل على أساس أنه ملزم بدفع الربا، وأنه سيدفعه إذا تأخر.
رابعا: عمولة البنك التي يدفعها التاجر من قيمة المبيعات:
من قائل بأنها:
جائزة مباحة على اعتبار أنها سمسرة.
ومن قائل بأنها:
لا تجوز لأنها مماثلة لخصم الكمبيالة، وخصم الكمبيالة عقد ربوي لا يجوز، وهذا ا يعبر عنه في المصطلح الفقهي (ضع وتعجل).
ومن قائل:
بأنه، أجرة على الكفالة وهذا غير جائز شرع.
الأجرة المحرمة شرعا هي التي يطالب بها المكفول عنه، وإنما المطالب بها هنا المكفول له وهو التاجر من قبل السمسرة.
أسباب الخلاف
وهي الجزء الثاني في العنوان
تعددت أسباب الخلاف وتنوعت، فهناك أسباب عامة يشترك فيها جمهورالفقهاء الباحثين في موضوع البطاقات البنكية، وهناك أسباب تختص بالبعض دون البعض، وتختلف من واحد لآخر.
من هذه الأسباب:
أولا: غموض المقصود بكلمة (ائتمان) بعامة وعلى الفقهاء بخاصة لعدم دلالته صراحة أو ضمنا على حقيقة البطاقة وماهيته.
ثانيا: عدم وجود مصادر عربية، أو أجنبية بمكتباتنا الجامعية، والعامة والخاصة تقدم دراسة أصيلة متعمقة عن البطاقات، لا أستثني من هذه المكتبات مكتبة مركز الاقتصاد الإسلامي بجامعة الملك عبدالعزيز ومكتبات الكليات المتخصصة، وأحسبني لست مبالغا إذا قلت: إن ما كتب من رسائل علمية في بعض المعاهد والجامعات حسب ما أحاط به العلم هي رسائل وصفية لما هو جار عملا بالبنوك المحلية، وبعضها مستمد ومبني على أبحاث مجمع الفقه الإسلامي بمنظمة المؤتمر الإسلامي.
ولا تفوتني المناسبة بالتنويع على بحث لما يطبع بعنوان (البطاقات اللدائنية: تاريخها، وأنواعها، وتعاريفها، وتوصيفها ومزاياها، وعيوبها) للأخ الدكتور محمد بن سعود العصيمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، فإنه بحث موثق توثيقا علميا، مستمد من مصادر أجنبية أصيلة، ولو أتيح مثل هذا البحث للفقهاء منذ البداية لاختلفت النتائج والأحكام التي وقفوا عنده.
لا جرم أن يلجأ الفقهاء في بناء تصوراتهم وأحكامهم على المتاح لهم من بحوث معدودة لا تتجاوز أصابع الكف الواحدة. ولو بحثنا الحقيقة لوجدناها أقرب إلى المقالات، وهو ما ليس بكاف لبناء رأي علمي، فضلا عن شرعي له أبعاده الشرعية والاجتماعية.
ثالثا: ضعف التصور للموضوع لدى بعض الفقهاء بسبب عدم مزاولتهم، أو معايشتهم لما يجري في المجتمع، مما يؤثر سلبا على الأحكام التي يصدرونه.
رابعا: البحوث الاقتصادية تختلف بطبيعتها وحقيقتها عن البحوث الفقهية، فلكل من هذين العلمين اهتماماته وتوجهاته.
وهذا نابع من تخصص كل علم ومجاله العملي.
الخاتمة
بعد دراسة موضوع البطاقات البنكية (بطاقات فيزا، وأمريكان إكسبرس) وما شاكلها بأقسامها المتنوعة والمختلفة الدرجات في المصادر الأجنبية، ودراستها ميدانيا في البنوك المحلية، ودراسة وثائقها وشروطها التي تبديها أحيانا نادرة، وتخفيها غالبا، مكتوبة في صياغة قانونية تحتاج إلى خبرة فقهية وقانونية بالمصلحات والمعاني التي تهدف إليه.
من كل ما تقدم خرج البحث ببعض النتائج، من أهمها:
أولا: (بطاقة الائتمان) هي في حقيقتها بطاقة إقراض يستبدل الاقتصاديون الوضعيون والمؤسسات المصرفية التقليدية الربوية كلمة (ائتمان) بكلمة (إقراض) أو (دين)، ويتجاهلون عمدا استعمال إحدى هاتين الكلمتين برغم وضوحهما ومعرفة مدلولهما لدى عامة الناس، ودون أن يكون لهذه الكلمة وجود في المصطلح الأجنبي في اللغة الإنجليزية.
وعلى نفس النسق والمنوال يستعملون كلمة (تسهيلات) و(التسهيلات النبيلة) للإقراض الربوي على فترات زمنية، واستعمال كلمة (فوائد) للزيادات الربوية المحرمة. فالبنوك من الفطنة والذكاء بحيث تستعمل من العبارات ما لا يوقظ جانب الحذر لدى العميل حامل البطاقة، وغيره من الزبائن.
ثانيا: البطاقات البنكية على قسمين رئيسين:
القسم الأول: بطاقة الإقراض (Credit) وهي على ثلاثة أقسام:
1- بطاقة الإقراض بزيادة ربوية والتسديد على أقساط (Cradit Card).
2- بطاقة الإقراض المؤقت الخالي من الزيادة ابتداء (Charge Card).
3- بطاقة شراء التجزئة (Retailer Card).
تخضع هذه البطاقات لأحكام عقد الإقراض في الفقه الإسلامي من صحة الشروط وبطلانها، والحلال والحرام في هذا الباب، وقد تم إيضاحها وتفصيلها في كتاب (البطاقات البنكية).
القسم الثاني من أقسام البطاقات البنكية الرئيسة:
بطاقات السحب المباشر من الرصيد، أو ما تسمى بـ(القيد المباشر على الحساب المصرفي) Delit Card، ليست معدودة في بطاقات الإقراض، ولا ينزل عليها أحكام باب القرض في الفقه الإسلامي، بل هي من قبيل (الوديعة) التي يسحب منها صاحبها وقت شاء.
ثالثا: رسوم الاكتتاب في نظام البطاقة واستعمالها هي للأعمال الإدارية، إذ أصبح هذا من المتعارف عليه عالميا لفتح ملف للشخص في معظم المرافق التعليمية والأنشطة الاجتماعية، وليست خاصة بالبنوك حتى تحسب في باب الرب.
رابعا: يشتمل نظام (البطاقات البنكية) سواء منها بطاقات الإقراض (الائتمان) بأنواعها، أو السحب المباشر من الرصيد على عدة عقود بحسب طبيعة العقد وأطرافه:
أ - العقود التي تتم بين مصدر البطاقة وحاملها:
1- عقد إقراض: حيث يخول مصدر البطاقة حامل البطاقة التصرف في حدود مبلغ يحدده.
2- عقد وكالة: حين يوقع حامل البطاقة على بنود الاتفاقية تتضمن تفويض البنك السحب من رصيده وممتلكاته السحب منها لتسديد التجار وقضاء ديونه.
ب - العقود التي تتم بيد مصدر البطاقة والتاجر:
1- عقد ضمان مالي يلتزم به البنك دفع قيمة مبيعات التاجر وأجوره لحامل البطاقة.
2- عقد وكالة: حين يقوم البنك بتحصيل مستحقات التاجر من حاملي البطاقة، أو الخصم من حسابه لاسترجاع قيمة البضاعة المعادة إليه.
جـ - العقود بين حامل البطاقة والتاجر:
يعتمد تفعيل نظام البطاقة على التعامل بين حاملها وفئة التجار والمؤسسات، فينزل على البيع إن كان بيعا، وينزل على الإجارة إن كان العقد إجارة، وحينئذ يخضع كل عقد بينهما للشروط والأركان في أبوابها في الفقه الإسلامي.
خامسا: العمولة التي تشترطها البنوك المصدرة للبطاقة على التجار هي خصم من قيمة المبيعات، وليست زيادة، فليست من قبيل الربا، كما أنها ليست من قبيل الحطيطة (الوضع من الدين على التعجيل بتسديده)؛ لأن تسديد البنك الضامن المصدر للبطاقة فوري لدى تسليم التاجر سندات البيع صحيحة، وليس في هذا شيء من الغرر. انتفاء هذه الأسباب والصفات الموجبة للبطلان يؤيد صحتها، حملا لها بأنها مقابل الخدمات التي يقدمها مصدر البطاقة من تسويق، وتأمين للعملاء، وتحصيل لقيمة البضائع، فالقاعدة الشرعية أنه: (يصبح تصرف المسلم العاقل ما أمكن).