تحرير محل النزاع في التورق المنظم بين «أيوفي» والمجامع الفقهية

د. عبد الباري مشعل

1. أصدر كل من مجمع الفقه الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته السابعة عشرة، ومجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورته التاسعة عشرة قرارًا بتحريم التورق المنظم الذي انتشر لدى العديد من البنوك الخليجية سواء أكان في السلع المحلية أم الدولية، كما أصدرت هيئة المحاسبة والمراجعة (أيوفي) المعيار رقم 30 ينظم أحكام التورق بصفة عامة.
2. ونص تعريف مجمع الرابطة للتورق المحرم هو: (قيام المصرف بعمل نمطي يتم فيه ترتيب بيع سلعة (ليست من الذهب أو الفضة) من أسواق السلع العالمية أو غيرها، على المستورق بثمن آجل، على أن يلتزم المصرف -إما بشرط في العقد أو بحكم العرف والعادة- بأن ينوب عنه في بيعها على مشتر آخر بثمن حاضر، وتسليم ثمنها للمستورق.
3. ونص تعريف مجمع المنظمة للتورق المحرم هو: (شراء المستورق سلعة من الأسواق المحلية أو الدولية أو ما شابهها بثمن مؤجل يتولى البائع (المموّل) ترتيب بيعها، إما بنفسه أو بتوكيل غيره أو بتواطؤ المستورق مع البائع على ذلك، وذلك بثمن حال أقل غالباً.
4. كل من المجمعين يقول بجواز بيع التورق الفقهي أو العادي وهو حسب تعريف مجمع الرابطة: (هو شراء سلعة في حوزة البائع وملكه، بثمن مؤجل، ثم يبيعها المشتري بنقد لغير البائع، للحصول على النقد).
5. عند التأمل في الفرق بين التورق العادي والمنظم كما هو في قرارات المجامع يلاحظ أنه يتركز في أن الخطوة الأخيرة في التورق وهي البيع بغرض الحصول على النقود تتم بترتيب من المصرف، بينما في التورق العادي يقوم بهذه الخطوة العميل المستورق منفردًا بعيدًا عن أي ترتيب من قبل المصرف.
6. وعند التأمل في قرار كل من المجمعين بشأن تدخل المصرف في الترتيب للبيع نجد أن مجمع المنظمة يصف ذلك بأن «يلتزم المصرف –إما بشرط في العقد أو بحكم العرف والعادة- بأن ينوب عن عنه (أي العميل) في بيعها). أما مجمع المنظمة فلم يستعمل وصف الالتزام من قبل المصرف وإنما اكتفى بقوله: (يتولى البائع الممول (وهو المصرف) بيعها».
7. ننتقل إلى معيار أيوفي ونص في الفقرة (4/7) محل النزاع وهو ترتيب بيع السلعة بغرض الحصول على النقد ما يأتي: (عدم توكيل العميل للمؤسسة أو وكيلها في بيع السلعة التي اشتراها منها وعدم تَوكُّل المؤسسة عن العميل في بيعها، على أنه إذا كان النظام لا يسمح للعميل ببيع السلعة بنفسه إلا بواسطة المؤسسة نفسها فلا مانع من التوكيل للمؤسسة على أن يكون في هذه الحالة بعد قبضه السلعة حقيقة أو حكماً.
8. بالمقارنة بين قرارات المجامع المحرمة للتورق وبين معيار الأيوفي يلاحظ أن معيار الأيوفي من خلال الفقرة السابقة يتناغم مع قرار المدعين بالمنع أو التحريم من توكيل المصرف البائع بترتيب البيع النقدي، إلا أنه يقوم ويفتح نافذة للجواز إذا العميل لا يستطيع الوصول إلى سوق السلع بغرض بيع سلعته إلا عن طريق المصرف البائع نفسه. وهذا ينطبق على كل حالات التورق المنظم التي تجري في البنوك من خلال السلع والمعادن في بورصة لندن.
9. وجود التوكيل إذن فارق جوهري بين أيوفي وقرارات المجمعين في محل النزاع في التورق المنظم حيث ترى أيوفي الجواز؛ لأن البيع بدون توكيل لا يمكن في الأسواق المنظمة، بينما تقرر المجامع المنع مطلقًا إذا كان التوكيل جزءا من المعاملة.
10. لقد ذكر المجمعان أوصافًا أخرى للمعاملة كالقبض والحيازة ونية الحصول على النقد، ونحو ذلك وكلها أوصاف في غير محل النزاع، وسيتم تناولها في مقال قادم بإذن الله.