تحرير محل النزاع في التورق المنظم بين «أيوفي» والمجامع الفقهية 2

د.عبد الباري مشعل

1- انتهيت إلى القول بأن محل النزاع المشترك في قرار المجمعين بالمنع من جهة، ومعيار الأيوفي بالمنع من جهة أخرى هو في لزوم الوكالة. أي أن البنك ملتزم بقبول الوكالة عن العميل المستورق في بيع السلعة محل التورق نقدًا. ويتناول هذا المقال تقييم ما ذكره المجمع من أوصاف أخرى خلاف الوكالة الملزمة.
2- ذكر قرار مجمع الرابطة ثلاثة أسباب لتحريم التورق المنظم المقترن بالوكالة، وهي:

(1- أن التزام البائع في عقد التورق بالوكالة في بيع السلعة لمشترٍ آخر أو ترتيب من يشتريها يجعلها شبيهة بالعينة الممنوعة شرعاً، سواء أكان الالتزام مشروطاً صراحة أم بحكم العرف والعادة المتبعة. 2- أن هذه المعاملة تؤدي في كثير من الحالات إلى الإخلال بشروط القبض الشرعي اللازم لصحة المعاملة. 3 - أن واقع هذه المعاملة يقوم على منح تمويل نقدي بزيادة لمن سُمّي بالمستورق من المصرف في معاملات البيع والشراء التي تجري منه، والتي هي صورية في معظم أحوالها.
3- وأضاف قرار المجمع بأن (هذه المعاملة غير التورق الحقيقي المعروف عند الفقهاء ... فالتورق الحقيقي يقوم على شراءٍ حقيقي لسلعة بثمن آجل تدخل في ملك المشتري ويقبضها قبضاً حقيقياً وتقع في ضمانه، ثم يقوم ببيعها هو بثمن حال لحاجته إليه، قد يتمكن من الحصول عليه وقد لا يتمكن، والفرق بين الثمنين الآجل والحال لا يدخل في ملك المصرف الذي طرأ على المعاملة لغرض تبرير الحصول على زيادة لما قدم من تمويل لهذا الشخص بمعاملات صورية في معظم أحوالها، وهذا لا يتوافر في المعاملة المبيَّنة التي تجريها بعض المصارف.
4- عند التأمل في أسباب التحريم، يُلاحَظ أن لجنة صياغة القرار في مجمع الرابطة –وقد تابعتها لجنة صياغة القرار المذكور في مجمع المنظمة في التحريم في دورته الثامنة عشر في الشارقة- لم تنجح في بيان أسبابٍ خاصةٍ بتحريم التورق المنظم. وبيان ذلك؛ أن الشبه بالعينة المذكور في السبب الأول ليس كافيًا لتحريم التورق الفردي، ولذا فإنه لا يكفي لتحريم التورق المنظم، ولو قلنا به للزم المجمع تحريم التورق الفردي، وهو ما لم يقل به المجمع.
5- أيضًا الإخلال بالقبض الشرعي والصورية المذكورين في السبب الثاني والثالث للتحريم؛ ليسا سمة لازمة لعمليات السلع الدولية أو المحلية محل التورق المنظم، وإنما يحدث القبض الحكمي بناء على ما قررته المجامع والأيوفي، من خلال شهادات الملكية التي تعيّن السلع محل التورق، ومن ثم تحمل ما تتعرض له من خطر خلال فترة الملكية، وعليه العمل في كل التعاملات الدولية. ولا يلزم لمشروعية البيع القبض الحقيقي.
6- وفي ضوء ما سبق يُلاحَظ أن لجنة صياغة قرار مجمع الرابطة لم توفَّق بذكر سبب للتحريم يخصّ التورق المنظم المقترن بالوكالة الملزمة، وكل ما ذَكرَتْه من أوصاف في غير محلِّ النزاع بذاتها. ولا يعني هذا مصادرة الحكم الذي توصل إليه المجمع وبطلانه، بل إن سبب التحريم ما زال قائمًا وهو أن الوكالة الملزمة للبائع هي مظنة الصورية بصفة عامة، وعدم القبض بصفة خاصة، وهو أن البنك يلتزم بإيداع القيمة بصرف النظر عن جميع تلك الإجراءات التي تبدو شرعية في ظاهرها. وهي الشبهة التي سيطرت على قرار المجمع لكنه لم يظهرها بهذا الوضوح.
7- ولأن هذه الشبهة هي الأقوى في التحريم فقد ركز معيار التورق الصادر عن هيئة المحاسبة على تجنبها باشتراط (عدم الربط بين عقد شراء السلعة بالأجل وعقد بيعها بثمن حالّ، بطريقة تسلب العميل حقه في قبض السلعة. سواء كان الربط بالنص في المستندات، أم بالعرف ، أم بتصميم الإجراءات). ومع ذلك لم تر الأيوفي في لزوم الوكالة عن العميل إشكالاً شرعيًا إذا كان العميل لا يصل إلى بيع سلعته إلا بتوكيل البائع نفسه، وهو السائد في الأسواق المنظمة.
8- بهذا يتضح أن محلَّ النزاع بين المجمعين القائلين بالمنع، وأيوفي القائلة بالجواز يضيق إلى التحقق من القبض، وانتفاء الصورية، فإذا تحقق القبض وانتفت الصورية وفقاً للشرط المذكور في معيار التورق؛ فإن قراءتي المعمقة لقرار المجمع تسمح لي بالقول بأن الحكم الوارد في قرار المجمع لا ينطبق.
9- ورغم صدور قرار المجمع فإن البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية وخاصةً الخليجية ما زالت تمارس التورق المنظم مع القيام أحياناً ببعض التعديلات للخروج من طائلة المنع الوارد في قرار المجمع، وسيتناول المقال القادم شرح الطريقة التي تكيفت بها المؤسسات المالية الإسلامية مع قرار المجمع.